هيا افتح لي قلبك..
آخر نوع من أنواع الرحمات التي نريد أن نطبقها في حياتناº بل نجيدها: الرحمة بالناس أجمعين.. كيف ذلك!؟ ما عليك الا أن تفتح لي قلبك الآن.. عامل الناس برقة، وحاول أن تنتهز الفرص: تعطف على مسكين، تعفو عمن ظلمك، تبتسم لولد فقير مسكين.. والله انها أشياء كثيرة تستطيع بها أن ترحم الناس كل الناس، فهي من علامات رحمة لقلب، أما جرّبت يوما أن تنزل ومعك بعض النقود لتعطيها لمسكين، أما جرّبت وأنت في البيت تأكل طعاما طيبا، فمن رحمتك أنك أخذت جزءا من هذا الطعام، ونزلت من بيتك لتعطيه لفقير.. ان من رحمتك بالناس أنك تبحث عن هذه الفرص.. انسان يحتاج منك مالا فمن رحمتك به أن تفرّج عنه هذه الكربة..
قال صلى الله عليه وسلم:" من فرّج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرّج الله بها عنه كربة من كرب يوم القيامة" رواه البخاري 2442 و6951 ومسلم 6521 والامام أحمد 2\92.
هيا.. ارحم الناس، اياك ان تضرب أحدا على وجهه، نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضرب الوجه ولم يضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادما ولا امرأة الا أن يجاهد في سبيل الله أو تنتهك حرمة من حرمات الله فينتقم للله تعالى.. انه لم ينتقم لنفسه قط.
من رحمتك بالناس أنك تستر من أخطأ ولا تفضحه، واياك أن تعرف نقطة ضعف صديقك وتذله بها، فان ذلك كم دلائل قسوة القلب.
وعليك الرحمة بالناس في انتقاء الألفاظ معهم والتودد اليهم.
يقول أبو ذر: أمرني حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرحم المساكين وأجالسهم.
ومن رحمتنا بالناس ألا نعذب أحدا.. يقول صلى الله عليه وسلم:" أشدّ الناس عذابا يوم القيامة أشدّهم عذابا للناس في الدنيا".
ومن الرحمة بالناس: الرحمة بكبار السن، ايك أن تكون جالسا في المواصلات وترى رجلا كبيرا أو امرأة كبيرة، أو امرأة أيّا كانت، ولا تقوم فهذا ليس من الرحمة يقول صلى الله عليه وسلم:" ما أكرم شاب شيخا لسنه الا قيّض الله له من يكرمه عند سنّه". رواه الترمذي 2022.
وهكذا قد عرفت أنه لا بد أن نرحم الوالدين والأقارب والأطفال والنساء، والخدم والجيران، والعصاة والمسلمين المضطهدين والجسد والناس جميعا.
فهل بعد كل هذا ترحم الجميع وتنسى نفسك أن ترحمها وتخاف عليها من دخول النار؟
فكيف ترحم نفسك؟ بأن تطيع الله عز وجل..
اسأل نفسك الآن: كم ستأخذ من عشرة؟ واحدا، أم اثنين، أم خمسة، أم تسعة..؟
اخشى أن تكون قد رحمت الجميع وأدّيت حق الجميع، ولكنك مقصّر في الرحمة بوالديك فهذه تكون الطامة الكبرى..
فبالله عليك ابدأ بأبيك وأمك ولا تنسهما.
هنيئا لك رقة القلب ودمعة العين
انك لو طبقت كل هذه الرحمات وأجدتها واتقنتها ستجد شيئا عجيبا ألا وهو.. أن دمعة عينيك ستصبح ثريبة جدا وقلبك سيصبح رقيقا وحساسا، سبحان الله.. علاقة غريبة بين المسح على رأس اليتيم وكفالته والدعاء للمستضعفين والرحمة بالفقراء والمساكين والرحمة بالحيوان، وبين رقة القلب.
هنيئا لك يا من نويت الآن أن تطبق الرحمة.. هنيئا لك رقة القلب ودمعة العين فانها ستغسل الذنوب باذن الله.
الدموع رحمة يجعلها الله في قلوب عباده
وانظر الى النبي صلى الله عليه وسلم كيف كانت دموعه قريبة: بعثت اليه احدى بناته بأن ابنها يموت، فمن رحمته صلى الله عليه وسلم أرسل اليها:" ان لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل عنده بأجل مسمى، فلتصبر وتحتسب" فأرسلت اليه تقسم عليه ليأتيّنها فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت ورجال. فرفع الى رسول الله الصبيّ ونفسه تتقعقع_ قال: حسبته أنه قال: كأنها شن_ ففاضت عيناه، فقال: يا رسول الله ما هذا؟ فقال:" هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده انما يرحم الله من عباده الرحماء". رواه البخاري 1284 ومسلم 2132.
وانظر الى سيدنا عمر بن الخطاب حينما كان يمشي في الطريق فسمع طفلا يبكي فبكى عمر.. لماذا تبكي يا عمر؟" أخشى أن أحاسب عليه يوم القيامة"..
متى كانت آخر مرة بكيت فيها من خشية الله..!؟
متى كانت آخر مرة بكيت فيها لرؤية منظر مؤثر لانسان يستحق الرحمة!!؟
هل دمعتك قريبة..!؟ أم أن قلبك قاس غليظ!؟
اللهم ارزقنا قلبا خاشعا رقيقا وعينا دامعة الله آمين..
وانظر الى رقة قلب عمر بن الخطاب
جاء رجل لسيدنا عمر بن الخطاب وقال له شعرا، قال له:
يا عمر الخير جزيت الجنة اكسوا بناتي وأمهنّ
أقسم بالله لتفعلنّ
فقال له عمر: واذا لم أفعل يكون ماذا؟ قال: ان لم تفعل اذا أبا حفص لأمضين، قال عمر: وان مضيت يكون ماذا؟ فقال: والله عنهن لتسألن يوم تساق اما الى نار واما الى جنة، فبكى عمر بن الخطاب وسقط وهو يبكي، ثم قام مسرعا الى بيته يبحث عن كساء فلم يجد، فخلع رداءه وأعطاه للرجل، وقال له: خذ هذا ليوم تكون الأعطيات أمنا، لعلي أساق لا الى نار ولكن الى الجنة.
أخشى أن يتعلق قلبك ببلاغة الكلام فقط.
ولكني أدعوك لترى رحمة سيدنا عمر بن الخطاب ورقة قلبه ودمعته القريبة.. هل تستطيع أن تكون كذلك..!؟
وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة
ان الناظر الى حال العالم الآن لا يلاحظ شيئا في غاية الخطورة.. الا وهو كلما زاد العلم الحديث كلما قلت في العالم الرحمة.. تجد قنابل ذرية يموت بها ملايين، وقنابل جرثومية وقنابل عنقوديةو.. ولكن لماذا تقل الرحمة بزيادة العلم الآن!؟
لأن علما بدون رحمة كارثة.. مصيبة، ولذلك انظر الى القرآن.. حقا انه شفاء ورحمة.. لا يمكن أن تجد في القرآن كلاما عن العلم الا وتجده مقرونا بالرحمة.. سبحان الله..
يقول تعالى:{ ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما} غافر 7 ويقول أيضا:{ فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنّا علما} الكهف 65.
أراك الآن تقول: أولا مرة ألاحظ هذا.. لكن لو أننا نقرأ القرآن بتدبّر سنجد أسرار هذا القرآن قد دخلت قلوبنا وفهمتها عقولنا.. حقا انه شفاء لنا.
علم معه رحمة اذا انتظر خيرا كثيرا، وتقدما كبيرا وسعادة وطمأنينة واستقرار، ولكن علم بدون رحمة..!!!
وختامه مسك:
يا الله.. حتى ابليس!!!
يقول النبي صلى الله عليه وسلم:" ان الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة أمسك عنده تسعة وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه رحمة واحدة تتراحم بها الخلائق الى يوم القيامة، فاذا جاء يوم القيامة ضمّ الله هذه الرحمة الى التسعة وتسعين، ثم نشرها وبسطها على كل خلقه، كل رحمة منهم كما بين السماء والأرض فلا يهلك يومها الا هالك".
رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أما تمسك بولدها فقال:" أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار" فقالوا: لا، قال:" فالله أرحم بعباده من هذه بولدها" رواه البخاري 5999 ومسلم 6912. حتى ان العلماء يقولون:" حتى أن ابليس يتطاول لتدركه رحمة الله وأنّى له ذلك، ولكن من رحمة الله يخيّل له ذلك".
يقول الامام علي بن أبي طالب: لو قيل لي يوم القيامة سنجعل حسابك لأبيك وامك لرفضتº لأن الله سيكون ارحم بي من امي وأبي.
حقا " ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"..
ان يوم القيامة ليوم تشتد حاجتنا فيه لرحمة ربنا.. فهيا قدّموا لأنفسكم وابذروا الحب تحصدوا الحب.
" أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي"
وآخر رحمات يوم القيامة.. يوم يدخل أهل الجنة الجنة ويدخل أهل النار النار، ولكن هناك ما زال مجموعة من عصاة المسلمين في النار لم ينقوا بعد، فيقف النبي صلى الله عليه وسلم ويشفع لهم وينادي: يا رب عصاة أمتي، فيقول الله تبارك وتعالى: اذهب يا محمد فأخرجهم من النار، ويحد له حدا ويعد له عددا، فذهب النبي فيخرجهم من النار ويدخلهم الجنة، ثم يعود مرة أخرى، فما زال هناك عصاة من المسلمين في النار، فيحدث ما حدث في السابق، ثم مرة ثالثة، ثم رابعة وهكذا. ثم تشفع الملائكة ثم يشفع المؤمنون، ولكن ما زال هناك بقية في النار فيقول الله عز ودل: شفع الأنبياء ةشفع المرسلون وشفعت الملائكة، وشفع المؤمنون، وشفع حبيبي محمد، أفلا أعفو أنا، فيحم الله عز وجل فيضع قبضته في جهنم فيخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من لا اله الا الله محمد رسول الله فيخرجون وقد تفحمّوا، فيضعهم الله في نهر يسمى: نهر الحياة، فكأنهم ينبتون نباتا أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري: وآخر الرحمات دخول الجنة. رواه البخاري 4581 و7439 ومسلم 453.
يقول الله تبارك وتعالى للجنة:" أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي".
هل عرفتم الآن لماذا ادّخر الله تسعا وتسعين رحمة عنده؟ لأن الدنيا لا تستحق الا رحمة واحدة، ولكن الجنة تستحق مائة رحمة.. اللهم اقذف في قلوبنا الرحمة واجعلنا نتصف بها دائما وأبدا.. اللهم آمين.
الداعية عمرو خالد
الاسم: عمرو محمد حلمي خالد
الميلاد: 5\9\1967_ الاسكندرية.
المؤهل الدراسي: حاصل على بكالوريوس تجارة_ جامعة القاهرة 1988
زميل جمعية المحاسبين والمراجعين المصريين.
الدراسات الاسلامية: خريّج معهد الدراسات الاسلامية
دارس بكلية الدراسات العربية والاسلامية
يعدّ الماجستير في الاقتصاد الاسلامي.
العمل: محاسب قانوني ( شريك ومؤسس) بمكتب المحاسبون العرب.
الحالة الاجتماعية: متزوج، وعنده علي.