كان لضعف الانتماء إلى الإسلام حينا، وفقدانه أحيانا أثركبير في كل ميادين التربية والتوجيه! فقد نمت أجيال غفيرة وهي مائلة العود، خالية البال من الروابط التي تشدها إلى مبدأ أو غاية!
وساعد التعليم المدني البحت على استمرار هذا العوج واستمراره.
ووقع ذلك في أيام تشبثت فيها الأقليات بمواريثها الروحية وعضت عليها بالنواجذ، فشب أولاد المسلمين سائبين، وشب الأولاد الآخرون مقيدين بتعاليمهم ومقوماتهم التاريخية والاجتماعية..
من أغرب ما سمعت أن عربيا في أحد البلاد الإسلامية تزوج امرأة وانجب منها غلامين، وفي يوم ما عاد إلى بيته فلم يجد أحدا، وبحث في جوانب البيت الخالي فوجد كتابا من زوجته تخبره أنها يهودية، وأنها سافرت إلى تل أبيب لتقيم بها مع ابنيها، وأن له الحق إذا شاء أن يلحق بها...
كان الزوج التائه يحسبها مسلمة! هل رآها يوما تصلي، أوتقرأ قرآنا؟ أكان هويصلي أويصوم؟ أما شعريوما بفجوة تفصل بين قلبين ونهجين؟
إن الاستعمار الثقافي نجح في إنشاء كثيرين من هذا النوع الخرب!..
وقد يصل هذا النوع إلى مناصب الحكم ودفة القيادة العليا، فماذا يكون موقفه من الدين والمنتمين إليه والعاملين في حقله..
إنني سمعت حاكما كبيرا يقول: إن علماء الإسلام يطعمون أكلة دسمة في بيت أحد الرأسماليين، ثم يصدرون فتوى بعدئذ لمصلحته!
وقال حاكم آخر متحدثا عن عالم انتقده: إنه الآن مرميّ في السجن كالكلب!
ولم أسمع في طول الدنيا وعرضها حكاماً يصفون علماء الدين الرسمي في بلدهم بهذه الكلمات الوضيعة...
إنني أثبت هذه المآسي ليستيقن الشاكون في أن نصف الأمة العربية فقد الولاء لدينه، أو فقد حرارة الغيرة في صونه والحفاظ عليه..
وعندما يذهب أولئك إلى الخارج حكاما كانوا أو محكومين فلن يفيد الإسلام منهم شيئا...
وربما قامت لهم مؤسسات ثقافية تحمل العنوان الإسلامي، غير أن العاملين بهذه المؤسسات موظفون لا يقدمون ولا يؤخرون، وأغلبهم طلاب عيش، يوثر السلامة ويرفض الصدام.
ويستحيل أن نوازن بين جهود هؤلاء وجهود آلاف المبشرين والمستشرقين والساسة والأساتذة والإعلاميين الذي يصلون الليل بالنهار لنصرة دينهم وترجيح كفته..
ويؤسفني أن أقول: إن رسالة الأزهر مشلولة في هذا الجو المكفهر، وإن علماءه يتحركون في أماكنهم، ومن ثلاثين سنة تقريبا والدراسة في الأزهر تذوى، والمستوى العام يهبط، وقادته خواتم في أصابع الرؤساء..
لقد درست في كليات الأزهر نحو ربع قرن، وراقبت الأمور من القاع إلى القمة وشعرت باليأس!
وفي البيئات التي تحمل عنوان السلفية علل من نوع آخر..
ومن الإنصاف الإشادة بالانتماء الإسلامي البارز، والنظر إلى الدين وأهله باحترام، وقد علمت نحو عشرسنين في هذه البيئة وأرسلتني رابطة العالم الإسلامي إلى " سري لانكا " وأرسلتني جامعة الملك عبد العزيز إلى انجلترا وكندا والولايات المتحدة، وبذلت وسعي في خدمة المسلمين بهذه الأقطار كلها، وحمدت الله أن أتاح هذه الفرص لي أناس لم يستثقلوا ظلي، ولم يروا حرجا في نفع الناس بي...
والانتساب إلى السلف شرف غالي الثمن، لانه انتساب إلى خير القرون في تاريخنا، ورفض للشهوات والخرافات التي حفت بديننا في عصور الضعف والهزيمة..
بيد أن التفكير السلفي المعاصر أعجز من أن يحقق أهدافه المنشودة! ولن تصح دعايته وتؤتي ثمارها إلا إذا استكملت العناصر التي نذكرها بإيجاز فيما يلي.
العلوم الإنسانية مزدهرة في الحضارة الحديثة، وقد توفرأهلها عليها ليسدوا النقص الملحوظ في التفكير الصليبي السائد هناك، إن العلوم الدينية التي تستند إلى المسيحية لا تقدر على السير بالإنسانية، لا سيما في هذا الطور الذكي من أطوارها..
وقد يصل هذا النوع إلى مناصب الحكم ودفة القيادة العليا، فماذا يكون موقفه من الدين والمنتمين إليه والعاملين في حقله..
إنني سمعت حاكما كبيرا يقول: إن علماء الإسلام يطعمون أكلة دسمة في بيت أحد الرأسماليين، ثم يصدرون فتوى بعدئذ لمصلحته!
وقال حاكم آخر متحدثا عن عالم انتقده: إنه الآن مرميّ في السجن كالكلب!
ولم أسمع في طول الدنيا وعرضها حكاماً يصفون علماء الدين الرسمي في بلدهم بهذه الكلمات الوضيعة...
إنني أثبت هذه المآسي ليستيقن الشاكون في أن نصف الأمة العربية فقد الولاء لدينه، أو فقد حرارة الغيرة في صونه والحفاظ عليه..
وعندما يذهب أولئك إلى الخارج حكاما كانوا أو محكومين فلن يفيد الإسلام منهم شيئا...
وربما قامت لهم مؤسسات ثقافية تحمل العنوان الإسلامي، غير أن العاملين بهذه المؤسسات موظفون لا يقدمون ولا يؤخرون، وأغلبهم طلاب عيش، يوثر السلامة ويرفض الصدام.
ويستحيل أن نوازن بين جهود هؤلاء وجهود آلاف المبشرين والمستشرقين والساسة والأساتذة والإعلاميين الذي يصلون الليل بالنهار لنصرة دينهم وترجيح كفته..
ويؤسفني أن أقول: إن رسالة الأزهر مشلولة في هذا الجو المكفهر، وإن علماءه يتحركون في أماكنهم، ومن ثلاثين سنة تقريبا والدراسة في الأزهر تذوى، والمستوى العام يهبط، وقادته خواتم في أصابع الرؤساء..
لقد درست في كليات الأزهر نحو ربع قرن، وراقبت الأمور من القاع إلى القمة وشعرت باليأس!
وفي البيئات التي تحمل عنوان السلفية علل من نوع آخر..
ومن الإنصاف الإشادة بالانتماء الإسلامي البارز، والنظر إلى الدين وأهله باحترام، وقد علمت نحو عشرسنين في هذه البيئة وأرسلتني رابطة العالم الإسلامي إلى " سري لانكا " وأرسلتني جامعة الملك عبد العزيز إلى انجلترا وكندا والولايات المتحدة، وبذلت وسعي في خدمة المسلمين بهذه الأقطار كلها، وحمدت الله أن أتاح هذه الفرص لي أناس لم يستثقلوا ظلي، ولم يروا حرجا في نفع الناس بي...
والانتساب إلى السلف شرف غالي الثمن، لانه انتساب إلى خير القرون في تاريخنا، ورفض للشهوات والخرافات التي حفت بديننا في عصور الضعف والهزيمة..
بيد أن التفكير السلفي المعاصر أعجز من أن يحقق أهدافه المنشودة! ولن تصح دعايته وتؤتي ثمارها إلا إذا استكملت العناصر التي نذكرها بإيجاز فيما يلي.
العلوم الإنسانية مزدهرة في الحضارة الحديثة، وقد توفرأهلها عليها ليسدوا النقص الملحوظ في التفكير الصليبي السائد هناك، إن العلوم الدينية التي تستند إلى المسيحية لا تقدر على السير بالإنسانية، لا سيما في هذا الطور الذكي من أطوارها..
ومن هنا اتسع نطاق البحث في علوم النفس والإجتماع والاقتصاد والقانون والأخلاق والسياسة والتاريخ... الخ
وفي هذه الدراسات الإنسانية جوانب كشافة لأغوار النفس وطبائع الجماعات البشرية لا معنى لتجاهلها، وفيها جوانب تتفق مع وجهات نظرإسلامية ليست مما يرتضيه السلفيون اليوم، وهذه لا معنى للضراوة في محاربتها، وفيها جوانب محايدة لا ضد الدين ولامعه، فما قيمة مخاصمتها؟
وفيها جوانب ينكرها المسلمون كافة، وقد ينكرها أهل الأديان جميعا،فهذه تحارب بوسائل علمية لبقة ويصرف أهلها عنه بالإقناع لا بالسلاح حتى لو كان السلاح بأيدينا فكيف ونحن مستضعفون ؟
والدراسات الإنسانية والفلسفية قرعت أبوابنا، ودخلت دار الإسلام بإذن أو بغير إذن فما جدوى تجاهلها ومنع دراستها؟ إن الدروس التي تسمى دينية، تكاد تكون صفرا من الحقائق المثيرة، وما يكترث بها إلا الدهماء، ولو اطلع عليها قارىء متجرد لجعلها نتاجا عقليا للفكر الإسلامي من بضعة قرون!
وهذا التخلف يضر الإسلام ويلحق به هزائم شنعاء بين الطوائف المستنيرة..
وقد رأيت جهودا مخلصة للأستاذين محمد المبارك رحمه الله، وعبدالوهاب أبو سليمان عافاه الله في إضفاء الصبغة الإسلامية على العلوم الإنسانية، ولكن الأمر أكبر من جهود رجلين مهما كانت عبقريتهما..
وقادة الفكر السلفي يوم يجوسون أقطار الغرب وحصيلتهم فقيرة في الدراسات الإنسانية والفلسفية فلن يجدوا من يفتح لهم أقطار قلبه بل لن يجدوا من يفتح لهم نافذة صغيرة!!
إن زعيما غربيا مثل "رجاء جارودي" لا يلفته من ابن القيم مثلا إلا كتاب
" مدارج السالكين " أو كتاب " طريق الهجرتين "! وأكثر السلفيين يضيقون بالكتابين، ويهتمون بالجانب الفقهي وحده!
والسبب في ذلك فقر الغربيين المدقع في النواحي الروحية! فلم لا نعرف طبيعة العصر؟ ولم لا نستكمل أسباب النجاح في خدمة الاسلام؟ ولم نحمل الناس على الاكتفاء بقصورنا وجفافنا فإذا رفضوا أخذنا نشتمهم!
ألا فليدرس السلفيون كل الثقافات الإنسإنية إن صدقوا النية في خدمة الإسلام!!
وعندما كنت في ملتقى الفكر الإسلامي بالجزائر سمعت الدكتور" موريس بوكاي " يتحدث بحماس ظاهر عن الإسلام! إنه طبيب فرنسي مشغول بالدراسات الاستشراقية، وقد راعه أن القرآن يتحدث عن تخلقات الجنين في بطن الأم بدقة علمية تنادي بأنه من السماء نزل! وإلا فمن أين لمحمد هذه الحقائق الطبية المقررة؟
كما لفت نظره أن حديث القرآن عن بدء الخليقة لا يصطدم بما يؤكده العلماء المعاصرون على حين يجيء حديث العهد القديم محفوفا بشوائب كثيرة.
والريبة التي تكونت في النفوس من حديث الكتاب "المقدس" عن الكون والحياة، استخفت كل الاستخفاء في الأسلوب القرآني..
فماذا يحدث عندما يجيء دعاة مسلمون ينتمون إلى السلف ويؤلفون كتبا تزعم أن في القرآن نيفا وأربعين آية تقرر جمود الأرض في موقعها ودوران الشمس حولها.. وهو زعم كاذب لا ينطوي إلا على خليط من الجهالة والكبر!
وهو في هذا العصر فتنة عن الإسلام، وإساءة بالغة لكتابه الأول..!!
لو أن بدويا اعتنق هذا الفكر فليعش أو ليمت به إن شاء!
أما أن يقول باسم الإسلام كلاما يخالف أبجديات العلم الحديث وحقائقه المستقرة فمعنى ذلك أنه يفتن العلماء عن الحق، ويجعل جمهرتهم تحس هذا الدين بقية من خرافات القرون المتأخرة..
ومن ثم فإن تدريس الفيزياء والكيمياء والأحياء والجغرافيا وبعض الأوليات في الجيولوجيا والفلك أمر يحتاج إليه المشتغلون بالدعوة حتى لا يصعد مجنون منبرا ويكذب باسم الإسلام وصول الأميركيين إلى القمر!
ونصل إلى الحركة السلفية التي قادها في القرن الماضي محمد بن عبد الوهاب، إن كل غيرة على التوحيد مشكورة، وكل جهد لتنقية العقائد من الشوائب والأقذاء مقدور!
ونحن نأبى الإغضاء عن مسالك أقوام يرهبون الأموات أو الأحياء أكثر مما يرهبون الله، ويطلبون منهم ما لا يطلب إلا من الله سبحانه..
وما أعرف مسلما ذا عقل يخاصم هذه الحقائق أو يعترض أصحابها! ولو رزق محمد بن عبد الوهاب أتباعا ذوى حكمة وبصيرة لكانت الأقطار التي انفتحت له أضعاف مساحتها الآن..
إن الدعاة المصابين بضيق الفطن، واصطياد التهم، وشهوة الغلب يضرون أكثر مما ينفعون..
ولست أعتذر بذلك عن جهالات الدهماء وتعصبهم الأعمى لمواريث غبية، وإنما أطلب من حملة الحق أن يعرفوا كيف يسيرون به وكيف يجادلون عنه، فلا يكونوا كالطبيب الذي قتل مريضه بسوء العلاج..
ومن أبرز تعاليم السلفية- بعد صون العقائد من الدخل- رفض التقليد المذهبي، والعودة بالأمة إلى الكتاب والسنة! وهذا حسن، بيد أن تطبيقه يحتاج إلى تأمل..
فإن السلفيين لم يتركوا تقليد أحمد بن حنبل، وإيثارمدرسته! ومن حق غيرهم أن يفعل ذلك مع سائر الأئمة الباقين!
ثم إن الاجتهاد الفقهي ليس كلأ مباحا، فقد دخل في هذا الميدان من لا يؤمن على قراءة ورقة، وصدرت عنه فتاوى وأحكام تؤذي الإسلام وتنفر الخاصة والعامة منه..
والذي أرمي إليه من هذه المقدمة أمور لمستها في ميدان الدعوة، وأرجو أن نفيد منها..
عندما كنت في أوغندا على عهد عيدي أمين، جاءني من يطلب مني إلقاء درس ديني في المولد النبوي، فعرتني دهشة! وقلت لمحدثي: أظننا في شعبان؟ قال: نحن نحتفل بالمولد أكثر العام.!
قلت: حسنأ سآتي معكم، وتبسم وكيل الأزهر- وكنا مبعوثين معا- وقال: ماذا ستصنع؟ قلت له: هؤلاء يجتمعون على حديث في الإسلام أو على تلاقٍ لذكر الله، تحت عنوان المولد! ليس في حسابهم أكثرمن هذا.!
قال: إنك في مصر متهم بالوهابية؟ قلت: والوهابيون يتهمونني بالصوفية! وأنا طالب علم أبغي خدمة الإسلام وحده ولا أكترث بالعناوين، والله من وراء القصد..
وذهبت إلى الجمهور المحتشد، وألقيت درسا لا أذكر موضوعه، كان هدفي أن تحت التراب جمرا يوشك أن ينطفيء، ويجب أن أبقيه مشتعلا فتحدثت عن الله الواحد لأضع أسوارا عالية أمام زحف التثليث، وجليت بعض العقائد والأخلاق مستعينا بأحاديث نبوية كثيرة، وفي أثناء سرد الأحاديث قلت بلباقة: إن محمدا أعظم من أن يكون مولدا يقام في ليلة أوفي شهر! إنه رسالة يتصدى لها الآن شياطين الإنس والجن ونحن لهم بالمرصاد! ولابد أن نوصل رحمته إلى العالمين، وننفع بتراثه الناس أجمعين...
وبشرتهم بأن محبتهم لرسول الله ستقودهم إلى الجنة، وأننا سنلتقي كثيرا لنعرف كيف نتبعه ونحيي سنته.
أرجو أن يتضاعف هذا الجمع غدا لأننا سنشرح طائفة من شعب الإيمان .!
قال لي رفيقي: إنك ما حدثتهم عن بدعة الإحتفال بالمولد، وقال أحد المنسوبين إلى العلم: ولا عن خرافة التوسل!!
قلت: الحقائق التي آخذهم بها ستطرد في صمت ما عداها، كما يدخل الماء في الزجاجة فيطرد منها الهواء ليحل محله! إن مهمتي التنويرلا إلصاق التهم وحشد الادلة لاثباتها كي ألقي الناس بعد ذلك في جهنم، أنا مربٍ! لا مدّعٍ عام..
وقال آخر: لاحظت أن جمهرتهم يسدلون أيديهم في الصلاة! قلت: دعهم على ما ألفوا من مذهب مالك! إنني أريد شغلهم بالزحف الإستعماري على أرضهم ودينهم، ولن يعاقب الله أحدا أسدل يديه.
إن الدين هنا مهدد بالفناء، بل لقد تقلص عن بقاع واسعة، فعلقوا الناس بالأهم وخوفوهم من الأدهى.. أرجئوا الكثير مما يشغلكم الآن واكترثوا بالأركان ومعاقد الايمان والأخلاق والعبادات..
ويسوءني أنني تركت أوغنده، ثم ذهب بعد ذلك بسنين عيدي أمين، وتعرض المسلمون هناك لبلاء ماحق، وجاءهم من لا يحسن الكلام إلا في الأمور التي تعمدت البعد عنها، فكان هؤلاء الدعاة مع المبشرين الدهاة، ظلمات بعضها فوق بعض غطت مستقبل الإسلام وجرت عليه الهزائم...
وما يلقاه الإسلام من سوء حظ في أواسط إفريقية يتكرر في أقطار أوربا وغيرها! لماذا؟
لأن ناسا لهم أمزجة شاذة، ومعارف ضحلة هم الذين يدعون إليه ويعرفون به.
النيل وأقطار المغرب أنفتحت انفتاحا قويا على تفكير المدرسة السلفية، وقد رأيت جمعية العلماء في الجزائر- وهي الأساس الروحي والعملي لحرب التحرير- ورأيت جماعة الإخوان المسلمين في القاهرة ودمشق وغيرهما يجعلون الإطار السلفي ضابطا لأنشطتهم المدنية والعسكرية.
وكان التجميع المتصل لأعضاء هذه الهيئات قائما على أخوة وثيقة العرا، تتحاب بروح الله وترطب الألسنة بذكره، وتحول الإيمان النظري إلى مشاعر جياشة وعواطف فوارة... كأنها صدى للتربية التي رحب بها ابن تيمية عندما أثنى على الجيلاني والجنيد، أو التي تلبس بها ابن القيم وهويكتب طريق الهجرتين وغيره!
أي أنهم حكموا التصوف بالفقه وكرهوا الجلافة وبرودة النفس!!
والانتماء إلى السلف شرف يحرص عليه كل مسلم، ولوأمكن تحديد المفاهيم وتحرير الألفاظ وتحسين الظنون، وحمل أحوال المسلمين على الصلاح والخير لتحاشينا اللدد في الخصام، وتوصلنا إلى محو أغلاط كثيرة..
لا سيما ونحن أمة مزقها الخلاف وتربص بها الأعداء من كل حدب وصوب..!
سألني رجل عن قول البوصيري في مدح الرسول صلى الله عليه و سلم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم!
فقلت: هذا كلام لا يجوز، وهو إطراء نهينا عنه، وأرى أن التعبير خانه فجره إلى ما لا يليق، وقدر رسول الله صلى الله عليه و سلم عظيم، وكان يمكن الثناء عليه بخيرمن ذلك!
قال: هذا شرك، وصاحبه مرتد عن الإسلام!
قلت له: عندما تلتقيان عند الله يوم البعث، فاتهمه بالشرك، وسوف يتهمك بالافتراء، ويحكم بينكما علام الغيوب!
أما أنا الآن فلا أحب أن أجعل من هذه القضية علكا يمضغ، ولدي من شئون الإسلام والمسلمين ما هو أولى بالاهتمام.!
إن السب والتشفي لا يحلان مشكلة..
على أن مدح الرسول بهذا الأسلوب، والدفاع عن التوحيد بهذا الأسلوب لا يقدمان خدمة حقيقية لديننا، فهناك خطوات عملية أجدى، اتبعها أعداء الإسلام في نصرة عقائدهم، وفي تطويق رسالتنا، ألفت النظر إليها في الفصل التالي، لعلنا نرعوى!