لقد كان الإمام البنا رحمه الله يقوم بتوعية الناس سياسياً ويعتني بأتباعه عناية خاصة من خلال المحاضرات والندوات والمؤتمرات والرسائل التنظيمية التي كانت تصدر عنه.
ومما يدل على فقهه السياسي ما يقوم به من توعية سياسية، وهذا جلياً في رسالة بين الأمس واليوم، حيث عرض بوضوح قيام الدولة الإسلامية الأولى في عهد رسول الله ( ، واستنبط القواعد العامة التي قامت عليها هذه الدولة من كتاب الله تبارك وتعالى وسنة رسوله ( وذكر إحدى عشرة قاعدة منها:
إعلان الأخوة بين الناس.
تأمين المجتمع بتقدير حق الحياة والملك والعمل والصحة والحرية والعلم والأمن لكل فرد وتحديد موارد الكسب.
ضبط الغريزتين: غريزة حفظ النفس وحفظ النوع، وتنظيم مطالب الفرج والفم.
تأكيد وحدة الأمة والقضاء على كل مظاهر الفرقة وأسبابها.
اعتبار الدولة ممثلة للفكرة، وقائمة على حمايتها، ومسؤولة عن تحقيق أهدافها، وإبلاغها لناس جميعاً.
وبعد ذلك يذكر تطبيق هذه القواعد في الدولة الإسلامية وبخاصة في عهد النبوة ثم في عهد الخلفاء الراشدين، وكيف طاردت الدولة الفكرة الوثنية في الجزيرة العربية وبلاد فارس، وقضت على القبائل اليهودية المعادية للفكرة الإسلامية والمتعاطفة مع الفكرة الوثنية والمتآمرة على الدولة الإسلامية والعاملة على تدميرها. وطاردت فلول المسيحية القائمة على أوضار الشرك وعقيدة التثليث، وأخرجتها من بلاد العرب، وبقيت تطاردها خارج البلاد العربية بعد تحريرها حتى غزتها في عاصمتها القسطنطينية وفتحتها، وأصبحت مدينة إسلامية، وحاصرتها في أوروبا بل وصلت الجيوش الإسلامية إلى عمق أوروبا وحكت الدولة الإسلامية الأندلس.
وظلت الدولة الإسلامية قروناً عديدة أعظم دولة في العالم تتوسع رقعتها حتى تعرضت إلى غزو التتار في القرن السابع الهجري، وسقطت بغداد حاضرة الدولة الإسلامية تحت أيدي هذه الشعوب المتوحشة فسفكت دم ألفي ألف مسلم (مليونين) في بغداد وحدها كما يذكر ابن كثير في تاريخه البداية والنهاية. الجزء الثالث عشر ص202.
وفي القرن العشرين استطاعت الصليبية أن تقضي على الدولة العثمانية والخلافة الإسلامية.
هذا وقد حلل الأستاذ البنا الأسباب والعوامل التي أدت إلى القضاء على الدولة العثمانية تحليلاً يدل على وعي سياسي منبثق عن ثقافة إسلامية وفقه سياسي إسلامي وعن معرفة بأحداث التاريخ وإدراك لخصائص الأجناس البشرية، فمما لا شك فيه أن لكل جنس خصائصه وميزاته، فقد يكون شعب كالشعب التركي شعباً مقاتلاً متقناً لفنون الحرب، ولا يكون مهتماً بالعلوم كعلم الشريعة وأحكامها وقوانينها.
وأهم العوامل التي أدت إلى سقوط الدولة الإسلامية العثمانية عند الإمام البنا هي:
الخلافات السياسية والعصبية وتنازع الرياسة والجاه:
وهذا لا شك يدمر وحدة الأمة ويمزقها ويوهن قواها، وقد حذر القرآن منها فقال: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم (46) ) [الأنفال].
وحين تتحكم بالمسؤولين شهوة الحكم والحرص عليه ويجري التنازع بينهم على الرياسة والزعامة، وتنقسم الأمة في تأييد هؤلاء المتخاصمين وتذهب قوتها وسطوتها على الأعداء، بل تنقلب ضدها وتتفجر داخلها فتفجرها وتمزقها.
الخلافات الدينية والمذهبية والانصراف عن الدين كعقائد وأعمال إلى ألفاظ، ومصطلحات ميتة لا روح فيها ولا حياة، وإهمال كتاب الله والسنة النبوية، والجمود والتعصب للآراء والأقوال.
وهذه أمراض خطيرة حذر الإسلام منها المسلمين، فإن الرسول أخبر أن هذه الأمة موفّقة ما دامت متمسكة بكتاب الله وسنة رسوله ( فقال: "تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وسنتي".
أضف إلى ذلك التعصب للآراء والأقوال المذهبية المختلفة التي تقسم الأمة وتفرقها فلا يكون لها تأثير على أعدائها، بل تكون لقمة سائغة لهم. ولقد وصل التعصب المذهبي مداه في أواخر الدولة العثمانية حيث شاع البُغض بين أصحاب المذاهب وأدى هذا البغض إلى الخصام والتنازع والفشل. فلا يقبل الحنفي إمامة الشافعي، ولا يقبل الحنبلي إمامة الشافعي، وكانت تنشب بينهم مشاجرات وخصومات تراق فيها دماء، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
الانغماس في ألوان الترف والنعيم والإقبال على المتع والشهوات:
وهذا المرض فشا في المسلمين وحكام المسلمين منذ قرون عديدة قبل سقوط الدولة وظل يتفاقم خطره ويستشري أمره حتى ضعفت الأمة الحامية لهذه الدولة والقائمة على حراسة الدين وسياسة الدنيا به.
وقد حذر الله تبارك وتعالى من هذا المرض الفتاك بقوله سبحانه: (وإذا أردنا أن نُهلك قريةً أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمّرناها تدميراً (16) ) [الإسراء].
انتقال السلطة والرياسة إلى غير العرب:
والذي يقرا التاريخ الإسلامي يجد أنه مر على المسلمين أزمان وسد الأمر إلى غير أهله، وهؤلاء لم يتمكن الإسلام من قلوبهم، ولم يفقهوا أمور دينهم.
إهمال العلوم العملية والمعارف الكونية. والانشغال في فلسفات نظرية فارغة:
والدولة القوية هي الدولة التي تقوم بعد تطبيق أحكام الشريعة على إتقان العلوم والمعارف الكونية والاستفادة من اختراعاتها لتقوية الدولة وتثبيت أركانها.
غرور المسلمين بقوتهم وإهمال غيرهم والتهوين من شأنهم وعدم مراقبتهم ومعرفة أحوالهم المادية والعلمية وقدراتهم وخططهم الهادفة إلى محاربة الإسلام والمسلمين ومن ثم فلم يعدوا العدة الكافية لغزو هؤلاء ودحرهم، بل كان العكس تماماً، الغلبة لهؤلاء الغزاة.
الانخداع بدسائس المتملقين من أعداء المسلمين والإعجاب بأعمالهم ومظاهر حياتهم وتقليدهم في أهوائهم وشهواتهم، وقد نهى الإسلام عن التشبه بهؤلاء الكفار واتباعهم قال تعالى: (يا أيها الذين ءامنوا إن تُطيعوا الذين كفروا يردّوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين (149) ) [آل عمران].
ونتج عن ذلك استيلاء الكفار على بلاد المسلمين وتقاسمها الكفرة المستعمرون من إنجليز وفرنسيين وإيطاليين وهولنديين وبلجيكيين وشيوعيين. وأقصوا الإسلام عن الحكم ونشروا الإلحاد والإباحية في كثير من بلاد المسلمين، وفتنوا المسلمين عن دينهم، بل وطغت المادة على بلاد المسلمين.
ثم يذهب الأستاذ البنا إلى أن الأحوال التي آلت إليها بلاد المسلمين دعت كثيراً من المسلمين ليفكروا في رفع هذه الأخطار. وكان في مقدمة هؤلاء الأستاذ البنا وإخوانه حينما أنشأوا جماعة الإخوان المسلمين لتكون مهمتها بالنسبة للأحوال الاستعمارية السائدة في بلاد المسلمين إيقاظ المسلمين من سُباتهم وبعثهم من جديد وإنقاذهم مما هم فيه من الذل والهوان والاستعمار فحدد أهداف الإخوان العامة والخاصة.
أما الأهداف العامة فهي: تحرير العالم الإسلامي من أي سلطان أجنبي وإقامة ودولة إسلامية.
وأما الأهداف الخاصة فهي: إصلاح التعليم ومحاربة الفقر والجهل والمرض والجريمة، وتكوين مجتمع نموذجي يستحق أن ينتسب إلى شريعة الإسلام.
وقد حارب الأستاذ البنا الجهل بالتعليم، فأنشأ المدارس، وحارب الفقر بالعمل، فأنشأ الشركات والمصانع، وحارب المرض بالعلاج فأنشأ المستوصفات الطبية.
وحدد الوسائل العامة لتحقيق الأهداف في ثلاث وسائل: الإيمان العميق، والتكوين الدقيق، والعمل المتواصل.
وهذه الأهداف العامة والوسائل العامة تثير حنق المستعمرين الكافرين وأذنابهم، وعملائهم في بلاد المسلمين، فتحملهم على معاداة الدعوة والدعاة ووضع العقبات في طريقهم من أجل الحيلولة بينهم وبين تحقيق هذه الأهداف، فذكر لهم هذه العقبات وصوّرها، وأعدّهم للثبات على لأواء الطريق، والصبر على المكاره التي سيجدونها من هؤلاء الطواغيت وأعوانهم وعملائهم.
وختم دراسته هذه بوصية تتضمن دروساً حركية وسياسية ودعوية، وذكر واجبات للإخوان تُعينهم على تحقيق أهدافهم ووسائلهم العامة، باثاً الأمل في النصر والتمكين بقوله: وترقبوا بعد ذلك نصر الله وتأييده، والفرصة آتيةñ لا ريب فيها (ويومئذ يفرح المؤمنون (4) بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (5) ) [الروم].
هذا وقد فصل الإمام البنا رحمه الله في الرسائل الأخرى في مراحل إقامة الدولة الإسلامية، وقد تعرض لها عند الحديث لها عند الحديث عن مراحل العمل في رسالة التعاليم، والمؤتمر الخامس، ومشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي.