ولقد استخدم البنا رحمه الله صورة أخرى من صور التوعية السياسية، وهي رفع المذكرات إلى جهات متعددة، وإعلام الناس بها، وهذه المذكرات فيها توعية ومطالب وحقوق مهضومة لأهل فلسطين، فقد استولى الأعداء على ديارهم وطردوهم منها، وفي مقدمة هؤلاء المطرودين الحاج أمين الحسيني – رحمه الله- المفتي العام لفلسطين ورئيس اللجنة العربية العليا.
ومن هذه المذكرات ما رفعها إلى رئيس الوزراء المصري وقد جاء فيها:
ليس عليكم إلا أن تكاشفوا الساسة البريطانيين بوضوح وجلاء بحقيقة الموقف، وتطلبوا إليهم حل القضية الفلسطينية على هذه القواعد:
إيقاف الهجرة اليهودية إيقافاً تاماً، وأخذ المهربين بأقصى الشدة حتى تظلّ الغالبية بفلسطين عربية.
العفو الشامل عن كل المبعدين والمعتقلين والمجاهدين، والسماح بالعودة للمهاجرين.
عطف الحكومة على أسر المجاهدين بمنحهم الإعانات والتسهيلات التي تعوّöض عليهم بعض ما فقدوا من أرواح وأموال.
اعتراف الحكومة البريطانية باستقلال فلسطين عربية مسلمة.
انظر "مذكرات الدعوة والداعية" ص226.
ولقد وجه الأٍستاذ البنا رحمه الله مذكرة إلى السفير البريطاني في القاهرة جاء فيها:
إن قضية فلسطين قضية كل مسلم، وإن الحكومات الإسلامية والشعوب الإسلامية إن عبرت عن إظهار هذا الشعور المتمكن من نفوسها.. فإن هذا مما يزيد ألمها، ويضاعف همومها، وبالتالي لابد من الانفجار يوماً للشعور المكبوت، فتخسر إنجلترا صداقة العالم الإسلامي إلى الأبد، نرجو أن تدرك الحكومة البريطانية هذه الحقيقة قبل فوات الوقت بالرغم من كل ما يخدعها به اليهود.
انظر "مذكرات الدعوة والداعية" ص226.
قتال اليهود:
لقد آمن الإمام البنا رحمه الله أن الطريق السليم للمحافظة على الحقوق وتخليصها من مغتصبيها هو القتال، وتحقيقاً لذلك فقد أرسل كتائب الإخوان المسلمين إلى فلسطين والتزم بأن يرسل الألوف تلو الألوف لتحرير فلسطين من اليهود.
وقبل انتهاء الانتداب البريطاني في 15/5/1948 اجتمع زعماء الدول العربية في بلودان في سورية أرسل البنا رحمه الله برقية لهم يخبرهم بأنه على استعداد أن يقدم عشرات الألوف من شباب الإخوان المسلمين إلى فلسطين لتحريرها أو الاستشهاد فيها، وأن الكتيبة الأولى وعددها عشرة آلاف متطوع مجهزة للدخول والقتال.
انظر يوميات أكرم زعيتر ص322.
ولكن حكومة النقراشي العميلة للإنجليز قامت بما يرغبه الإنجليز في منع كثير من مجاهدي الإخوان المسلمين إلى دخول فلسطين والجهاد فيها، مما اضطر والحالة هذه بعض الشباب من المجاهدين إلى السير على الأقدام مسافات طويلة حتى دخلوا أرض فلسطين.
انظر "الإخوان المسلمون في حرب فلسطين" 64-65.
ومما يجدر ذكره هنا أن الحكومة المصرية التي كان يرأسها إبراهيم عبد الهادي قد شددت حملاتها في مطاردة الإخوان المسلمين وزجهم في غياهب السجون وأخذت تحيك المؤامرة ضد الأستاذ البنا لقتله والتخلص منه، بينما كان المجاهدون من الإخوان على ارض فلسطين قلوبهم تتمزق على ما يجري لإخوانهم على أيدي الطغاة والعملاء أولياء الشيطان.
وإزاء هذا الألم الذي يعتصر المجاهدين على أرض فلسطين بعد حل جماعة الإخوان المسلمين ومصادرة أموالهم وسائر ممتلكاتهم، كان الأستاذ البنا رحمه الله حريصاً على استمرار الجهاد في فلسطين، فأرسل رسالة إلى إخوانه المجاهدين يقول فيها: إن لا شأن للمتطوعين بالحوادث التي تجري في مصر، ما دام في فلسطين يهودي واحد، فإن مهمتهم لم تنته ... ثم يختم رسالته بوصية طويلة للإخوان يوصيهم فيها بالتزام الهدوء وحفظ العلاقات الطيبة مع إخوانهم وزملائهم ضباط الجيش وجنوده المجاهدين.
انظر "الإخوان المسلمون في حرب فلسطين" 229.