يثير مبحث ( ربانية التعليم ) قضية في التعليم الدعوي المنهجي هي على مقدار عظيم من الأهمية ، وبخاصة أن المذهب السائد فيها ، القائل بالتدرج ، يمكن أن يعاكس بمذهب آخر يقوم على اجتهاد مغاير لا يمنع تجاوز التدرج عند توافر مواصفات وشروط معينة.
وفي مثل هذا المواطن تختلط بعض الاصطلاحات ، كما هي مختلطة tفي القول المنقول عن ابن حجر من وجوب بدء المعلم بصغار العلم ومقدماته وجزيئاته قبل كباره ونتائجه وكلياته. فصغار العلم تعبير واضح، وبيان المقدمات قبل المقاصد أو النتائج أمر يوجه المنطق، ولكن تناول الجزئيات قبل الكليات ، والفروع قبل الأصول ، هما من الأمور المنهجية التي يتعدد فيها الصواب، وتختلف فيهما النظرات، وفي كل منها مقدار لا يمكن تجاوزه من وجوب التدرج الذي يتلاءم مع نظرية الربانية هذه، إنما فيهما أيضا مقدار من تأخير فتح ذهن الطالب المتعلم على صنعة التحليل والاستقراء، والقياس والاشتقاق ، وفي وقت ربما تكون فيه حده ذكائه في أقصى مستوى لها، وشغفه وإقباله في اكمل حضورهما، وبخاصة عند بداية التعلم، حيث تستبد الأشواق وتستعمر الهمم ، ولذلك يمكن ويجوز لبعض المربين أن ينتهج نهج تدريس العلوم من أعلاها، بذكر المهم قبل الثانوي ، وذلك الكليات والقواعد والموازين قبل الفروع والجزئيات والمقدمات، استثمارا لعاملي الذكاء والإقبال من باب، وقذفا لهذه المعاني في اللاشعور من باب آخر وأن لم يدرك الطالب تمام ما فيها، وتدريبا له أيضا من باب ثالث على التحليل والتركيب في وقت مبكر يجعله يلتزم المنهجية في استقبال المعلومات وتصنيفها ومعرفة قيمتها ، وقد يعطي المربي طلابة مثل هذه القواعد والتمارين التحليلية على جرعات ووجبات بينها فواصل زمنية يرجع خلالها إلى تعليمهم الجزئيات.
والفروع ، وهذه الطريقة تفرضها حاجة ماسة مرئية مجردة في الواقع هي مفاد نظرية الربانية ، إذا كيف يستطيع الاستقراء من لم تكن له ثروة من المعلومات الجزئية يستطيع إجالة النظر عبرها ليستقرئ منها شيئا من الملاحظات والأمور المتكررة على نسق واحد ليجمع منها قاعدة، مثلا؟ وكيف يستطيع القياس والاشتقاق من لم يحط أولا بخبر الحكم الواضح الثابت الذي يقاس عليه أو يشتق منه؟ ولهذا فإن مسألة تقديم الأصول على الفروع أو العكس يمازجها اجتهاد منهجي، ونظر ذوقي فراسي ، كما يتحكم فيها نوع العلم ، ومستوى الطالب في الذكاء ، والاستعداد ، ولا نرى الإطلاق في صحة أحد المنهجين المتعاكسين ، وإما هو اختيار للمربي تحكمه التجربة، بل وتحكمه المغامرة أيضا في بعض الأحيان، كما هي اختيار كذلك لواضعي المنهج التربوي ، ولكن هذه النسبية ليست نفيا للتدرج ، وليس هي أقل أثر وأهمية في إثبات وجوب نظرية الربانية ، فأنها تتضمن هذا التدرج المبتغي وأن جاز الوجه الآخر، وفي ذلك دفع وإبطال لغلط الدعاة المربين الذين يغفلون ولا ينتبهون إلى ضرورة التسلسل أو التدرج الذي تدعو إليه نظرية ابن عباس وابن حجر في ربانية التعليم.