وما عدا علوم الشرع فهي من صغرها، فما كان من الكتاب والسنة والإجماع فهو علم مقطوع به أنه من الحق ، وهو الذي عليه الثواب والعقاب، وهو ما أراد الله تبليغه لعباده، وأرسل لأجل هذا التبليغ رسوله به، وأنزل كتابه ، وفي مقابل ذلك علوم مختلفة مما في أيدي أهل الكتاب ، وما قاله أكابر هذه الأمة ، علماؤها وأمراؤها ، وكذلك تتضمن الأقيسة العقلية الشرعية، وما ينقدح في عقول البشر. كل فيه الحق والباطل ، فلا يرد كله ولا يقبل كله، بل يقبل منه ما وافق الحق ، ويرد منه ما فيه من الباطل.
وبها الميزان تصبح كل هذه العلوم من صغار العلم مقارنة بعلوم الشرعية القطعية التي يجب تقديمها، وذلك:
( إن الحق الذي لا باطل فيه هو ما جاءت به الرسل عن الله ، وذلك في حقنا ، ويعرف بالكتاب والسنة والإجماع ، وأما ما لتجي به الرسل عن الله ، أو جاءت به ولكن ليس لنا طريق موصلة إلى العلم به ففيه ، الحق والباطل ، فلهذا كانت الحجة الواجبة الاتباع: للكتاب والسنة والإجماع ، فإن هذا حق لا باطل فيه ، وأجب الاتباع لا يجوز تركه بحال.. ) (13).
بل وحتى العلوم الشرعية لها منازل ومراتب ، ولا ينتقل من علم إلى آخر إلا باستكماله ، فقد قال أحدهما لمؤدب ولده:
( لا تخرجهم من علم إلى علم حتى يحكموه، فإن اصطكاك العلم في السمع وازدحامه في الوهم: مضلة للفهم) (14).