وأما من لا يحيا حياة العلوم وانعزل في قرية بين الخضرة والجبال والطير فليس هو بأقل من صاحب التفاعل الحضاري ، فإن هذا ترق أحاسيسه ويحدث له ما يحدث للشعراء من إرهاف والتذاذ بالجمال ، فتزكو نفسه، وتتزن وتطمئن ، حتى تكون سكينتها هي الممهدة لقواعد الفقه الكبيرة ، وله مع لون وشكل كل وردة خلقها الله تعالى وتلمسها أناملها وتقبلها شفته وينطبع خيالها في شغاف قلبه : عقليه أخرى لميزان من موازين الفقه، وإطلالة عن الاجتهاد.
لكن المحروم هو من حرم هذا وهذا ، فعاش في عزلة عن الحضارة المدنية ، وعن آيات الله في الآفاق، وهو من سجن نفسه بين الجدران حتى يخشوشن طبعه ويتبلد علقه، أو حبسه أستاذه في مدرسته وجعل له من وظيفة حفظ الحواشي ما يطيل معه حتى ظهره ، ولمثل هذا كانت وصايا تدريس علم الجزئيات قبل الكليات.