والشدة الخامسة التي تواجه دعاة الاسلام هي شدة النفس ومنازعتها، وكيد النفس وضلالها، ومكر النفس وخبثها.. وصدق الله تعالى حيث يقول:{ وما ابريء نفسي ان النفس لأمارة بالسوء، الا من رحم ربي ان ربي غفور رحيم يوسف 51.
فنفس الانسان هي موطن التفاعل مع ما يردها من خير وشر، وحلال وحرام، وحق وباطل.. وهي الناء الذي يتسع لكل شيء.. ويتسع للهدى كما يتسع للضلال، ويتسع للطهر كما يتسع للعهر، وهذا معنى قوله تعالى: ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها وقد خاب من دسّاها.
والداععية في زحمة الهموم والمشاغل اليومية.. السياسية والمعيشية والعائلية ولحركية، قد ينسى نفسه.
انه قد يهتم بكل شيء من حوله.. ويقدم الخير لكل من هم حوله، ولكنه مع ذلك قد ينسى نفسه. ينسى حق نفسه من الهدى والخير، من العناية والرعاية.. وهنا يحدث ما ليس بالحسبان ويقع ما فيه الخسران.. خواء النفس وقسوتها ثم فتورها وانحرافها. وصدق الله تعالى حيث يقول:{ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون* كلا انهم عن ربهم لمحجوبون} ويقول:{ ثم قست قلوبهم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة، وان من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار، وان منها لما يشقق فيخرج منه الماء، وان منها لما يهبط من خشية الله، وما الله بغافل عما تعملون}.
فالنفس أمّارة بالسوء.. وان لم تلجم بلجام التقوى والدين، وتتابع بالترهيب والترغيب، تقتل صاحبها وترديه.. {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فان الجنة هي المأوى} وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول:{ أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك}.
ان على الأخ الداعية أن يعي أمرا هاما قد يغفل عنه الكثيرون ذلك الأمر هو أنه كداعية مهمته الأساسية أن يربح نفسه أولا.. ويحسن الى نفسه أولا.. والا فما قيمة أن يربح الدنيا ويخسر نفسه؟
ان الرابح الحقيقي، يوم القيامة، هو الذي ربح نفسه ولو خسر الدنيا والناس جميعا. وان الخاسر الحقيقي هو الذي خسر نفسه ولو ربح الناس والدنيا جميعا..{ قل ان الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة الا ان الظالمين في عذاب مقيم}.
ان من مقدمات خسارة النفس واشاراتها، هي اهمال النفس وعدم ترويضها على الالتزام بالشرع، وتحقيق ترجمة المبادئ الى أعمال والأقوال الى أفعال.. ولقد ندد القرآن الكريم بذلك فقال تعالى:{ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنت تتلون الكتاب أفلا تعقلون} { يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}.
فالداعية مطالب بمحاسبة نفسه قبل محاسبة غيره.. وبتربية ذاته قبل قيامه بتربية ذوات الآخرين.. وبالاحسان الى نفسه قبل مبادرته بالاحسان للآخرين.. وهذا مناط وصية على ابن أبي طالب كرّم الله وجهه حيث يقول:{ من نصّب نفسه للناس اماما فليبدأ بتعليم نفسه قبل أن يبدأ بتعليم غيره.. وليكن تهذيبه بسيرته قبل تهذيبه بلسانه. ومعلم نفسه ومهذبها أحق بالجلال من معلم الناس ومهذبهم}.
ولقد حدّث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مصير الذين يقولون مالا يفعلون، والذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، والذين ينصبون أنفسهم هداة وهم أبعد الناس عن الهداية، والذين يطالبون الآخرين بالاستقامة وهم منحرفون فقال: يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه، فيدور فيها كما يدور الحمار في الرحى، فيجتمع اليه أهل النار، فيقولون: فلان؟ أما كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: نعم، كنت آمر بالمعروف فلا آتيه، وأنهى عن المنكر وأتيه.
والى هذا يشير رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: تعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلن يأجركم الله حتى تعملوا.