ان الحسد من أمراض القلوب الفتاكة، وقد يذهب بايمان المؤمن ان لم يثب لرشده ويتب الى ربه، وتتداركه عناية الله ورحمته. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: دبّ اليكم داء الأمم من قبلكم، لحسد والبغضاء. والبغضاء هي الحالقة. أما أني لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين رواه البيهقي ويقول: ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من الحرص على المال والحسد في دين المسلم. وان الحسد ليأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. رواه الترمذي.
والدعاة الى الله عز وجل وبخاصة الموفقين منهم والنشيطين والمرموقين منهم والموهوبين، معرضون لألسنة الحاسدين وكيدهم.. يحسدونهم على علمهم وعلى كل خصلة من خصال الخير فيهم، ثم يتحينون الفرص للايقاع بهم وتحطيمهم..
يقول ابن المعتز: الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له، بخيل بما لا يمكله، طالب بما لا يجده.
ولقد أمر الله تعالى نبيّه ان يستعيذ وأمته من أذى الحاسدين فقال:{ قل أعوذ برب الفلق* من شر ما خلق* ومن شر غاسق اذا وقب* ومن شر النفاثات في العقد* ومن شر حاسد اذا حسد}.
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد حذر من الحسد والتحاسد ومن البغض والتباغض، ومن التنافس والتدابر فقال: اياكم والظن فان الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله اخوانا كما أمركم، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ههنا، وأشار الى صدره.. بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم.. كل المسلم على المسلم حرام دمه، وعرضه وماله رواه مالك والشيخان أبو داود والترمذي.
والذين يحسدون الدعاة على ما آتاهم الله من فضله وعلى ما وهبهم من علمه، نفوسهم عليلة، وقلوبهم مريضة، تسوّل لهم المكر باخوانهم تشافيا واطفاء لغلواء الصدور. تماما كما سوّلت (لقابيل) نفسه أن يقتل أخاه ( هابيل) حسدا وسخطا وضغينة وحقدا فقال الله تعالى:{ واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق، اذ قرّبا قربانا، فتقبّل من أحدهما ولم يتقبّل من الآخر، قال لأقتلنّك، قال انما يتقبّل الله من المتقين، لئن بسطت اليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يديّ لأقتلك اني أخاف الله رب العالمين. اني أريد أن تبوء باثمي واثمك فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاء الظالمين. فطوّعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين} المائدة.
ودعوة الاسلام على مدار التاريخ القديم والحديث شهدت حوادث ذات أبعاد مأسويّة كان الحسد أحد أبرز أسبابها..
لا أعني حسد الأبعدين وانما حسد الأقربين.
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
على المرء من وقع الحسام المهنّد
فكم من قادة وأئمة اتهموا زورا وبهتانا، وأشيعت حولهم الشائعات والأراجيف بسبب حسد حاسد مريض النفس لا يرعى فيمن حوله الا ولا ذمّة..
وكم من فتن أوقدت وأحقاد سعّرت بسبب حسد النفوس.
بل كم من صفوف تداعت وتصدّعت، وتبعثرت جموعها بفعل حسود حقود خسيس سار بالفتنة دون أن يخشى الله رب العالمين.. ودون أن يلتفت الى قوله صلى الله عليه وسلم: ليس من ذو حسد ولا نميمة ولا كهانة ولا أنا منه. ثم تلا قوله تعالى:{ والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا واثما مبينا}.
وآفة الحسد هذه في تفاقمها وهياجها تدفع بصاحبها أو أصحابها الى ارتكاب كل الحماقات والى استحلال كل المكروهات والمحرمات_ كالنار في اندلاعها وهياجها تحرق الأخضر واليابس دون أن تلوي على شيء.
فقد تسوّل للحاسد نفسه أن يكذب ويلفق ويختلق لينال من غريمه الذي يحسده.. وليته قبل أن يفعل قد أدرك عاقبة أمره، وسمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمثاله: أيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمة هو منها بريء، يشينه بها في الدنيا، كان حقا على الله أن يذيبه يوم القيامة في النار حتى يأتي بنفاد ما قال رواه الطبراني.
وقد يقع الحاسد في الغيبة والنميمة وهو يظن أنه يحسن صنعا.. ويبرر له شيطانه سوء عمله ليسقطه في الفتنة { ألا في الفتنة سقطوا وان جهنم محيطة بالكافرين. ان تصبك حسنة تسؤهم، وان تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون. قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون}.
وليت الحسود يعلم أن عاقبة أمرهى خسرا.. وأن الله قد أعد له ولأمثاله عذابا نكرا، وخاصة الذين يصرون على الفتنة ولا يرعوون أو يرتعدون ويتوبون، فقد قال صلى الله عليه وسلم: الربا اثنان وسبعون بابا، أدناها مثل اتيان الرجل أمه. وان أربى الربى اسطالة الرجل في عرض أخيه رواه الطبراني، وقال صلى الله عليه وسلم: من أكل لحم أخيه في الدنيا قرب اليه يوم القيامة، فيقال له: كله ميتا كما أكلته حيا، فيأكله ويضج رواه الطبراني، ويقول صلى الله عليه وسلم: الغيبة أشد من الزنى، قيل: وكيف؟ قال: الرجل يزني ثم يتوب فيتوب الله عليه، وان صاحب الغيبة لا يغفر له، حتى يغفر له صاحبه رواه الطبراني والبيهقي.
ويبيّن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى الغيبة فيقول: أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره. قيل: أرأيت ان كان في أخي ما أقول؟ قال: ان كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وان لم يكن فيه ما تقول فقد بهته.