والدعوة الاسلامية والدعاة الى الله تعرّضوا، على امتداد نصف القرن الماضي وحتى اليوم لمؤامرات شتى من أعداء الاسلام في الداخل والخارج.. لقد اغتيل منهم من اغتيل وقتل منهم من قتل وشرّد منهم من شرّد لأنهم أصروا أن يقولوا ربنا الله..
واتهموا بالعمالة للاستعمار والذين اتهموهم هم العملاء والأجراء؟
اتهموا بالخيانة ثم جاءت الأيام لتدمغ متهميهم بالخيانة؟
كانوا حربا على الوجود الصهيوني في فلسطين من أول يوم، وقدموا الشهداء يوم كان الحكام يقدمون لأعداء الأمة الولاء؟
كانوا حربا على الاستعمار الغربي، وخاضوا معارك القتال ضد الانجليز يوم الهامات والمقامات تتمسح على أعتاب الاستعمار؟
وكانوا حربا على الشيوعية والالحاد قبل أن تتكامل مؤامراتها على الأمة الاسلامية، وقبل ان تتسبب لها بالنكسات والنكبات؟
ففي مصر تعرضت الدعوة وأصحابها على مدار العهود السابقة لشتى أنواع البطش والتنكيل والاضطهاد.. لقد واجه جيل بأكمله ممن تخرجوا من مدرسة محمد بن عبدالله مؤامرة رهيبة لتصفيته..
استشهد حسن البنا المرشد العام للاخوان المسلمين عام 1949 على أيدي الطغمة الحاكمة وضمن مخطط وضعه الانجليز للقضاء على الحركة الاسلامية التي هزت امبراطوريتهم.. وذنب الامام الشهيد أنه صفع بالحق وجوه العبيد، ودعا لاخراج الناس من عبودية الطغاة والدوران في فلك الاستعمار الى عزة الاسلام وعبادة الله الواحد القهار.. فكان جزاؤه بضع رصاصات اخترقت جسده في وضح النهار { وما نقموا منهم الا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد}.
وفي العام 1954 سيق العالم الجليل عبدالقادر عودة الى حبل المشنقة، كما يساق القتلة والمجرمون، لأنه لم يرضى الدنية في دينه.. وقال للطغاة لا يوم كانت الهامات تنحني لهم رهبا ورغبا. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: اذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منها.
وفي عام 1966 حكمت محكمة الطواغيت، ظلما وعدوانا وزورا وبهتانا على المفكر الاسلامي الكبير سيد قطب، وقد لفقت عليه دولة المخابرات يومذاك اتهامات وأراجيف حملتها وسائل الاعلام بأسلوب وغد خسيس لاثارة الدهماء من الناس على الحركة الاسلامية وعلى أبنائها{ يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون}.
وفي ايران حكمت محكمة خاصة عام 1956 على المجاهد نواب صفوى ومجموعة من مجاهدي منظمة فدائيا اسلام بالموت ثمنا لانحراف السياسة الايرانية وارتباطها بعجلة الاستعمار الغربي.. فقد كان الشهيد واخوانه ينددون بهذه السياسة، وينادون بانتهاج سياسة مستقلة بعيدة عن مناطق النفوذ ويدعون الى تطبيق شرع الله في أجهزة الدولة والحكم..
وفي العراق اغتالت اليد الآثمة في السبعينات عددا كبيرا من الأئمة والدعاة، كما جرت وتجري تصفية الكثيرين في السجون والمعتقلات بل وفي بيوتهم ضمن مخطط يرمي الى استئصال الوجود الاسلامي. ولقد كان من هؤلاء الشهداء: الشيخ عبدالعزيز البدري صاحب كتاب حكم الاسلام في الاشتراكية.. والعلامة الشيخ عارف البصري.. والمجاهد عزالدين القباني.. والمجاهد عماد الدين تبريزي.. والشهيد هاشم عبدالسلام.. والشهيد عبدالرزاق شندالة.. والشهيد محمد البنا وغيرهم..
وفي عام 1976 قاضت روح المجاهد مروان حديد أبو خالد الى بارئها وهو في السجن تشكو الى الله ظلم الظالمين، بعد أن ذاق الجسد كل صنوف العذاب والأذى وبأبشع الأساليب وأحقرها وأخسها..
وهكذا تتتابع المحن في حياة الدعوة والدعاة.. فيشقى الطغاة بقتل الدعاة، ويسعد الدعاة بلقاء الله..
فحينما تواجه الدعوة الى الاسلام الارهاب والسجون والمشانق وتصبح جهادا ثقيلا وتضحية.. حينئذ يجد الجد وينتهي اللهو واللعب، ويتميز الذين يفهمون الدعوة جهادا مريرا وتضحية في سبيل الله بكل نفيس، من الذين يريدونها حياة هادئة من غير بذل ولا عطاء كأنهم نسوا قول الله تعالى:{ أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله الا ان نصر الله قريب} {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين. ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه لقد رأيتموه وأنتم تنظرون}.
قد يخيل للبعض ممن تحملهم الدعوة ويحلونها.. وممن يتقلون مبادئها دون أن يتفاعلوا معها.. قد يخيّل اليهم أن بناء الأمة، وانطلاق المسيرة، وانتصار الاسلام يمكن ان يكون بغير ذات الشوكة، بغير معاناة أو تعب، وكأنهم نسوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات} رواه مسلم وأحمد والترمذي وقوله: من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، الا ان سلعة الله غالية الا ان سلعة الله الجنة. رواه الحاكم والترمذي.
فالذين لم يعرفوا بعد طبيعة هذا الطريق عليهم أن يراجعوا الحساب ويعيدوا النظر، قبل أن يقع الامتحان، ويحدث ما ليس بالحسبان{ ومن الناس من يقول أمنا بالله فاذا أوذي في الله جعل فتنة الناس معذاب الله، ولئن جاء نصر من ربك ليقولن انا كنا معكم أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين، وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين}.
ان الذين يبدأون السير في درب الاسلام كثيرون.. أما الذين يكملون الطريق فقليلون..فنسأل الله الثبات على طريق دعوته حتى نلقاه..