بعد أغتيال النقراشى فى 28 ديسمبر 1948 بعد عشرين يوما من صدور الأمر العسكرى بحل جماعة الاخوان المسلمين والقبض على عدد كبير من الاخوان فى ظل وزارة إبراهيم عبد الهادى الذى خلف النقراشى باشا وجاءت هذه الوزارة بإجراءات أكثر عنفا وشراسة تجاه الاخوان المسلمين وقد اتسمت صفحات هذا ا لرجل ومواقفة من الإخوان بالسواد وأ تى بتصرفات يندى لها الجبين بحكم خضوعه للملك والانجليز وكان أداة طيعيحركونها كيفما شاءوا ولقدحاول الأستاذ تهدئة الجو وأجرى عدة اتصالات بالحكومة أملا فى أن يفيئوا الى رشدهم ويعودوا لجادة الصواب .
وأصدر الشهيد البنا " بيان للناس " ونشر فى 11 يناير 1949 وقال فى بعض فقراته : " ولقد حدث أن وقعت أحداث نسبت الى بعض من دخلوا الجماعة دون أن يتشربوا روحها أو يلتزموا نهجها مما ألقى عليها ظلا من الشبهة فصدر أمر بحلها وتلا ذلك هذاالحادث المروع حادث اغتيال رئيس دولة الحكومة المصرية محمود فهمى النقراشى باشا الذى أسفت البلاد لوفاته وخسرت بفقده علما من أعلام نهضتها وقائدا من قادة حركتها ومثلا طيبا للنزاهة الوطنية والفقه من أفضل أبنائها ولسنا أقل من غيرنا أسفا من أجله وتقديرا لجهوده وخلقه .
ولما كانت طبيعة دعوة الاسلام تتنافى مع العنف بل تنكره وتمقت الجريمة مهما يكن نوعها أو تسخط على من يرتكبها فنحن نبرأ الى الله من الجرائم ومرتكبيها ولما كانتبلادنا تجتاز الآن مرحلة من أدق مراحل حياتها مما يوجب أن يتوفر لها كامل الهدوء والطمأنينة والاستقرار. ومضى ا لامام الشهيد قائلا : لهذا أناشد إخوانى الله ةالمصلحة العامة أن يكون كل منهم عونا على تحقيق هذا المعنى وأن ينصرفوا الى اعمالهم ويبتعدوا عن كل عمل يتعارض مع استقرار الأمن وشمول الطمأنينة حتى يؤدوا بذلك حق الله والوطن عليهم ..
ويقل الاستاذ محمود عبد الحليم لقد أصدر الأستاذ المرشد البيان ونشر فى الصحف تحت عنوان " بيان للناس " وإن كان ممثلو الحكومة قد ألزموه بإثبات عبارات معينة لم يكن هو راضيا عنها ولكن ِ أملا فى تدارك الموقف المتفاقم ِ أجازها كارها "
وقد بدأت خيوط المؤامرة حول الامام الشهيد منذ اغتيال النقراشى باشا تتضح فقد اعتقلت مجموعة كبيرة من الاخوان المسلمين ومكتب الارشاد عدا الامام الشهيد تمهيدا لارتكاب الجريمة البشعة وتركه حرا ليجرى اتصالاته مع الحكومة حتى يكون تحت عين أجهزة الأمن " البوليس السياسى " وقد شعر الامام الشهيد بهذه المؤامرة وأنها تستهدفه هو شخصيا فطلب اعتقاله مع زملائه أو أن تفرج الحكومة عنهم كما طلب الشهيد من الحكومة مغادرة القاهرة لمكان آخر فلم ترد الحكومة على طلبه بينما كانت خيوط المؤامرة يتم نسجها فى أجهزة البوليس السياسى فإن عيون هذا الجهاز تراقب كل حركة وكل سكنة للإمام الشهيد ولكن المفاوضات مع الحكومة انهارت بسبب محاولة نسف محكمة الاستئناف فى 133 يناير 1949 وألقى القبض على أحد أعضاء الجهاز السرى بعد أن اكتشفت أنه سلم القنبلة لأحد السعاه لوضعها داخل المحكمة ولكنها انفجرت خارجها وتأثر الإمام الشهيد بهذا الحادث أيضا واتصل به بعض المسئولين فى الحكومة وحصلوا منه على بيان " ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين " ولكن بدلا من أن تنشره ا لحكومة كما فعلت مع البيان الأول فإنها حجبت البيان حوالى شهر أى فى 12 فبراير 1949 بعد ارتكاب الجريمة ا لبشعة واغتيال الإمام الشهيد حتى يحجبوا الحقيقة عن الناس ولايهامهم أن مرتكبى حادث محكمة الاستئناف هم من الاخوان المسلمين وكان المرشد العام يلح علىالحكومة أن تتيح له فرصة الالتقاء بإخوانه فى السجون والمعتقلات ليستعين بهم فى تهدئة الجو ولكن الحكومة كانت ترفض دائما ولكن بدون مقدمات وافقت ِ وبشكل مريب ِ على موعد يقوم فيه المرشد العام بزيارة الإخوان المعتقلين وبصفة خاصة أعضاء مكتب الارشاد .
وكان إبراهيم عبد الهادى قد أخبر أحد وزرائه وهو زكى على باشا وكان وزير دولة وأكده لأحد أقربائه وهو الاستاذ الناغى الذى كان عضوا مؤسسا فى جمعية الشبان المسلمين وأرسل اليه أحد أعضاء جمعية ا لشبان ا لمسلمين ليخبر الامام الشهيد بالنبأ السار ويطلب منه الحضور لدار الجمعية فى الساعة الخامسة يوم السبت الموافق 14 ربيع الثانى 12 فبراير 1949 وبعد مقابلة الامام الشهيد للأستاذ الناغى خرج الأستاذ حسن البنا ومعه الأستاذ عبد الكريم منصور والأستاذ الليثى ِ الذى أرسله الأستاذ الناغى للإمام الشهيد وركب ا لامام الشهيد سيارة أجرة وفجأة ظهر ثلاثة رجال مسلحون وانهالوا بمسدساتهم علىالسيارة فأصيب الامام الشهيد إصابة خطيرة ونقل الامام الشهيد البنا الى مستشفى قصر العينى لا سعافه .
ويقول الاستاذ عمر التلمسانى : " لقد ظنوا قتل الاستاذ حسن البنا سينهى وجود الاخوان ولقد دبروا ذهابه لجمعية الشبان المسلمين ليلتقى بمندوب من قبل ابراهيم عبد الهادى ليتحدث ويهدىء الجو ولكنهم كانوا يدبرون لقتله وانتظره ثلاثة من المخبرين فى الشارع وعند خروج الامام الشهيد أطئت أنوار نفس الشارع الذى توجد فيه جمعية الشبان المسلمين وانطلقت سبع رصاصات ونقل لمستشفى قصرا لعينى وهو حى وصدرت الأوامر من الملك الى ادارة قصر العينى بأن لا يسعف حسن البنا وظل الامام الشهيد ينزف طويلا حتى فاضت روحه الطاهرة إنما لو كان فى أجله بقية وأدركوه بالاسعاف لما مات قبلأن يحين الأجل ولكنها إرادة الله عز وجل .. ويؤيد ذلك شهادة الأستاذ محمد الليثى الذى كان مع الامام الشهيد لحظة وقوع الجريمة ِ والذى لاقى تعذيبا شديدا بعد ذلك بسبب شهادته ِ فقال الأستاذ محمد الليثى : ذهبت الى قصر ا لعينى ورأيت الأستاذ الإمام حين أدخل غرفة العمليات وكانت حالتة فى نظرى غير خطيرة بدليل أنه حينما طلب الدكتور من التومرجى خلع ملابس الشيخ البنا هب الشيخ وجلس وخلع ملابسه بنفسه وبعد ذلك وجدت شخصا يقول للدكتور : أنا جاى من قبل الحكمدار لأعرف حالة البنا وكان هذا ا لشخص هو الأمير لاى " محمد وصفى " ممثل الملك فى الجريمة ..والغريب أن الشخص الثانى الذى كان مع الامام الشهيد وهو عبد الكريم منصور كانت حالتة خطيرة بدليل أنه لم يستطع الاجابة عن عنوانه حين سألة الطبيب وتولى الامام الاجابة عنه " ولكن بعد ساعات أعلن وفاة الاستاذ الإمام الشهيد وشفاء عبد الكريم منصور ولم تكتف الأصابع الأثيمة بما فعلته وإنما نقلت جثمان الامام الشهيد وسط مظاهرة مسلحة من رجال البوليس بالبنادق والمسدسات وأرغمت السيدات على حمل الجسثمان الى النعش ولم يسمح لأحد من الأسرة بالاقتراب من الجثة .. حتى القرآن حرم عليهم تلاوته ونقل الجثمان الى مسجد فيسون القريب من المنزل ولم يسمح لأحد بتشييعه ولم يستطع أحد تقديم العزاء سوى مكرم عبيد باشا وظلت الحراسة مستمرة على قبره واعتقال كل من يقترب من قبر الامام الشهيد طيب الله ثراه .
إن هذه الوقائع تكشف بشكل واضح وسافر عن الجريمة البشعة التى اشترك فيها القصر بالاتفاق مع وزارة الداخلية وجهاز البوليس السياسى ولقد حاولت هذه الأطراف إخفاء وطمس معالم الجريمة ولم تسمح لأحد بالعزاء فى الامامالشهيد والطريقة الفظة والبشعة التى أوصلوا بها جثمان الإمام الشهيد لبيته تثير آلاف الشكوك حول المخطط الذى جرى تنفيذه فى الظلام للقضاء على داعية ما كان يدعو فى يوم من الأيام لعنف أو كراهية .. وقد مر التحقيق فى اغتيال الشهيد بعدة مراحل أولها فى عهد وزارة ابراهيم عبد الهادى وكان النائب العام وهو محمود منصور ولم يجرؤ أحد أن يتقدم بشهادته وعذب " محمد الليثى " بسبب إفصاحه عن رقم السيارة التى ارتكبت الحادث ضد الإمام الشهيد وقيد الحادث جناية ضد مجهول وثانيها : فى عهد وزارة الوفد ( حسين سرى باشا ) وجرت التحقيقات سرية ولكن لم يتم التوصل للجناة الحقيقيين .
وثالثهما فتح التحقيق بعد قيام انقلاب يوليو قبض على بعض المشتبه فى قيامهم بالجريمة ولكن طوال المدة بين ارتكاب الجريمة والتحقيق فيها طمس الكثير من معالمها ولذا فقد قررت الحكومة التى شكلت عام 1952 أنه لا محل لإقامة الدعوى على ابراهيم عبد الهادى وعبد الرحمن عمار وكيل الداخلية فى عهده ثم توالت دائرة الجنايات برياسة الدكتور كامل ثابت نظر القضية فى 10 نوفمبر 1953 ثم أصدرت المحكمة فى 2 أغسطس 1954 حكما بالسجن على أحمد حسين جاد ومحمد محفوظ ومحمود عبد المجيد بالسجن مددا تتراوح بين الأشغال الشاقة (25عاما ، 15 عاما ) ودفع تعويضات لأسرة الشهيد وأثبتت الحيثيات تواطؤ وزارة إبراهيم عبد الهادى والقصر فى القضاء على زعيم الإخوان المسلمين الشهيد الامام ..