التنظيم معناه ان تقوم الجماعة ا لاسلامية على التنظيم فى جميع شئونها وأعمالها .. وهذا الشرط عنصر جوهرى وأساسى للوصول الى الهدف وبدونه يتعذر على الجماعة النجاح والتوفيق وتصبح أعمالها بمثابة أعمال فردية مبعثرة لاتسمن ولا تغنى ولا تنتج ولا تعطى .. وإن أخذت طابع العمل الجماعى فى الظاهر . ولا يمكن للتنظيم أن يؤتى أكله ويشق طريقة .. حتى توجد القيادة المسئولة والجندية المطيعة والنظام الاساسى الذى ينظم العلاقات بين القيادة والقاعدة ويحدد المسئوليات والواجبات لكل فرد ويبين الوسائل والاهداف وجميع ما تحتاج اليه الحركة فى تسيير أعمالها وإدارة أجهزتها وتماسك بنائها ووحداتها ..
وإنه من الضرورى جدا أقامة تنظيم حركى للاسلام بنفس الأسلوب والنهج الذى أعتمده الرسول صلى الله عليه وسلم حين كان يهىء للدولة الاسلامية فى مكة وبعد أن ولدت وقامت فى المدينة فالرسول صلوات الله وسلامه عليه فى هاتين الفترتين لم يعتمد العمل الفردى المسيب وإنما حرص من أول يوم على أقامة تنظيم حركى جماعى مرتبط بقيادته وممتثل لأوامره .. بل كان عليه الصلاة والسلام يختار عناصر التنظيم اختيارا وينتقى أفراده انتقاء ليدفع بعجلة المسيرة الدعوية والحركة الاسلامية إلى الامام ..ليكون لها فى مستقبل الآيام شأن وتكون فى نظر العالم كله ملء السمع والبصر .
وحرص النبى صلى الله عليه وسلم على التنظيم يبدو ذلك من خلال تصرفاته فى اختيار أمير أو قائد على رأس كل مجموعة أو سرية ولو كانوا ثلاثة وكان يؤكد ذلك بوصاياه :" اسمعوا وأطيعوا ولو تأمر عليكم عبد حبشى " " إذا كنتم ثلاثة فأمروا أحدكم"..
هذا الحرص كله ولو كان فى أبسط الآمور وأصغرها فكيف إذا كبرت وتضخمت تشعبت كما هو الحال اليوم؟
ماهى أهم معالم التنظيم ؟
أولا ِ أن تحرص الجماعة على أن يتم أمر تعيين قائدها وقيادتها على أساس الكفاءه والخبرة والتفرغ وهذا لا يتأتى إلا أن تتصف القيادة بمواصفات روحية وتربوية عالية وخبرات سياسية وحركية ناضجة واطلاعات ثقافية وعلمية شاملة وقدرات نفسية وصحية ظاهرة وطاقات عقلية وخلقية فريده .. باعتبارهم وراث النبوة ورثوا منهم القدوة والعلم والدعوة والكياسة والآخلاق العظيمة الرائدة ..
ثانيا ِ أن تحرص قيادة الحركة على ايجاد مناهج تربوية شاملة يراعى فيها فارق السن وتفاوت الثقافة وطبيعة الجنسين من الذكور والاناث كما ينبغى عليهما أن تحرص على توحيد الفكر الاسلامى منهجا وافتاء وتصورا..
ثالثا ِ أن تهتم الجماعة بتأهيل الدعاة للعمل الاسلامى روحيا ونفسيا وخلقيا وعلميا وسياسيا ودعويا .. حيث تنظم لهم برامج نظرية وعملية وحلقات دعوية وحركية .. يتعلمون منها أصول الانضباط والطاعة .. ومواقف التعبير فى التحدث والمحاضرة والخطابة والكتابة ..
رابعا ِ أن تحرص الدعوة الجماعية على أن يكون الجهاز الادارى لديها قويا متينا متماسكا .. وهذا لا يتحقق إلا أن يوضع الفرد فى الجماعة فى المكان المناسب وأن يوظف الآعضاء العاملون كافة فى العمل ا لدعوى وأن يحاسب كل تسلم مسؤولية فى العمل الدعوى والحركى بما أنجز من أعمال وأن يكون الجهاز قادر على حل مشكلة كل عضو فى الجماعة مهما عظمت وأن يقف بحزم وحسم من مثيرى الفتن ومحدثى الانقسامات.. خامسا ِ أن تبذل قيادة الجماعة قصارى جهدها فى تنظيم ورقة عمل حركية مستتبعة المراحل مستكملة الحلقات .. فعلى ضوئها تعلم القيادة كيف تبتدىء ؟ وكيف تنتهى ؟ وتعلم أيضا إلى أين وصلت ؟ وماذا أنجزت ؟ وإلى متى تصل الى الهدف المنشود ؟
وهذه الورقة قابلة للتعديل والتطوير على حسب الواقع والظروف وعلى حسب ما عليه الجماعة من اليسر والشدة والأمن والضغوط ..وهى أيضا من أ سس التنظيم ومقومات الحركة ودعائم نجاح العمل الاسلامى فى الوصول الى أهدافه ومراميه ..
ِ وأخيرا على قيادة الجماعة أن تعلم جيدا أن كثرة الاقتراحات التنظيمية والحلول الايجابية .. لا تكفى ولا تجدى حتى تتحول إلى واقع عملى يراه الناس مجسدا فى سير الحركة وتماسك بنائها والوصول الى أهدافها ..
وكم سمعنا عن دراسات مثالية فى التنظيم الحركى والمسيرة الدعوية .. كتبها كبار الدعاة فى العالم الاسلامى فبقيت حبرا على ورق .. وتراكم عليها غبار السنين فى مكاتب ا لمحفوظات ؟ لماذا لكونها لم تتحول ولم تترجم الى عمل ولم تأخذ موقعها فى مجال التنفيذ والتطبيق ؟ žž!!
وسيدالدعاة صلوات الله وسلامه عليه ِ كما يقول الشهيد سيد قطب ِ كان هدفه الأول أن يصنع رجالا لا أن يلقى مواعظ وأن يصوغ ضمائر لا أن يدبج خطبا وأن يبنى أمة لا أن يقيم فلسفة ..
أما الفكرة ذاتها فقد تكفل بها القرآن الكريم وكان عمل محمد صلى الله عليه وسلم أن يحول ا لفكرة المجردة الى رجال تلمسهم الأيدى وتراهم العيون .. .
وهكذا ينبغى أن تكون المسيرة فى الدعوات وأن تأخذ الدعوة الاسلامية مركزها ومكانتها من التنفيذ والتطبيق فعلى الدعاة الذين يعملون فى الحقل الاسلامى أن ينظروا بعين الواقع والبصيرة الى سير حركتهم ويراجعوا بعزم وصدق ورقة أعمالهم ويسبروا باستيعاب وعمق سائر تنظيماتهم ومناهجهم ويدركوا جيدا الأخطار التى تحيط بهم وتكتنفهم .. فإن وجدوا سير ا لحركة ضعيفا وورقة العمل غير موجودة أو مهملة والتنظيم لا يأخذ موقعه من التطبيق والمناهج لا يعمل بها فى عالم الواقع .. فعليهم أن يستدركوا ذلك وأن يعقدوا ا لنية ويشحذوا العزم .. ليسيروا من جديد نحو عمل أفضل ومسيرة آمنة لا عوج فيها ولا التواء .. فإن لم يستدركوا النقص ويتلافوا الأمر ويسدوا الثغرة .. فليرتقبوا الانهيار والدمار لدعوتهم والتلاشى والزوال لحركتهم .. فإن الله سبحانه وتعالى لا ينصر قوما إلا بصدق نياتهم ومطابقة أفعالهم لأقوالهم وأخذهم بسنن النصر وأسباب العزة .. وصدق الله العظيم القائل : إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم .
وقبل أن أختم مقوم التنظيم للدعوة الجماعية أريد أن أضيف وأذكر إلى ماسبق ذكره أن ضخامة التحدى الذى يواجهه الاسلام ودعاته من قبل أعدائه على الصعيدين : الداخلى والخارجى .. يفرض على الحركات الاسلامية أن تكون أ عظم تنظيما وأعمق تخطيطا وأقوى مشسيرة وحركية ..حتى تستطيع أن تواجه التحدى بتحد آخر مثله وأن تقابل المحاربة بمحاربة أحكم وأشد .. علما أن أعداء الاسلام أينما وجدوا لهم عشرات التنظيمات السرية والعلنية وعدد كبير من الواجهات التى ظاهرها الرحمة وباطنها من قبلها العذاب لحرب الاسلام والمسلمين .. وأيضا فإن أعداء الاسلام يملكون من الاسباب المادية كما وكيفا ما لايحصى ويسخرون كل التقنيات الحديثة فى محاربة الحركات الاسلامية المخلصة والعقيدة الاسلامية بالذات تخطيطا وتنظيما .. وفوق هذا كله فإن أعداء الاسلام ِ كما يقول الاستاذ فتحى يكن ِ يتحركون ويتآمرون ويخططون من مواقع عالمية ومن معسكرات دولية ومن تنظيمات يهودية وماسونية .. ويأخذون حريتهم فى المجتمعات الاسلامية وأحينا تمكن لوجودهم وتآمرهم الحكومات العلمانية اللادينية .. فهل بعد هذا كله يعقل أ ن تكون المواجهة الاسلامية لأعداء الله قاصرة عاجزة غير مبنية على تخطيط وغير قائمة على تنظيم وغير متواكبة مع العصر ؟ žž!!.