روى ابن سعد أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج يوم السبت ’ فصلى فى مسجد قباء ومعه نفر من اصحابه من المهاجرين و الأنصار ’ ثم أتى بنى النضير ’ فكلمهم أن يعينوه فى ديّة الكلابيين اللذين قتلهما عمرو ابن أمية الضمرى وكان لهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم جوار وعهد ’ وكان بين بنى النضير وبين بنى عامر عقد وحلف ’ وذلك على ما رواه ابن اسحاق وغيره ’ فقالوا : نفعل يا ابا القاسم ما أحببت ’ وخلا بعضهم الى بعض وهمّوا بالغدر ’ وقال عمرو ابن جحاش النضرى : أنا أظهر على البيت فأطرح عليه صخرة - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا الى جنب جدار من بيوتهم .
وزاد ابن سعد أن سلام ابن مشكم ( وه من يهود بنى النضير ) قال لهم لا تفعلوا ’ والله ليخبرن بما هممتم به وإنه لنقض العهد الذى بيننا وبينه .
فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر بما همّوا فنهض سريعاً كأنه يريد حاجة ’ وتوجه الى المدينة ولحقه أصحابه ’ فقالوا قمت ولم نشعر ؟ قال : ( همّت يهود بالغدر ’ فأخبرنى الله بذلك فقمت ) .
ثم أرسل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن أخرجوا من بلدى فقد هممتم بما هممتم به من الغدر وقد أجلتكم عشراً ’ فمن رئى بعد ذلك ضربت عنقه .
فأخذوا يتهيأون للخروج ’ ولكن عبد الله ابن أبى ابن سلول ارسل إليهم : أن لا تخرجوا من دياركم وأقيموا فى حصنكم ’ فإن معى الفين من قومى وغيرهم يقاتلون عنكم ’ فعادوا عما عزموا عليه من الخروج وتحصنوا فى حصونهم ’ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتهىء لحربهم و السير إليهم .
ثم سار رسول الله صلى اله عليه وسلم إليهم ’ وقد تحصن اليهود بحصونهم معهم النبل و الحجارة ’ ولكن ابن أبى خذلهم فلم ينفذ وعده معهم ’ فحاصرهم النبى صلى الله عليه وسلم وأمر بقطع نخيلهم وإتلافها فنادوه : يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من يصنعه ’ فما بال قطع النخيل وتحريقها ؟ وقد أنزل الله تعالى فى ذلك قوله :( ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزى الفاسقين )
فعرضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا من المدينة كما أراد ..... ولكنه صلى الله عليه وسلم قال : لا أقبله اليوم إلا على أن تخرجوا بدمائكم فقط وليس لكم من أموالكم إلا ما حملته الإبل ’ عدا الحلقة ( أى السلاح ) ’ فنزل اليهود على ذلك واحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل .
قال ابن هشام : فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه ( أى عتبته ) فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به ’ وتفرقوا بين خيبر و الشام ولم يسلم منهم إلا رجلان : يامين ابن عمير ابن كعب ابن عم عمرو ابن جحاش وأبو سعد ابن وهب ’ فأحرزا أموالهما .
وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأموال على المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا إثنين من الأنصار أعطاهما لما ذكر له من فقرهما وهما ( سهل ابن حنيف وأبو دجانةسماك ابن خرشة ) ’ وكانت أموال بنى النضير خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ’ وذكر البلاذرى فى فتوح البلدان أنه كان يزرع تحت النخل فى أرضهم فيدخر من ذلك قوت أهله وأزواجه سنة وما فضل جعله فى الكراع و السلاح ’ ونزل فى بنى النضير سورة الحشر كاملة ’ ونزل تعليقاً على سياسته صلى الله عليه وسلم فى تقسيم أموال بنى النضير قوله تعالى :( وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء ’ والله على كل شىء قدير ’ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذى القربى و اليتامى و المساكين وابن السبيل ’ كى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ’ وما ىتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ’ واتقوا الله ’ إن الله شديد العقاب ) .
العبر و العظات :
وهذه صورة ثانية من طبيعة الغدر و الخيانة المتأصلة فى نفوس اليهود ’ وقد رأينا من قبلها صورة أخرى من خيانتهم فيما اقدم عليه يهود بنى قينقاع ’ وتلك حقيقة تاريخية صدقتها الوقائع التى لا تحصى ’ وذلك هو سر اللعنة الإلهية التى حاقت بهم وسجله بيان الله تعالى فى قوله :( لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ’ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) .
ثم إن فى هذه الواقعة لدروساً بليغة ’ ودلالات هامة تتعلق بكثير من أحكام الشريعة الإسلامية نذكر منها ما يلى :
أولا :- الخبر الذى جاء من الله تعالى الى رسوله صلى الله عليه وسلم بكشف ما بيته اليهود من الغدر به ’ تعد واحدة من الخوارق الكثيرة التى أكرم الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم قبل بعثته وأثناءها ’ وهى مما ينبغى أن يسترعى إنتباهنا ليحملنا على مزيد من الإيمان بنبوته ورسالته ’ والإقتناع بأن شخصيته النبوية تعتبر الأساس الأول لوجوده وصفاته الشخصية الأخرى .
وقد عبر بعض الكاتبين فى السيرة وفقهها عن هذا الخبر الإلهى الذى نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم بفضح نوايا اليهود - عبر عن ذلك بأنه ألهم ما بيته اليهود له ! وكلمة الإلهام تدل على معنى مشترك للناس كلهم فحاسة الإلهام - عن طريق الإشارات و القرائن - حاسة طبيعية لا تختص بها فئة من الناس دون غيرهم . وكلمة ( الخبر الإلهى ) كما يستعملها علماء السيرة رحمهم الله تعالى ’ إنما تدل على معنى هو من سمات النبوة و خصوصياتها ’ ونحن نعلم أن أن هذا المعنى دون غيره هو الذى جعل النبى صلى الله عليه وسلم يحس بالمكر ’ فهو الوفاء من الله تعالى بوعده القاطع لرسوله : والله يعصمك من الناس .
وإذا كان الأمر كذلك ’ ففيم التمويه فى التعبير ؟ ... أما إن هذا ليس إلا مظهراً من مظاهر إنكار معجزاته صلى الله عليه وسلم ’ وقد علمت فيما مضى أن مصدر إنكار المعجزات للرسول صلى الله عليه وسلم - بعد ثبوتها بالقطع المتواتر - ليس إلا صعفاً فى الإيمان بنبوته صلى الله عليه وسلم .
ثانياً:- قطع نخيل بنى النضير وإحراقها ’ ثبت بالإتفاق ’ والذى أتلفه الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك إنما هو البعض ثم ترك الباقى ’ وقد نزل القرآن تصويباً لما أقدم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك : قطعاً و إبقاءً ’ وذلك فى قوله تعالى :( ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله .... ) الحشر 5 .
وقد إستدل العلماء بذلك ’ على أن الحكم الشرعى فى أشجار العدو وإتلافها منوط بما يراه الإمام و القائد من مصلحة النكاية بأعدائهم ’ فالمسألة إذاً من قبيل ما يدخل تحت إسم السياسة الشرعية . قال العلماء وإنما كان قصد الرسول صلى الله عليه وسلم بتصرفه هذا فى نخيل بنى النضير - قطعاً أو كفاً - تحقيق المصلحة وتلمس السبيل إليها ’ إرشاداً وتعليماً للأئمة من بعده .
وبهذا ايضاً علل الشافعى رحمه الله ’ أمر ابى بكر رضى الله عنه بالإحراق و القطع حينما أرسل خالداً الى طليحة وبنى تميم ’ مع أنه نهى هو نفسه عن ذلك فى حروب الشام ’ ويقول رحمه الله فى هذا :( ولعل أمر أبى بكر بأن يكفوا عن أن يقطعوا شجراً مثمراً ’ إنما هو لأنه سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يخبر أن بلاد الشام تفتح على المسلمين ’ فلما كان مباحاً له أن يقطع ويترك ’ إختار الترك نظراً للمسلمين ) . وهذا الذى قلناه من إباحة قطع شجر الكفار وإحراقه إذا إقتضت المصلحة هو مذهب نافع مولى ابن عمر ومالك و الثورى وأبى حنيفة و الشافعى وأحمد وإسحاق وجمهور الفقهاء .
وروى عن ليث ابن سعد وأبى ثور و الأوزاعى بعدم جوازه .
ثالثاً:- إتفق الأئمة على أن ما غنمه المسلمون من أعدائهم بدون قتال ( وهو الفىء ) يعود النظر و التصرف فيه الى ما يراه الإمام من المصلحة ’ وأنه لا يجب عليه تقسيمه بين الجيش كما تقسم عليهم الغنائم التى غنموها بعد قتال وحرب ’ مستدلين على ذلك بسياسته صلى الله عليه وسلم فى تقسيم فىء بنى النضير ’ فقد خص به - كما رأيت - المهاجرين دون الأنصار وقد نزل القرآن تصويبا فى الايتين اللتين ذكرناهما .
ثم إختلفوا فى الأراضى التى غنمها المسلمون بواسطة الحرب : فذهب مالك الى أن الأرض لا تقسم مطلقاً ’ وإنما يكون خراجها وقفاً لصالح المسلمين إلا أن يرى الإمام أن المصلحة تقضى القسمة فإن له ذلك ’ ويذهب الحنفية قريباً من هذا المذهب .
أما الشافعى فذهب الى أن الأرض المأخوذة عنوة تجب قسمتها كما تجب قسمة غيرها من الغنائم ’ وهو الظاهر من مذهب الإمام أحمد .
ودليل ما ذهب إليه الشافعى ’ أن تصرف النبى صلى الله عليه وسلم بأموال بنى النضير على خلاف ما تقتضيه القسمة بين الغانمين فى الحرب ’ إنما كان بسبب عدم وجود أى قتال تسبب عنه الحصول على تلك الغنائم ’ وقد نصت الآية على ذلك فى معرض تعليل حكمه صلى الله عليه وسلم ’ فى فىء بنى النضير ’ وهى قوله تعالى :( وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء ) وإذا كان هذا هو مناط جواز عدم القسمة لأراضى الفىء فمن الواضح أنه إذا إرتفع الحكم معه ’ وعاد الحكم المنصوص عليه فى حق الغنائم ’ سواء فى ذلك الأراضى وغيرها .
ودليل ما ذهب إليه مالك وأبو حنيفة أمور كثيرة ’ من أهمها عمل عمر رضى الله عنه حينما إمتنع عن تقسيم سواد العراق ’ وجعلها وقفاً يجرى خراجها ريعاً للمسلمين وليس المجال هنا متسع لأكثر من هذا العرض المجمل فى الموضوع .
إنما الذى ينبغى أن ننتبه إليه من هذا البحث هنا ’ هو التعليل الذى ذكره الله تعالى فى الآيتين اللتين أوضحتا سياسته صلى الله عليه وسلم فى تقسيم فىء بنى النضير إذ إختص به أناساً دون آخرين ’ فقد ذكر الله تعالى فى تعليل ذلك بقوله :( لكى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ) أى كى لا يكون تداول المال محصور فيما بين طبقة الأغنياء منكم فقط .
و التعليل بهذه الغاية يؤذن بأن سياسة الشريعة الإسلامية فى شؤون المال قائمة فى جملتها على تحقيق هذا المبدأ ’ وإن كل ما تفيض به كتب الشريعة الإسلامية من الأحكام المتعلقة بمختلف شؤون الإقتصاد و المال يبتغى من ورائه إقامة مجتمع عادل تتقارب فيه طبقات الناس و فئاتهم ويقضى فيع على أسباب الثغرات التى قد تظهر فيما بينهم ’ والتى قد تؤثر على سير العدالة و تطبيقها .
ولو طبقت أحكام الشريعة الإسلامية وأنظمتها الخاصة بالمال من إحياء لشريعة الزكاة ومنع للربا وقضاء على جميع مظاهر الإحتكارات لعاش الناس كلهم فى بحبوحة من العيش ’ قد يتفاوتن فى الرزق ولكنهم جميعاً مكتفون ’ ليس فيهم كل على آخر وإن كانوا جميعاً متعاونون .
والمهم أن تعلم أن الله تعالى لما جعل غاية شريعته فى الدنيا إقامة هذا المجتمع ’ شرع لذلك وسائل وأسباباً معينة ألزمنا إتباعها وعدم الخروج عليها ’ أى أن الله تعالى تعبدنا بكل من الغاية و الوسيلة معاً ’ فلا يجوز أن يقال : أن الغاية من الإسلام إقامة العدالة الإجتماعية ’ فلنسلك الى ذلك ما نراه من الأسباب و السبل ’ بل إن هذا يعد خروجاً على كل من الغاية و الوسيلة معاً ’ فلن تتحقق الغاية التى أمرنا الله تعالى بتحقيقها إلا باتباع الوسيلة التى شرعها لنا سبيلا الى تلك الغاية’ والتاريخ أعظم دليل و الوقائع أكبر شاهد .
هذا وجدير بك أن تعود الى سورة الحشر بكاملها ’ لتتأمل التعليق الإلهى العظيم على هذه الحادثة بمجموعها وعامة ملابساتها : اليهود المنافقون ’ سياسة الرسول فى المال و الحرب وغير ذلك ... ’ فهذه السورة من أهم ما يمكنك من الوقوف على دوس هذه القصة وعظاتها .