الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: التربية الوقائية في الإسلام
المؤلف: فتحي يكن
التصنيف: طلابي
 

الفصل السابع

نماذج من الآفات الحركية وعلاجها الوقائي في الإسلام

أود في هذا الفصل أن أعرض لنماذج مختارة من الآفات والأمراض والمشكلات الحركية التي تطفو وتظهر على مسرح العمل الإسلامي وفي بنية الحركات الإسلامية المعاصرة وذلك بهدف التعرف إلى أسبابها وعواملها وللتأكيد على أنها من نتائج القصور أو الخلل التربويين وبسبب عدم اعتماد النهج الوقائي في التربية والتوجيه والتخطيط وفي معظم مجالات العمل الإسلامي .

 

أولاً : الانشقاقات الداخلية في الحركات :

تعتبر الانشقاقات الداخلية من أخطر الآفات التي تصيب الساحة بهدم الحركة واستنزافها وإجهاضها من الداخل ..

قد لا تقوى معاول الأعداء مجتمعة أن تنال من الحركة ما بقيت محصنة من داخلها وقد تجهز عليها فتنة داخلية فتجعلها هباء منثوراً .

وإذا قمنا بدراسة موضوعية دقيقة لاستكشاف الأسباب التي تقف خلف هذه الظاهرة لخرجنا بجملة أمور منها  :

ضعف المستوى التربوي

فهنالك خلل ما يجب أن يدفع لاستكشافه ومعالجته فقد يكون من المنهج التربوي وقد يكون من المربى وقد يكون من الاثنين معاً ونجاح التربية مرتهنة بسلامة المنهج وصلاحية المربى معاً .

وقد يتأتى ضعف المستوى التربوي من قصور في التخطيط أو خلل في خطط العمل بحيث يتضخم جانب من جوانب العمل على الجوانب الأخرى وقد بسبب استنزاف الحركة في معارك جانبية لا طائل تحتها ولا فائدة منها أو قد تستهلك كثيراً من طاقاتها في مشاريع لا تقع في الدرجة الأولى من حيث الأهمية والأولوية .

إن ضعف المستوى التربوي هو  الخرق الذي يمكن أن تدلف منه كل العلل والأوبئة والمشكلات إلى جسم الحركة وهو الذي يفتح الباب على مصراعيه أمام الفتن .

فهو المناخ المناسب للآفات المساعدة على حصول الهزات والانقسامات في حياة الأفراد والجماعات والحركات كالغيبة والنميمة وتتبع العورات والنقد الهدام والتشكيك والإرجاف وعدم التماس الأعذار وعدم التبين والتعصب للرأي والمكابرة والعناد وطرح الخلافات فيغير مواطن طرحها وإنشاء المحاور وتحريكها وتحويل الخلافات المبدئية إلى خلافات شخصية إلى ما هنالك من آفات وعلل لا تبقى ولا تذر.

إن ضعف التربية يعنى تدنى مستوى التقوى والورع يعنى ضعف قوامة الشريعة على السلوك والأعمال والأقوال والتصرفات عموماً وهذا يؤدى بالنتيجة إلى السقوط في حبائل الشيطان وشراك الهوى ومضلات النفس الأمارة بالسوء مما فيه هلكة الفرد والجماعة ..

إن ضعف التقوى والورع مدخل إلى الترخص واستصغار الذنوب والتساهل مع النفس مما يؤدى في النتيجة إلى ارتكاب الموبقات والكبائر تحت شعارات ومبررات وعناوين عريضة كلها في الحقيقة من تلبيس إبليس وهذا ما أشار إليه أنس رضى الله عنه حين قال :(( إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم  من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات)).

احتراف النقد والغيبة والنميمة

ومن عوامل الفتن التي تشق الصفوف وتنقض الغزل وتأتى على البنيان احتراف النقد وامتهان الغيبة والنميمة وتتبع العورات وتطاول الألسن وشيوع ذلك وانتشاره واستساغته وعدم استرذاله بحجة تصحيح الأوضاع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

هذا الداء العضال ابتليت به الحركات الإسلامية على امتداد الساحة محلياً وإقليمياً ودولياً وكان من نتيجته في كل حين : إحباط النفوس وتصدع الصفوف وفقدان الثقة وانكشاف الضعف أمام العدو . من هنا كان التحذير القرآني والنبوي من هذه الآفة قوياً صارخاً فقال تعالى: { لئن لم ينته المنافقون والذي نفي قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا  وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا } .

وعن سفيان بن عبد الله  رضى الله عنه قال  : قلت يا رسول الله حدثني بأمر اعتصم  به قال :  ((قل ربى الله ثم استقم )) قلت : يا رسول الله ك ما أخوف ما تخاف على ؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال :((هذا )) .

ومن الأمثلة القريبة المعاشة على ما تقدم : أن حركة من الحركات الإسلامية أصيبت بهزيمة سياسية أو عسكرية مما فتح الباب على مصراعيه أمام هذا الداء العضال بدأ بالتلاوم على مستوى القيادة ثم امتد إلى القاعدة حتى نخر بنيتها نخراً ! .

كان هؤلاء لا يتقون الله في أعراض إخوانهم يشرحونهم كما يشرح الطبيب الجثة أو كما يقطع الجزار الدابة من غير تحفظ في التعبير أو أدب في الخلاف أو موضوعية في النقد أو تخير للأطر التي يجب أن تطرح فيها مقولاتهم ناسين قول الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيماً } وناسين قول رسوله صلى الله عليه وسلم وتحذيره ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ به ما بلغت فيكتب الله بها سخطه إلى يوم القيامة )) .

فكانت النتيجة أن انشق الصف وتصدع البنيان وأصبح صف الحركة مرتعاً للشيطان ولا حول ولا قوة إلا بالله الملك الديان ..

والإمام النووي رحمه الله خصص في كتابه (رياض الصالحين ) بابا أسماه ( باب ما يباح من الغيبة ) فقال:

( اعلم أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها وهو ستة أبواب ):

 الأول : الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب .

الثاني : التظلم فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان أو غيره لإنصافه .

الثالث : الاستفتاء لتحصيل الحق ودفع الظلم .

الرابع : تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم .

الخامس : ذكر الفاسق بما فيه بعد أن يكون مجاهراً بفسقه .

السادس : جواز تعريف الإنسان بلقب معروف به كالعمش والعرج والحول وإذا أمكن تعريفه بغير ذلك أولى .

اهتزاز الثقة بالقيادة

ومن العوامل المساعدة على تصاعد الحركات وحدوث الانشقاقات اهتزاز الثقة بالقيادة بما يجرح جدارتها وأهليتها أو ينال من استقامتها ومصداقيتها لدى القاعدة .

وقد لا يترتب على هذا الأمر شئ خطير وشر مستطير لو أن هذه القيادة أخلت موقعها لغيرها وانسحبت من تلقاء نفسها إذن لسلم البنيان من الأذى والتصدع .

غير أنه في بعض الحيان يكون العكس هو صحيح فيتشبث القائد بمنصبة ويستغل موقعة ابشع استغلال ...فيقيم المحاور ويحرك الصراعات ويديرها ويحول مجاري الخلافات لينجو هو ولو هلكت الجماعة بكاملها !نعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وصدق الرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول :(( إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم )).

وفي حالة أخرى قد تكون القيادة فيها مظلومة والخروج عليها محض افتئات وافتراء وتعسف ومع كل ذلك فإنه يحسن بالقيادة أن تحيل القضية إلى جهة ثالثة لفصل الخطاب فتكون بذلك في مأمن من اللوم والعتاب وابعد عن الشبهة والحساب .

إن القيادة كي تبقى بالمعنى الصحيح لا بد وان تكون في منأى عن الشبهات وبخاصة ما يتصل منها بالشؤون المالية وعليها أن تكون الزهد والبعد عن كل ما يشتم منه رائحة النفعية وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول (( ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد في ما في أيدي الناس يحبك الناس )).

وعن عوف بن مالك رضى الله عنه قال ك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(( خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم )).قلنا : يا رسول الله أفلا ننابذهم ؟قال :((لا ما أقاموا فيكم الصلاة )).

نشوء مراكز قوى مختلفة

ومما يتسبب بالشقاق والانشقاق قيام مراكز قوى متعددة في الحركة إضافة إلى ضعف في القيادة يحول بينها وبين ضبط النزاعات وتحقيق التوازنات ولجم النوازع والتطلعات وحسم الخلافات والصراعات .

وأسباب نشوء مراكز القوى متعددة وكثيرة فقد يطغى الجانب السياسي ويتعاظم شأن القائمين به أشخاصاً وممارسات وقد يطغى الجانب العسكري فيتولد في المسئولين عنه شعور العجب والفوقية كما حصل يوماً بالنسبة للجهاز الخاص في مصر وتسبب بأسوأ المشكلات حيث دفعت الحركة بنتيجة ذلك ثمناً باهظاً وكان مدخلاً إلى محنة مريرة عاتية ..

ومن الأسباب وجود عوامل الكبر والغرور في النفوس أو حب العظمة وتسلق جدران الزعامة بأي ثمن فإذا توافق ذلك مع ظرف من الظروف قويت هذه العوامل ونمت وبلغت مرحلة اللاعودة حيث يصاب أصحابها بداء العتو والشموخ الذي أصيب به إبليس حين قال ((أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين )).

إن طاعة القيادة في الإسلام من طاعة الله ورسوله بحكم قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم } وبحكم قوله صلى الله عليه وسلم ((من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني )).

والطاعة هذه تلزم كل الأفراد على مختلف مواقعهم ومراكزهم ولو كانوا أعضاء في مجلس القيادة حتى يكون مصدر الأمر واحداً ومرجع الطاعة موحداً وإلا تعددت القيادات ونشأت بالتالي مراكز القوى واختل توازن كل شئ ..

وبديهي أن الطاعة المقصودة هي الطاعة بالمعروف لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فعن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك )).

ويجوز أن تسحب البيعة من قيادة جاهرت بالكفر والفسوق وانهارت الثقة بها وبات ضررها أكبر من نفعها بإجماع الثقاة من أهل الحل والعقد ممن اختاروها وولوها أما الخروج على القيادة وتشكيل المحاور وإيغار الصدور والتحريض على الفتنة والأذى والعدوان فإنه من مضلات الهوى ونزعات الشيطان وليس له فيشرع الله دليل أو برهان ..

إن حدود اعتراض الأفراد على سياسة ما أو موقف ما يجب أن ينحصر في المجالات التالية:

أ- أن تكتنف مسألة ما بشبهة مما يعرضها للمفسدة فإن على الأفراد في هذه الحالة واجب التبين والتنبيه ليس إلا .

ب- أن يختلف على تقدير تحقق أو عدم تحقق مصلحة ما فهذا وإن كان من حق القيادة فليس من ضير على الأفراد من التنبيه ولفت النظر .

ج- أما حق الأفراد في معصية القيادة وعدم طاعتها فينحصر في حال معصيتها القطعية والثابتة لله وعدم وجود أي مبرر شرعي لمواقفها وممارساتها وقيام الحجة عليها فيذلك .

فعن عبادة بن  الصامت قال : دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه فقال فيما أخذ علينا ((أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان )).

إن لتعميق معاني الطاعة مفاهيم شرعية يجب أن تربى القاعدة عليها ومنها إن من حقوق القيادة المفاضلة بين السياسات الجائزة واختيار ما يتناسب والظروف والمصلحة فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم في موقفه من الأسرى يمن على بعضهم ويقتتل البعض الآخر ويفادى بعضهم بالمال وبعضهم بأسرى المسلمين وقد فعل ذلك كله بحسب المصلحة ).

والقيادة لها الحق الشرعي في أن تحارب أو تهادن أو تحالف حسب المصلحة ومقتضى الضرورة شرط أن يكون ذلك بعد تمحيص الآراء والاستشارة .

وللقيادة الخيرة في الأخذ بواحدة من هذه السياسات واستحسان وتفضيل بعضها على بعض بحسب اجتهادها وتقديرها كما على الأفراد أن يلتزموا اختيارات القيادة ولو كانت مخالفة لآرائهم وقناعاتهم إلا أن يروا فيما اختارته القيادة وقررته خروجاً على الإسلام وتعريضاً واضحاً بمصلحة المسلمين ،وعندئذٍ يتعين عليهم مكاشفتها بالدليل الشرعي و الحجة البينة ، وفي حدود آداب التواصي بالحق وأصول النقد المباح .

فشل الحركة أو هزيمتها

ومما يتسبب بالخلاف و الشقاق ، ويفضي إلى الانشقاق :

فشل الحركة في قضية ذات أهمية ، أو انهزامها في معركة ، وبخاصة إذا تمحور السبب بالقيادة ، وكانت أصابع الاتهام مشيرة إليها وحدها ، فهنا تتحرك في النفوس أهواءها ويبتعث ما دفن وعفي عليه الدهر من سقطات وأخطاء ، وكأنها فرصة العمر وسانحة الدهر يجب اهتبالها !

فتنسى في تلك اللحظة المعاني الشرعية كلها ... فلا موضوعية ، ولا تثبت ، وإنما هوى متحكم ونفوس مشرئبة ، وفتنة هائجة يرتع فيها إبليس على هواه و العياذ بالله تعالى ! .

وفي غفلة من النفس ، وانسياق مع الشيطان ينسى الأخ أخاه ، ينسى أن " المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله " ، وأن " كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه " .

ينسى كل ذلك ويتحول وحشاً كاسراً ينهش إخوانه دون مخافة من الله أو استحياء منه تعالى ... ألا قتل الإنسان ما أكفره ! .

 في تاريخنا المعاصر تجربة مرة وقاسية ، اسأل الله أن يخرج أصحابها من الفتنة التي وقعوا فيها قبل أن تمزقهم شر ممزق ، كان السبب المباشر لهذه الفتنة ما سبق وأشرنا غليه ... فقد وقعت بساحتهم هزيمة دفعت الحركة ثمنها باهظاً من رجالها وشبابها ، وكان التلاوم وتبادل الاتهام ، وكان النقد و التجريح ثم ارتفعت وتيرة ذلك إلى الحد الذي ولد الغل و الحقد وكرس انشقاق الصف قاعدة وقيادة و العياذ بالله تعالى .

ولو أن هؤلاء جميعاً التزموا أدب الإسلام في الخلاف لفض لساعته ، ولكنها النفس المارة بالسوء ، النفس التي تنسى في ساعة الغفلة وارتكاس الإيمان كل القيم و التوجيهات القرآنية و النبوية ، وكأنه طبع عليها بالطابع الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله " الطابع معلق بقائمة عرش الله عز وجل ، فإذا انتهكت الحرمة وعمل بالمعاصي واجترئ على الله بعث الله الطابع فيطبع على قلبه فلا يعقل بعد ذلك شيئاً " .

جاء في كتاب ( أدب الاختلاف في الإسلام ) ما يلي :

( من خلال استعراضنا لقضايا الاختلاف نلحظ أن الهوى لم يكن مطية أحد من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، وإن الخلافات التي أفرزت تلك الآداب لم يكن الدافع إليها غير تحرى الحق ، كانوا يتحاشون الاختلاف وهم يجدون عنه مندوحة ، فهم يحرصون كل الحرص على عدمه ، وحين يكون للخلاف أسباب تبرره يسارعون للاستجابة للحق ، والاعتراف بالخطأ ، دون أي شعور بالغضاضة ، لا يجاوز أحد منهم قدر نفسه ، ولا يغمط حق أخيه ... وكل منهم يرى أن الرأي مشترك ن وأن الحق يمكن أن يكون فيما ذهب غليه ، وهذا هو الراجح عنده ، ويمكن أن يكون الحق فيما ذهب إليه أخوه ، وذلك هو المرجوح ، ولا مانع أن يكون ما ظنه راجحاً هو المرجوح ، ولا شئ يمنع أن يكون ما ظنه مرجوحاً هو الراجح .

كانت أخوة الإسلام بينهم أصلاً من أصول الإسلام الهامة التي لا قيام للإسلام دونها ، وهي فوق الخلاف أو الوفاق في المسائل الاجتهادية .

إن اختلاف الأولين ، و الذي وصل إلى حد الاقتتال ، لم يخرج هؤلاء على أدب الإسلام في الخلاف ، فالخلاف  بين على ومعاوية على شدته ، لم يخرج واحداً منهما عن طوره وأدبه ، فقد اخرج أبو نعيم عن أبى صالح قال : دخل ضرار بن صخرة الكنانى على معاوية ، فقال له : صف لي عليا فقال : أو تعفيني يا أمير المؤمنين ؟ قال : لا أعفيك ، قال : أما إذا لابد ، فإنه والله بعيد المدى ، شديد القوى يقول فصلاً ن ويحكم عدلاً ، ويتفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواصيه يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل وظلمته ، كان والله غزير العبرة ( الدمعة ) طويل الفكرة يقلب كفيه ويخاطب نفسه ن يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما جشب ( خشن ) كان والله لأحدنا ن يدنينا إذا أتيناه ، ويحيينا إذا سألناه ، وكان مع تقربه إلينا وقربه منا لا نكلمه هيبة له .

فإن يبتسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظم أهل الدين ويحب المساكين ، لا يطمع القوى في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله ، فاشهد بالله لقد رايته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه يميل في محرابه قابضاً لحيته ، يتململ تململ السقيم ، ويبكى بكاء الحزين فكأني اسمعه وهو يقول : يا ربنا يا ربنا ، يتضرع إليه ن يقول للدنيا : إلى تعرضت ؟ إلى تشوفت ؟ هيهات هيهات ، غري غيري ، قد بتتك ثلاثاً ( أي طلقتك ) فعمرك قصير ومجلسك حقير وخطرك يسير ، آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق .

فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها ، وجعل ينشفها بكمه ، وقد اختنق القوم بالبكاء ، فقال معاوية ، كذا أبو الحسن رحمه الله ...

وينال أحدهم من أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها بمحضر من عمار بن ياسر - الذي كان على غير موقفها يوم " الجمل " فيقول له رضى الله عنه :( اسكت مقبوحاً منبوحاً ، أتؤذى محبوبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأشهد إنها زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة لقد سارت أمنا عائشة رضى الله عنها مسيرها وإنا لنعلم أنها زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة ... ولكن الله ابتلانا بها ليعلم إياه نطيع أو إياها ) .

 

ثانياً : الانهيار الكامل للحركة

وبعض الحركات تتعدى إصابتها حدود الانقسامات والانشقاقات فتصاب بالانهيار الكامل وقد تندثر وتصبح أثراً بعد عين ...

وفي تاريخنا المعاصر حركات قامت ثم بادت .

وأجدنى في هذا المقام أمام حركة قامت في بلدنا ونمت بسرعة عجيبة وذاع صيتها في الآفاق ، ثم ما لبثت أن تهاوت وانفرط عقدها ، ولم يبق من آثارها إلا ما خلفته وراءها من سلبيات على ساحة العمل الإسلامي

ومن فقرات البيان الأول الذي صدر عن هذه الحركة تتضح معالم النهج المعتمد لديها و القائم على المفصلة المعلنة من أول يوم مع كل القوى والأنظمة و التنظيمات ن ودون أن يسبق ذلك إعداد وبناء وضبط وتنظيم لكل المقومات و الطاقات البشرية و التقنية والمنية و العسكرية والاقتصادية و الطبية وخلافها .... مما أقحم الحركة في أتون الصراعات و التصفيات المتلاحقة وافقدها القدرة على التحكم في زمام نفسها وخطاها ومواقفها وسياساتها وتصرفاتها ، وهذا ما جعلها عرضة لردات الفعل المختلفة ، وطعما سهلاً لاستدراج القوى و السياسات المعادية للإسلام ، وبذلك انتهت وحكمت على نفسها بالإعدام ! .

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error