يقول الإمام حسن البنا في رسالة العقائد :
(ونحن نعتقد أن رأي السلف من السكوت وتفويض علم هذه المعاني إلى الله تعالى أسلم وأولى بالاتباع حسماً لمادة التأويل والتعطيل فإن كنت ممن أسعده الله بطمأنينة الإيمان وأثلج صدره ببرد اليقين فلا تعدل به بديلاً ونعتقد إلى جانب هذا أن تأويلات الخلف لا توجب الحكم عليهم بكفر ولا فسوق) .
لقد غاب هذا عمن ذكرنا فزعموا أنه (ليس الإخوان المسلمين قاعدة عقائدية أجمعوا أمرهم على تبنيها ) و(عقيدة الإخوان في توحيد الأسماء والصفات مضطربة ).
وللأسف يقول هؤلاء إنهم يتبعون في ذلك مذهب السلف ويرجحونه ويدافعون عنه وهم يعلمون أن السلف قد أنكروا التنازع في المسائل التي لا ينبني عليها عمل ولم يذموا من سعى إلى التأويل تنزيها لله تعالى عن التجسيم والتشبيه .
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في إثبات الصفات :
(قوله تعالى { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } حيث عبر بها عن ملائكته ورسله أو عبر بها عن نفسه أو عن ملائكته ولكن قرب كل بحسبه فقرب الملائكة منه تلك الساعة وقرب الله تعالى منه مطلق كالوجه لثنى إذ أريد به لله تعالى ى نحن أقرب إليه من حبل الوريد فيرجع هذا إلى القرب الذاتي اللازم وفيه قولان :
أحدهما :إثبات ذلك وهو قول من المتكلمين والصوفية .
والثاني : أن القرب هنا بعلمه لأنه قد قال { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } فذكر لفظ العلم هن دل على القرب بالعلم .
ومثل هذه الآية حديث أبى موسى : ((إنكم لا تدعون أًما ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريباً إن الذي تدعونه قرب إلى أحدكم من عنق راحلته )) .
فالآية لا تحتاج إلى تأويل القرب في حق الله تعالى إلا على هذا القول وحينئذ فالسياق دل عليه وما دل عليه السياق هو ظاهر الخطاب فلا يكون من موارد النزاع .
وقد تقدم أنا لا نذم كل ما يسمى تأويلا مما فيه كفاية وإنما نذم تحريف الكلام عن مواضعه ومخالفة الكتاب والسنة والقول في القرآن بالرأي ) ويختم شيخ الإسلام ابن تيمية كلام في هذه المسألة بقوله:
ويجوز باتفاق المسلمين أن تفسر إحدى الآيتين بظاهر الأخرى ويصرف الكلام عن ظاهره إذ لا محذور في ذلك عند أحد من أهل السنة وإن سمى تأويلاً وصرفاً عن الظاهر فذلك لدلالة القرآن عليه ولموافقة السنة والسلف عليه لأنه تفسير للقرآن بالقرآن ليس تفسيراً له بالرأي .
والمحذور إنما هو صرف القرآن عن فحواه بغير دلالة من الله ورسوله والسابقين كما تقدم ) .
الأصول بين الأقوال والأعمال :
ولما كان المتاجرون بالخلافات في كل العصور يستخدمون اسم العقيدة أو الأصول لوصف من يخالفهم أو من يريدون هم مخالفته بالانحراف عن العقيدة أو الأصول .
فإن شيخ الإسلام ابن تيمية قد أغلق باب الفتنة في وجه هؤلاء وذلك بقوله رخمه الله :
(وأصل هذا ما قد ذكرته في غير هذا الموضع:
أن المسائل الخيرية قد تكون بمنزلة المسائل العلمية وإن سميت تلك (مسائل أصول ) وهذه (مسائل فروع ) فإن هذه تسمية محدثة قسمها طائفة من الفقهاء والمتكلمين وهو على المتكلمين والأصوليين أغلب ولا سيما إذا تكلموا في مسائل التصويب والتخطئة .
وأما جمهور الفقهاء المحققين والصوفية فعندهم أن الأعمال أهم وآكد من مسائل الأقوال المتنازع فيها فإن الفقهاء كلامهم إنما هو فيها وكثيراً ما يكرهون الكلام في كل مسألة ليس فيها عمل كما يقوله مالك وغيره من أهل المدينة بل الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين (مسائل أصول ) والدقيق (مسائل فروع) فالعلم بوجوب الواجبات كمباني الإسلام الخمس وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة كالعلم بأن الله على كل شئ قدير وبكل شئ عليم ونه سميع بصير وأن القرآن كلام الله ونحو ذلك من القضايا الظاهرة المتواترة ولهذا من جحد تلك الأحكام العملية المجمع عليها كفر كما أن من جحد هذه كفر .
وقد يكون الإقرار بالأحكام العملية أوجب من الإقرار بالقضايا القولية بل هذا هو الغالب فإن القضايا القولية يكفي فيه الإقرار بالجمل وهو الإيمان بالقدر خيره وشره وأم الأعمال الواجبة فلابد من معرفتها على التفصيل لأن العمل بها لا يمكن إلا بعد معرفتها مفصلة ولهذا تقر الأمة من بفصلها على الإطلاق وهم الفقهاء وإن كان قد ينكر على من يتكلم في تفصيل الجمل القولية للحاجة الداعية إلى تفصيل الأعمال الوجبة وعدم الحاجة إلى تفصيل الجمل التي وجب الإيمان بها مجملة ) انتهى .