# تعريف الشخصية الإسلامية.
# تعريف العقلية الإسلامية .
تعريف النفسية الإسلامية .
ملامح التشوه :
- ضعف الورع .
التأثير بمظاهر الحياة .
التراجع أمام الضغوط .
الخوف من المجتمع .
# مناقشة أسباب التشوه .
- فساد مناهج التربية .
- فساد مقاصد التربية .
-فساد المربي .
لا أجدنى مبالغاً إذا قلت إن الشخصية الإسلامية الحديثة تختلف اختلافاً كبيراً عن الشخصية الإسلامية التي عاشت في صدر الإسلام والتي كان أصحابها في الحقيقة صورة معبرة عن شتى مجالات حياتهم وقبل الدخول في مناقشة أسباب التشوه الذي أصاب الشخصية الإسلامية الحديثة لا بد من تعريف الشخصية أولا بشكلها التجريدي ومن ثم تعريفها بمواصفاتها الإسلامية وبيان مظاهر التشوه التي أصيبت بها هذه الشخصية في العصر الحاضر .
# تعريف الشخصية :
كل شخصية تتكون من عقلية ونفسية ولا علاقة للشكل والزي والقامة في ذلك كما قد يتوهم البعض فكم من أناس لهم أجسام ضخمة وقامات مديدة وأشكال حسنة وهم ضعاف الشخصية وكم من أناس قصار القامات قبيحي الأشكال هزيلي الأجسام ويتمتعون بشخصيات فذة ولا أنكر أن تكون هذه المظاهر ( الجسمية ) إضافات مساعدة لقوة الشخصية بشرط توفر العوامل الأساسية في تكوين الشخصية كما توفر ذلك ( الطالوت ) حيث يشير القرآن الكريم إلى ذلك فيقول{ إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتى ملكه من يشاء والله واسع عليم }.
# تعريف الشخصية الإسلامية :
وإذا كانت الشخصية تتكون من عقلية ونفسية فالشخصية الإسلامية بالتالي تتكون من العقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية ..
فماذا نعنى أولاً بالعقلية الإسلامية ثم ماذا نعنى بالنفسية الإسلامية ؟
نعنى بالعقلية الإسلامية العقلية التي تفكر وتحلل وتحكم على أساس الإسلام وعلى أساس نظرته الكلية للكون والإنسان والحياة . العقلية التي تصدر في كل شأن من الشؤون عن الإسلام سواء في شؤون العقيدة أم في شئون التشريع أم في شئون الأخلاق وسواء في نطاق التصرفات الخاصة أو في نطاق التصرفات العامة . العقلية التي تفسر الأحداث كل الأحداث وتحللها وتحكم عليها من وجهة نظر الإسلام .
وأساس العقلية الإسلامية ومنطلقها الأول الإيمان بوجود الله وسائر الغيبيات الأخرى وبالتالي رد القول بمادية الحياة واعتبار حق التشريع والحاكمية لله لا للناس.
ونعنى بالنفسية التي تقوم بتصريف الغرائز والميول وفق أحكام الشرع النفسية التي تستفتى الإسلام وتلتزم بما يفتى به وتتقيد فلا يتحكم بها هوى أو تقودها شهوة أو تستبد بها مصلحة .
والنفسية الإسلامية هي بالتالي التجسيد الفعلي والتطبيق العملي والترجمة الحسية للعقلية الإسلامية إنها الأثر الفعلي للإيمان مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم ( ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل )
من هنا يتبين أن الإسلام يكون الإنسان المسلم ويكون شخصيته الإسلامية بتثبيت العقيدة الإسلامية والشريعة الإسلامية في تفكيره أي يجعل تفكيره إسلامياً حتى تتكون لديه العقلية الإسلامية ثم ببيان حدود الإشباعات والميول وبدفعه إلى الالتزام بها وبترويضه على ذلك سواء بالتكاليف العبادية أو بالتربية الروحية حتى تتكون لديه النفسية الإسلامية وحتى يصبح بعقليته الإسلامية ونفسيته الإسلامية ذا شخصية إسلامية أي يصبح إنساناً مسلماً يفقه معنى الحياة ورسالته في الحياة .
يفهم أن الحياة طريق الآخرة وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى والآخرة خير وأبقى وإنها لهي الحيوان لو كانوا يعلمون .
يفهم هذا فيفرغ قلبه من هموم الدنيا وحظوظ النفس ويلزم حب الله والعمل لآخرته فلا تكون الدنيا أكبر همه ولا محور تفكيره ولا شغله الشاغل وإنما يكون أكبر همه ومحور تفكيره وشغله الشاغل كسب رضاء الله بالتزام أوامره وبالنزول عند أحكامه وبالجهاد في سبيله فهو يدرك أن الدنيا إلى زوال وفناء ولو كانت باقية لبقيت لمن كانوا قبله { إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور } الحديد.
# تشوه الشخصية الإسلامية الحديثة :
والمدقق المقارن بين الشخصية الأولى والشخصية الإسلامية الحديثة يرى مظاهر تشوه واضحة المعالم في الشخصية الإسلامية الحديثة وأبرز مظاهر التشوه هذه هي ما يلي :
# ضعف الورع بشكل عام في حين كان صاحب الشخصية الإسلامية الأولى شديد المراقبة لله شديد التورع عن محارمه وكانت قاعدته في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ) وقوله ( لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس ) ويروى عن عبد الله ابن دينار إنه قال ( خرجت مع عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى مكة فعرسنا في بعض الطريق فانحدر إليه راع من الجبل فقال له يا راعى بعني شاة من هذا الغنم .. فقال : إنني مملوك.. فقال : قل لسيدك أكلها الذئب قال فأين الله ؟ فبكى عمر ثم غدا إلى المملوك فاشتراه من مولاه فاعتقه وقال : أعتقتك في الدنيا هذه الكلمة فأرجو أن تعتقك في الآخرة ).
# التأثر بمظاهر الدنيا : ففي حين كانت الدنيا لا تساوى لدى المسلم الأول جناح بعوضة ينظر إليها من خلال قوله تعالى { وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون } ومن خلال قوله صلى الله عليه وسلم ( الدنيا دار من لا دار له ولها يجمع من لا عقل له ).
إن انمساخ قيمة الدنيا في قلوب المسلمين الأولين هو الذي صيرهم أبطالاً وجعلهم عمالقة وجعل الدنيا تخضع لهم وجعل خصومهم يتناقلون أخبارهم فيقولون ( رأينا قوماً الموت أحب إلى أحدهم من الحياة والتواضع أحب إلى أحدهم من الرفعة ليس لأحد منهم في الدنيا رغبة ولا نهمة ).
# الخوف على الحياة والرزق : في حين كان الأولون لا يخافون إلا الله يقولون الحق ولا يخشون في الله لومة لائم ولا يمنعهم خوف على حياة ورزق من الصدع بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح للناس هي جوهر رسالة المسلم فإذا لم ينهض بها خوفاً من المجتمع كان ضعيف الإيمان بعيداً عن الله ناداً عما أمر الله في كتابه { وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } { والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}
وناداً عن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ( أمرت أن أقول الحق ولو كان مراً ) (أمرت أن أقول الحق ولا أخشى في الله لومة لائم ) ( كنا نسمع أن الرجل يتعلق بالرجل يوم القيامة وهو لا يعرفه فيقول له ؟ مالك إلى وما بيني وبينك معرفة ؟ فيقول : كنت تراني على الخطأ وعلى المنكر ولا تنهاني ؟ ).
# مناقشة أسباب هذا التشوه :
ولتشوه الشخصية الإسلامية الحديثة أسباب متعددة أبرزها أن البيئة التي تجري فيها عملية تكوين الشخصية هذه بيئة غير إسلامية ولها مؤثراتها الحتمية على كل من يعيش فيها بقصد وبغير قصد ولما كان هذا العامل من العوامل (القهرية ) التي جرت مناقشتها في مكان ما من هذا الكتاب فقد وجدنا أن نتجاوزها إلى سواها من العوامل الواقعة في نطاق (إمكانية الحركة )في المرحلة الحاضرة ...
1- فساد المناهج :
إن المناهج المعتمدة دون القدرة على تكوين الشخصية الإسلامية ...وما يمكن أن تقدمه هذه المناهج لا يعدو أن تكون قسطاً يسيراً من الثقافة الإسلامية الفكرية المجردة وبهذه لا يمكن بحال أن يحقق صياغة الشخصية الإسلامية المطلوبة ...
إن نوعية العلم ونوعية التوجيه يلعبان دوراً أساسياً وحساساً في نطاق التربية والتكوين ...وسوء الاختيار قد يضر بدل أن ينفع ...وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول :(أن من العلم جهلاً ) إلى هذا المعنى أشار عيسى عليه السلام بقوله ( ما أكثر الشجر ليس كله بمثمر وما أكثر الثمر وليس كله بطيب وما أكثر العلوم وليس كلها بنافع ) ويروى أن أعرابياً جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وسأله أن يعلمه من غرائب العلم قال له الرسول صلى الله عليه وسلم :(وماذا صنعت في رأس العلم ؟) فقال :وما رأس العلم ؟ قال صلى الله عليه وسلم :(هل عرفت الرب تعالى ؟)قال :نعم ...قال؟ ( فما صنعت في حقه ؟) قال : ما شاء الله ...قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (هل عرفت الموت؟ ) قال :نعم ...قال :(فما أعددت له؟) قال :ما شاء الله ...قال صلى الله عليه وسلم :(اذهب فاحكم ما هناك ثم تعال نعلمك من غرائب العلم ) وسئل صلى الله عليه وسلم :أي الأعمال أفضل ؟ فقال :(العلم بالله عز وجل )فقيل :أي العلم تريد ؟فقال :(العلم بالله سبحانه ) فقيل له :نسأل عن العمل وتجيب عن العلم ؟ فقال عليه السلام :(إن قليل العمل ينفع مع العلم بالله وإن كثير العمل لا ينفع مع الجهل بالله ).
يقول الإمام الغزالي في الإحياء (العلم بالله نور الأبصار من الظلم وقوة الأبدان من الضعف يبلغ به العبد منازل الأبرار والدرجات العلي ، التفكر فيه يعدل بالصيام .....ومدارسته بالقيام ...به يطاع الله عز وجل وبه يعبد....وبه يوحد وبه يمجد وبه يتورع وبه توصل الأرحام وبه يعرف الحلال والحرام وهو إمام والعمل تابعه يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء ).
2- فساد المقاصد :
إن سلامة المقاصد من أبرز عوامل نجاح وأثمار التربية فإذا قصد من تعلم الإسلام المباهاة والمفاخرة وحصول الإعجاب من الناس انعدمت الفائدة المرجوة وأصبح العلم وزرا على صاحبه ...وقد استعاذ الرسول صلى الله عليه وسلم :(من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ودعاء لا يسمع ) وقال صلى الله عليه وسلم :(إذا أتى علي يوم لا أزداد فيه علماً يقربني إلى الله عز وجل فلا بورك في طلوع شمس ذلك اليوم ) وقال :(من طلب العلم ليجاري به العلماء ويماري به السفهاء ويصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار )وقال :(من تعلم علماً لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار ).
3- فساد المربي :
والعامل الثالث الكامن من وراء تشوه الشخصية الإسلامية هو ضمور القدوة الحسنة وفساد المربي نفسه ....
إن من الخطأ الشائع في نطاق التربية والتعليم أن يظن أن في مكان أي إنسان أوتي نصيباً من العلم والثقافة الإسلامية وأوتي مقدرة على الكلام والتحدث أن يكون مربياً ناجحاً وأن يعهد إليه بتربية الآخرين ...
إن لنجاح التربية متطلبات يجب توفرها في شخصية المربي فالعلم لوحده لا يكفي والقدرات الكلامية لوحدها لا تكفي لأن المربي يجب أن يكون أولاً وآخراً القدوة الحسنة لمن يقوم على تربيتهم :. وصدق علي ابن أبي طالب حيث يقول :( من نصب نفسه للناس إماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره وليكن تهذيبه بسيرته قبل تهذيبه بلسانه ومعلم نفسه ومهذبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومهذبهم ...) .
فالمربي هو الذي يعرف كيف يعطي حاجة تلامذته من التوجيه كما ونوعاً يعظهم من حيث يسمعون ويتعلمون يتابعهم بالموعظة الحسنة والكلمة المؤثرة .....مهمته فيهم ليست مهمة (تسميع )لما يحفظون أو (تفسير ) لما يجهلون وإنما مهمة غرس الخير في نفوسهم وصياغتهم على الإسلام تماماً كما يصيغ (الصائغ ) من الذهب الخام الحلي الجميلة المتنوعة ...
والمربي هو الذي يؤثر بلسان حاله قبل أن يؤثر بلسان مقاله ولا يخالف الناس إلى ما ينهاهم عنه ....يقول ابن مسعود :(سيأتي على الناس زمان تملح فيه عذوبة القلوب فلا ينتفع بالعلم يومئذ عالمه ولا متعلمه فتكون قلوب علمائهم مثل السباخ من ذوات الملح ينزل عليها قطر السماء فلا يوجد لها عذوبة ...وبذلك إذا مالت قلوب العلماء إلى حب الدنيا وإيثارها على الآخرة فعند ذلك يسلبها الله تعالى ينابيع الحكمة ويطفئ مصابيح الهدى من قلوبهم فيخبرك عالمهم حين تلقاه إنه يخشى الله بلسانه والفجور ظاهر في علمه فما أخطب الألسن يومئذ وما أجدب القلوب ؟فوالله الذي لا إله إلا هو ما ذلك إلا لأن المعلمين علموا لغير الله تعالى والمتعلمين تعلموا لغير الله تعالى .....) وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول :(العلماء ثلاثة :رجل عاش بعلمه وعاش الناس به ورجل عاش الناس به وأهلك نفسه ورجل عاش بعلمه ولم يعيش به غيره ).
الخلاصة :
إن الحركة الإسلامية حين تحسن اختيار (المنهج ) اللازم لتربية العناصر المراد تربيتها بحيث تتوفر في مواد هذا المنهج فاعلية التأثير والتفاعل وحين تتوفر (سلامة المقاصد ) لدى المربين والمعلمين والمتعلمين وعندما يتحقق عزل هؤلاء عزلا شعورياً عن كل مؤثرات المجتمع الجاهلي عند ذلك يمكن أن تتحقق ولادة الشخصية الإسلامية كما يريدها الإسلام .....