ومن أميز خصائص الشريعة الإسلامية أنها تتصف بالأصالة الباقية ، والخلود السرمدي في نصوصها ومصادرها دون أن يتطرق إليها تحريف ، أو يطرأ عليها تبديل أو تغيير .
# فالقرآن الكريم الذي هو المصدر الأول من مصادر الشريعة ، وقد تكفل الله حفظه وبقاءه إلى يوم البعث والنشور ، وذلك في قوله سبحانه :
{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} .
وها هو ذا قد مضى على نزول القرآن الكريم أربعة عشر قرناً ، فالقرآن هو القرآن في لفظه ومعناه ، وتجويده وأدائه .
وكم يسر المسلم حين يفتح أي إذاعة من إذاعات العالم ، ليستمع إلى ما تبثه من آيات الله البينات ، كم يسر حين يجد التلاوات كلها متفقة ، والقراءات جميعها واحدة º بل يزداد يقيناً بأصالة هذا القرآن ، وبحفظ الله له على مدى الزمان والأيام ؟!!
وكم حاول أعداء الإسلام عبر التاريخ ، وخلال العصور أن يبدلوا في القرآن -ولو كلمة- فهل استطاعوا ، وهل وصلوا إلى هدفهم الخبيث ؟
الدنيا تعلم ، والتاريخ يشهد أن محاولاتهم الآثمة ، ومؤامراتهم المغرضة باءت بالهزيمة والفشل ، بل عادت عليهم بالفضيحة والعار ، ولعنة الأجيال والتاريخ .
ولقد شهد لأصالة القرآن ، وخلوده الأبدي على مدى الزمان منصفون من رجالات الغرب قالوا كلمة الحق بنزاهة وتجرد ، ووضحوا الحقيقة بدقة وأمانة !!
ومن هؤلاء البروفسور "رينولد نيكلسون" في كتابه "التاريخ الأدبي للعرب" يقول هذا العالم بالحرف الواحد : (القرآن الكريم وثيقة إنسانية رائعة ، توضح بدقة سر تصرفات محمد صلى الله عليه وسلم في جميع أحداث حياته ، حتى إننا لنجد فيه مادة فريدة لا تقبل الشك أو الجدل ، نستطيع خلالها أن نتتبع سير الإسلام منذ نشأته وظهوره في التاريخ المبكر ، وهذا ما لا تجد له مثيلاً في البوذية أو المسيحية أو أي دين من الأديان القديمة ..) .
# والسنة النبوية التي هي المصدر الثاني من مصادر الشريعة ، بل هي المبينة للقرآن الكريم ، والمكملة لنظام الإسلام .
هذه السنة قد هيأ الله لها من يحفظها من عبث العابثين ، ووضع الوضاعين ، ودس المغرضين .. هيأ لها علماء أثباتاً ، ومحدثين أفذاذاً ، ورجالاً فطاحل لم يشهد التاريخ الإنساني أنبه منهم ، ولا أدق في بيان درجة الحديث ، ومعرفة أحوال السند والمتن ، وأصول الرواية والدراية º حتى وصلت السنة إلينا نقية خالصة لم يعتروها أي شبهة ، ولم يطرأ عليها أي علة . وأصبح الآن كل إنسان حين يرجع إلى أسفار السنة ، ومراجع الحديث الأساسية .. يعرف أي حديث -يريد التحقق منه- من حيث الصحة أو الضعف ، أو يعرف سنده من حيث التعديل أو الجرح .. وما ذاك إلا بجهود أهل الحديث الثقات الأثبات الأفذاذ على مدى العصور .
وإليكم هذا الموقف التاريخي الذي يؤيد ما نقول :
سمع الخليفة العباسي "هارون الرشيد" أن زنديقاً لفق أحاديث موضوعة ونسبها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، والرسول لم يقل منها حرفاً واحداً ، فأمر باستدعائه ، والمثول بين يديه ، فلما أقر عرضه على السيف ، وقبل أن يقتل º قال الزنديق للخليفة : أين أنتم من الأحاديث التي وضعتها فيكم ، وقد أحللت فيها الحرام ، وحرمت فيها الحلال ، والرسول لم يقل منها حرفاً واحداً ؟!!.. فقال له الخليفة على الفور : أين أنت يا زنديق من أبي إسحاق الفزاري ، وعبد الله بن المبارك ، فإنهما سينخلانها نخلاً ، ويخرجانها حرفاً حرفاً ؟!! ثم أمر بقتله فقتل .
وما دامت السنة تابعة للقرآن الكريم في تبيانها وتكميلها وتأكيدها º فالله سبحانه تولى حفظها وخلودها كما تولى القرآن الكريم سواء بسواء إلى يوم البعث والدين .
هذه هي الشريعة في أصالة نصوصها ، وخلود مصادرها على مدى الزمان والأيام ، فهل علم شباب الدعوة هذه الحقيقة ؟ وهل عرفوا هذه الخصيصة الرائعة ؟ .