وننتقل الآن إلى مساهمتنا الثانية في مشروع تفعيل أفراد الصف وذلك باقتراح بعض الأساليب التي تستطيع بها الإدارة تنشيط محور الدعوة إلى الله بصفته أساس المشروع الإيماني كله.
بداية : لماذا يقل العطاء الدعوي للجيل الحالي مقارنة بغيره ؟
للحق فإن أية مقارنة بين جيل الدعاة الحالي والجيل السابق أو جيل التأسيس تكون مقارنة ظالمة للجيل الحالي. لا لأن السابقين كانوا أكثر تميزاً، بل لأسباب أخرى استجدت حالياً على المجتمع وعلى الأخ جعلت من العمل الدعوي مهمة أكثر مشقة بكثير عن ذي قبل.
معوقات تتعلق بظروف المجتمع :
فالإخوان كانوا قديماً يتحركون بالفكرة الإسلامية في مجتمع أغلبه أمي ، مجتمع يفتقد وسائل أخرى غير دعاتنا لكي يتعرف على الدين . فلم يكن هناك دعاة بهذا الكم متخرجون من كليات متخصصة للدعوة ، ولم يكن هناك ما نجده الآن من محطات إذاعية مخصصة للإسلام أو قنوات أو برامج تليفزيونية دينية أو هذا الكم من الندوات وحلقات الدروس بالمساجد ولا شرائط كاسيت لأفضل الدعاة ولا صحف ومجلات إسلامية يومية وأسبوعية وشهرية ولا كتب بهذا الكم والانتشار ولا مواقع إسلامية على الإنترنت ..الخ . فكان من نتيجة فقر الوسائل الدعوية أن الناس كانت متعطشة ومقبلة على من يعرفهم بأمور دينهم .
أما الداعية الآن فيتحرك في مجتمع تشبع بالوسائل الدعوية والحمد لله . فكان من نتيجة ذلك أنه لم يعد يجد نفس مستوى الإقبال من الجمهور، وذلك رغماً عن أن منحنى الإقبال العام على التدين في ازدياد والحمد لله، ولكن الوسائل الدعوية تنوعت وتعددت وأصبح يستأثر بها المتخصصون وذوي المواهب المتميزة. وقلّ في المقابل الإقبال على الأخ المجتهد منا والذي لا يستطيع أن يخاطب وجدان وعقل المدعو بنفس القوة التي يستطيع بها داعية كعمر خالد أو غيره . أو أن يعرض فكرته مصحوبة بروعة التصوير وجمال المؤثرات الصوتية كما يتم في البرامج التليفزيونية ..
كما أن الحصول على هذه الوسائل الجديدة والمتميزة قد صار أسهل وأيسر للمدعو من أن يتصل بالداعية مهما كان قربه . فبلمسه يد واحدة من المدعو يجد الإجابة التي يريدها والمعلومة التي تنقصه وبجمال ودقة في العرض لا تقارن بالأساليب الاجتهادية للداعية غير المتخصص.
ونحن هنا لا نقول مطلقاً بأن زمن الداعية العادي قد انتهى. ولكن نذكر فقط بأن الداعية المتخصص والمتميز أياً كان موقعه قد استأثر بالأمر. وأصبح داخل المجتمع المسلم والحمد لله تلك الطائفة التي نفرت لتتفقه في الدين وعادت لتنذر قومها. وهذا في النهاية إضافة قوية ورائعة للمسار الدعوي العام. وإن كانت قد أثرت جداً على الداعية الإخواني غير المتخصص كما تأثر حلاقو الصحة قديماً عندما حضر الطبيب إلى القرية .
ولا زلنا نأمل من القارئ الكريم أن يتحلى بالموضوعية ولا يقفز إلى استنتاجات غير دقيقة فهذا مجرد رفع واقع يجب ألا نتغافل عنه، لأن إدراكه سوف يساعدنا جداً على تحديد المساحات الخالية أمامنا دعويا فنملأها والمساحات التي تم تغطيتها فلا نضيع جهدنا فيها .
وليس التشبع الدعوي للمجتمع هو العقبة المجتمعية الوحيدة أمام الداعية ، بل هناك أيضاً عقبة مجتمعية أخرى هي أن المجتمع الحالي ( سواء عالمياً ومحلياً) هو مجتمع يمكن تسميته بمجتمع ال TAKE AWAY . بمعنى مجتمع الوسائل السريعة . فضغوط الحياة وضيق الأوقات جعل الكل يفضل المعلومة السريعة والوجبة السريعة والزيارة السريعة والفنون السريعة ..الخ . والدعوة إلى الله هي في النهاية علاقة اجتماعية بين الداعي والمدعو . ومن الطبيعي أن تتأثر هذه العلاقة الاجتماعية بنفس القدر الذي تأثرت به كل العلاقات الاجتماعية داخل جسد المجتمع .
فهل لا زالت الحميمية الاجتماعية التي تربط الجيران أو الأصدقاء أو الأقارب أو زملاء العمل كما هي ؟ وهل علاقة المدعو بالداعية هي استثناء من هذا الفتور الاجتماعي الذي أصاب المجتمع كله عالمياً ومحلياً ؟ .. ليذكر لي القارئ الكريم متى كانت آخر مرة زار فيها والديه أو أخيه أو أخته .. متى جلس آخر مرة في حوار شخصي مخطط مع ابنه أو ابنته ؟ ومتى كانت المرة السابقة عليها ؟ فالقضية في جزء كبير منها لا تكمن فقط في ضعف توجه الأخ الداعية نحو المجتمع ولكن تكمن في ضعف توجه المجتمع نحوه .
معوقات تتعلق بالداعية :
هناك أسباب أخرى لضعف الاتصال الدعوي بين الداعية والمجتمع تتعلق بالداعية نفسه. من أهمها الضغوط الحياتية الرهيبة التي يعانيها في تحصيل المعاش ومتابعة دروس وتعليم الأبناء وتحمل جزء من أعباء المنزل نتيجة لتغيب الزوجة في عملها .. وتوفير أقساط الأجهزة واستكمال ثمن الشقة .. الخ وبالإضافة لهذه المعوقات المشتركة بين أغلب الدعاة ، فهناك معوقات أخرى فردية تختلف من شخص لآخر ولدى كل داعية متكاسل نصيب من أحدها نذكر منها ..
· فتور الحماس.
· ضيق الوقت
· خوفه من أن يتأثر عمله ورزقه إذا عرفوا حقيقة انتمائه الدعوي .
· عدم إقبال المدعوين عليه مما يصيبه باليأس .
· كثرة الانتقادات التي وجهت له بسبب مواقف وأعمال دعوية سواء من المدعوين أو من المشرفين .
· طبيعته النفسية التي تجعله يميل إلى العزلة وعدم مخالطة الناس .
· الشعور بمعرفة الناس للحق واليأس من صلاحهم.
· الكسل وحب الراحة .
· الانشغال بالوظيفة أو متاع الدنيا .
· الحساسيةُ المرهفةُ للنقدö أو اللومö.
· التعب والملل .
· تبلد الإحساس .
· الروتين الممل للأعمال الدعوية .
· الحرص على التخلص من التبعات والمسئوليات .
· كثرة الأخطاء والفشل .
· ضيق لوقت .
· ضعف المادة والخبرة الدعوية التي يتحرك بها .
· ضعف ذاتي في الإلقاء والأسلوب .
· شرود الذهن وتعلقه بالدنيا .
· ضعف الداعية في الجوانب العلمية والإيمانية والتربوية .
· الحماس غير المنضبط المؤدي إلى الخطأ والاستعجال ثم التوقف .
· تراكم الأعمال وكثرتها وطولها مما يؤدي إلى الاعتذار والانقطاع .
· عدم التناسب بين الأعمال المرجوة والقدرات الذاتية .
· تعود الإنسان على أمر الدعوة، فتفقد جدتها في نفسه، وبالتالي تفقد النفس المتعة التي كانت تلقاها فيها.
هذه طائفة من الأسباب التي تقعد البعض أو تعطله . وشئنا أم أبينا فهذا هو الواقع الذي يجب أن نعيه ونحترمه إذا أردنا أن نجد لهذه المشكلة علاجاً. أما تجاهل هذه الحقائق والاستمرار في الضغط على الداعية وعلى مسئولي الأقسام وتأنيبهم على تقصيرهم المزعوم ، فلن ينتج عنه سوى المزيد من إهدار الوقت والجهد والنفور وتوتر الصف في النهاية..
فما الحل ؟
ما نقترحه هو أن يبدأ توظيف الأخ دعوياً انطلاقاً من نقطة محددة هي نقطة استعداداته وميوله الشخصية. بمعنى أن أجعله يختار الوسائل الدعوية التي يرغب في العمل بها ويحدد أيضاً عدد الساعات الأسبوعية التي تسمح ظروفه الشخصية بالعمل الدعوي فيها، ثم كلجنة دعوية أضبط أهدافي وخططي على القدرات المحددة للفريق الدعوي الذي أتولى قيادته .
الصورة العملية لتنفيذ ذلك :
قمنا في ملحق لهذه الدراسة بتجميع المئات من الوسائل الدعوية المستخدمة في حقل الدعوة إلى الله. وقسمناها إلى وسائل تنفع للحي وأخرى لداعية في مدرسة ، في شركة ..ألخ . ونحن نرى أن يتم عرض هذه الوسائل الدعوية على الأخ حسب لجنته ليختار منها بنفسه الوسائل المناسبة له حسب ما يعرفه هو عن ميوله واستعداه الدعوي . ثم وبعد أن يختار الوسيلة أو الوسائل الدعوية نقوم بتوظيفه ومتابعته في إطار هذه الوسيلة أو الوسائل التي اختارها بنفسه .
فلو كان لنا أخ معلم في مدرسة ، فلن أوجهه بالطريقة الحالية بأن أطالبه بالعمل دعوياً مع الإدارة المدرسية ومع الطلاب ومع مجموعات العمل وفي الإذاعة والمسجد والمدرسة والفناء ثم وفي كل بند من هؤلاء أعطيه ما لا يقل عن عشرة وسائل لكل محور ، فتكون النتيجة - وكما رأينا كثيراً بالفعل- أنه لا يفعل شيء مطلقاً نتيجة لهذا التشتيت وعدم التناسب بين قدراته وبين الوسائل والمستهدفات .