إذا كان قلب الأبوين ينطوي على مثل تلك المشاعر الصادقة من الحب والرحمة والعطف والحنان نحو الأولاد، وفلذات الأكباد، فينبغي ألا تطغى هذه المشاعر على الجهاد في سبيل الله، وتبليغ دعوة الله في الأرض، لأن مصلحة الإسلام فوق كل المصالح والاعتبارات.. ولأن إقامة المجتمع الإسلامي غاية المؤمن، وهدفه في الحياة.. ولأن هداية الإنسانية التائهة أسمى ما يسعى إليه المسلم وأعظم ما يحرص على نشره وتحقيقه.
وهكذا فهم الرعيل الأول من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن اتبعهم بإحسان هذا الفهم، فلم يعرفوا حركة سوى الجهاد، ولا تبليغاً غير الدعوة، ولا غاية غير الإسلام. فلا غرابة أن نسمع في التاريخ عن انطلاقتهم الكبرى في تبليغ الرسالة الإسلامية، وإعلاء كلمة الله في الأرض.. ولا عجب أن يضحوا في سبيل ذلك بالغالي والنفيس، ويتمنوا الشهادة في سبيل الله.
وإليكم ما قاله عبادة بن الصامت رضي الله عنه للمقوقس ملك مصر لما خوفه بجمع الروم الهائل، وأغراه بالمال والدنانير: (يا هذا! لا تغرّنّ نفسك ولا أصحابك.. أما ما تخوفنا به من جمع الروم، وعددهم، وكثرتهم، وأنّا لا نقوى عليهم، فلعمري ماهذا بالذي تخوفنا به، ولا بالذي يردنا عما نحن فيه إن كان ما قلتم حقاً، وإنَّا منكم على إحدى الحسنين: إما أن تعظم لنا غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا، وإن الله عز وجل قال في كتابه العزيز: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين} البقرة: 249.
وما منا رجل إلا وهو يدعو ربه صباحاً ومساءً أن يرزقه الشهادة، وألا يرده إلى بلده ولا إلى أرضه، ولا إلى أهله وولده.. وليس لأحد منا همّ فيما خلفه من أهل وولد، وقد استودع كل واحد منا ربه أهله وولده، وإنما همنا الجهاد في سبيل الله، وإعلاء كلمته.. وأما قولك: إنا في ضيق وشدة من معاشنا وحالنا، فنحن في أوسع السعة، ولو كانت الدنيا كلها لنا ما أردنا منها لأنفسنا أكثر مما نحن فيه).
هذا الموقف الذي وقفه عبادة رضي الله عنه، هو واحد من آلاف المواقف التي وقفها جدودنا البواسل الأمجاد، في فترات طويلة من التاريخ، وما هذه التضحيات الجسام، وتغليب حب الجهاد والدعوة على حب الأهل والولد، والمسكن والعشيرة.. إلا لأنهم وجدوا الله سبحانه يقول في محكم تنزيله:
{قل إن كان آباؤكم وأبناؤُكم وإخوانُكم وأزواجُكم وعشيرتُكم وأموالñ اقترفتمُوها وتجارةñ تخشَون كسادَها ومساكنُ ترضَوْنها، أحبَّ إليكم من اللهö ورسولهö وجهادٍ في سبيله، فتربصوا حتى يأتيَ اللهُ بأمره، والله لا يهدي القومَ الفاسقين} التوبة: 24.
ومن المآثر الكريمة التي تناقلتها الألسن عن الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله ورضي عنه، كان من عادته أن يتفقد شباب الدعوة إلى الله في الأقضية والنواحي في كل عيد من الأعياد.. ففي مرة من المرات التي كان يخرج فيها، مرض ولده سيف الإسلام مرضاً شديداً أشرف فيه على الموت، فقالت له زوجته: لو بقيت معنا في هذا العيد نستأنس بك، وتكون بجانب ولدك المريض فأجابها وبيده حقيبة السفر: إن منّ الله على ولدي بالشفاء فلله الحمد والمنّة، وإن قدّر الله عليه الموت فجده أعرف بطريق المقابر، ثم خرج وهو يتلو قوله تبارك وتعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم...} إلى آخر الآية .... التوبة: 24.
الله أكبر! هكذا فليكن التفاني في إعلاء كلمة الله... الله أكبر! هكذا فليكن الدعاة إلى الله... لو لم يكن لسلفنا ورجال الدعوة فينا إلا هذه المواقف لكفتهم على مدى الأيام فخراً وشرفاً وخلوداً!!..
أيها الأب المؤمن! يجب أن يكون حب الإسلام والجهاد والدعوة إلى الله مسيطراً على قلبك وجوارحك، ومقدّماً على حب أهلك وولدك وعشيرتك، حتى تندفع بكليتك إلى تبليغ الدعوة وحمل راية الجهاد، عسى أن تكون في عداد الرجال الذين يبنون بسواعدهم المتينة مجد الإسلام، ويقيمون بعزائمهم القوية دولة القرآن، ويعيدون للأمة المحمدية عزتها المنيعة، وكرامتها المجيدة، وكيانها العظيم، وما ذلك على الله بعزيز.
اسمع إلى ما يقوله عليه الصلاة والسلام في الذين يريدون أن يكمل إيمانهم، ويذوقوا في أعماق قلوبهم حلاوته، ويجدوا في قرارة وجداناتهم لذته!!..
- روى البخاري عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث مَنْ كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون اللهُ ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار".
- وروى البخاري كذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لأنت يا رسول الله أحب إليّ من كل شيء إلا نفسي التي بين جنبيْ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه، فقال عمر: والذي أنزل عليك الكتاب لأنت أحب إلي من نفسي التي بين جنبيّ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر!!.. أي الآن كمل إيمانك.
- وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به".
وروى البخاري ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده والناس أجمعين".