الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: تربية الأولاد في الإسلام - الجزء الأول
المؤلف: عبد الله علوان
التصنيف: قضايا الأسرة
 

القسم الثاني - مسؤوليات المربين

الفصل السادس - مسؤولية التربية الاجتماعية - غرس الأصول النفسية

أقام الإسلام قواعد التربية الفاضلة في نفوس الأفراد صغاراً وكباراً.. رجالا ونساء.. شيباً وشباناً.. على أصول نفسية نبيلة ثابتة، وقواعد تربوية باقية.. لا يتم تكوين الشخصية الإسلامية إلا بها، ولا تتكامل إلا بتحقيقها، وهي في الوقت نفسه قيم إنسانية خالدة.. ولغرس هذه الأصول النفسية في نفسيات الأفراد والجماعات أصدر الإسلام توجيهاته القيمة.. ووصاياه الرشيدة.. لتتم التربية الاجتماعية على أنبل معنى.. وأكمل غاية.. حتى ينشأ المجتمع على التعاون المثمر، والترابط الوثيق، والأدب الرفيع، والمحبة المتبادلة، والنقد الذاتي البنّاء..

وإليكم أهم هذه الأصول التي يسعى الإسلام لغرسها:

1-       التقوى:

هي نتيجة حتمية، وثمرة طبيعية للشعور الإيماني العميق الذي يتصل بمراقبة الله عز وجل والخشية منه، والخوف من غضبه وعقابه، والطمع بعفوه وثوابه.. وهي – كما عرّفها العلماء – أن لا يراك الله حيث نهاك، وأن لا يفقدك حيث أمرك.. أو هي – كما قال البعض: "اتقاء عذاب الله سبحانه بصالح العمل، والخشية من الله تعالى في السر والعلن..".

من هنا كان اهتمام القرآن الكريم بفضيلة التقوى والأمر بها، والحض عليها في كثير من آيات البينات، حتى أن القارئ لا يمر على قراءة صفحة أو صفحات من القرآن الكريم إلا ويجد لفظة التقوى منسابة في الذكر الحكيم هنا وهناك.

ومن هنا كان اهتمام الصحابة الكرام والسلف الصالح بالتقوى، والتحقّق بها، والاجتهاد لها، والسؤال عنها.. فقد ورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أُبيّ ابن كعب عن التقوى، فقال له: (أما سلكت طريقاً ذا شوك، قال: بلى! قال: فما عملت؟ قال: شمرت واجتهدت، قال: فذلك التقوى).

(فذلك التقوى.. حساسية في الضمير، وشفافية في الشعور، وخشية مستمرة، وحذر دائم، وتوقٍّ لأشواك الطريق.. طريق الحياة.. الذي تتجاذبه أشواك الرغائب والشهوات، وأشواك المطامع والمطامح، وأشواك المخاوف والهواجس، وأشواك الرجاء الكاذب فيمن لا يملك رجاء، والخوف الكاذب ممن لا يملك نفعاً ولا ضرّاً، وعشرات غيرها من الأشواك..)[1].

وتقوى الله – فضلا عن أنها تملأ قلب المؤمن بخشية الله، والمراقبة له – هي منبع الفضائل الاجتماعية كلها، والسبيل الوحيد في اتقاء المفاسد والشرور والآثام والأشواك.. بل هي الوسيلة الأولى التي توجد في الفرد وعيه الكامل لمجتمعه، ولكل من يلتقي معهم من أبناء الحياة.

ولعل في تكرار الرسول صلى الله عليه وسلم قوله "التقوى ههنا" ثلاث مرات – كما سيأتي – ما يؤكد أهمية هذا الأصل النفسي في التربية الاجتماعية، ولا سيما في النهي عن مساس الكرامة، والإضرار بالناس.

وهذه بعض النماذج عن أثر التقوى في سلوك الفرد ومعاملته:

(أ) يروي الغزالي في إحيائه أنه كان عند يونس بن عبيد حُلَل مختلفة الأثمان، منها ضرب قيمة كل حلة منه أربعمائة درهم، وضرب كل حلة مائتان، فمر إلى الصلاة، وخلّف ابن أخيه في الدكان، فجاء أعرابي وطلب حلَّة بأربعمائة فعرض عليه من حلل المائتين، فاستحسنها ورضيها، فاشتراها – أي بأربعمائة درهم – فمشى بها وهي على يديه فاستقبله يونس، فعرف حلّته، فقال للأعرابي: بكم اشتريت؟ فقال: بأربعمائة فقال: لا تساوي أكثر من مائتين فارجع حتى تردها، فقال هذه تساوي في بلدنا خمسمائة وأنا ارتضيها، فقال له يونس: انصرف معي فإن النصح في الدين خير من الدنيا بما فيها. ثم رده إلى الدكان ورد عليه مائتي درهم، وخاصم ابن أخيه في ذلك وقاتله. وقال: أما استحييت؟ أما اتقيت الله؟ ترْبح مثل الثمن وتترك النصح للمسلمين؟ فقال: والله ما أخذها إلا وهو راضٍ بها، قال: فهلا رضيت له ما ترضاه لنفسك!!..

(ب) وقال عبد الله بن دينار: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى مكة فعّرسنا في بعض الطريق، فانحدر بنا راعٍ من الجبل، فقال له:

يا راعي، بعني شاة من هذه الغنم. فقال: إني مملوك.

فقال له – اختباراً - : قل لسيدك أكلها الذئب. فقال الراعي: فأين الله؟ فبكى عمر رضي الله عنه ثم غدا مع المملوك، فاشتراه من مولاه وأعتقه، وقال: أعتَقَتْك في الدنيا هذه الكلمة، وأرجو أن تعتقك في الآخرة.

(ج) وكثير من الناس يعرفون قصة الأم مع ابنتها: الأم تريد أن تخلط اللبن طمعاً في زيادة الربح، والبنت تذكرها بمنع أمير المؤمنين.

الأم تقول: أين نحن من أمير المؤمنين؟ إنه لا يرانا.. وترد الابنة بالجواب المفحم: إن كان أمير المؤمنين لا يرانا فرب أمير المؤمنين يرانا!!..

فعلى فضيلة التقوى والمراقبة لله يجب أن ننشّöئ أبناءنا!!

2-       الإخوة:

هي رابطة نفسية تورث الشعور العميق بالعاطفة والمحبة والاحترام.. مع كل من تربطه وإياه من أواصر العقيدة الإسلامية، ووشائج الإيمان والتقوى.. فهذا الشعور الأخوي الصادق يولد في نفس المسلم أصدق العواطف النبيلة في اتخاذ مواقف إيجابية من التعاون، والإيثار، والرحمة، والعفو عند المقدرة.. واتخاذ مواقف سلبية من الابتعاد عن كل ما يضر بالناس في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم والمساس بكراماتهم.. ولقد حث الإسلام على هذه الأخوة في الله، وبيّن مقتضياتها وملتزماتها في كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية:

-    قال تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} الحجرات: 10.

-    وقال أيضاً: {سنشُدُّ عَضُدَكَ بأخيك} القصص: 35.

-    وقال كذلك: {واذكروا نعمةَ الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً} آل عمران: 103.

-  وقال عليه الصلاة والسلام – فيما رواه مسلم – :"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه ولا يخذله ولا يحقره.. بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه. التقوى ههنا (ثلاث مرات)، ويشير إلى صدره...".

-    وأخرج البخاري ومسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه..".

-    وأخرج مسلم وأحمد: "مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم، وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

-    وروى مسلم في صحيحه: "إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلّي يوم لا ظلّ إلا ظلّي".

وكان من نتيجة هذه الأخوة والمحبة في الله أن تعامل أفراد المجتمع الإسلامي عبر التاريخ، وخلال العصور على أحسن ما تعامل الناس مواساةً وإيثاراً وتعاوناً وتكافلاً..

وإليكم بعض النماذج:

(أ) روى الحاكم في المستدرك أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بعث بثمانين ألف درهم إلى عائشة رضي الله عنها، وكانت صائمة، وعليها ثوب خلَق، فوزعت هذا المال من ساعتها على الفقراء والمساكين.. ولم تُبقö منه شيئاً، فقالت لها خادمتها: يا أم المؤمنين ما استطعت أن تشتري لنا لحماً بدرهم تفطرين عليه فقالت: يا بنيّة لو ذكرتني لفعلت.

(ب) وروى الطبراني في الكبير أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخذ أربعمائة دينار، فجعلها في صرة ثم قال لغلامه: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم تَشَاغَلْ في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها الغلام إليه.. فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال أبو عبيدة: وصل الله عمر ورحمه، ثم قال: تعاليْ يا جارية، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان.. حتى أنفذها، ورجع الغلام إلى عمر فأخبره، فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل، فقال: اذهب بها إلى معاذ وتشاغل في البيت حتى تنظر ماذا يصنع، فذهب بها إليه، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في حاجتك، فقال: رحمه الله ووصله، تعاليْ يا جاريه، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، اذهبي إلى بيت فلان بكذا.. فاطلعت امرأة هي امرأة معاذ وقالت: نحن والله مساكين فأعطنا، فلم يبق في الخرقة إلا ديناران فرمى بهما إليها، ورجع الغلام إلى عمر فأخبره، فسرّ بذلك فقال: "إنهم إخوة بعضهم من بعض".

(ج) وفي عهد عمر – رضي الله عنه – أصاب الناس قحط وشدة، وكانت قافلة من الشام مكونة من ألف جمل عليها أصناف الطعام واللباس قد حلت لعثمان رضي الله عنه، فتراكض التجار عليه يطلبون أن يبيعهم هذه القافلة، فقال لهم: كم تعطونني ربحاً؟ قالوا خمسة في المائة، قال: إني وجدت من يعطيني أكثر، فقالوا ما نعلم في التجار من يدفع أكثر من هذا الربح؟ فقال لهم عثمان: إني وجدت من يعطيني على الدرهم سبعمائة فأكثر، إني وجدت الله يقول:

{مثلُ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبّةٍ أنبتت سبعَ سنابل في كُلّ سنبلة مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم} البقرة: 261.

أشهدكم – يا معشر التجار – أن القافلة وما فيها من بُرّ، ودقيق، وزيت، وسمن.. وهبتها لفقراء المدينة، وإنها صدقة على المسلمين.

روى البخاري في الأدب المفرد عن ابن عمر رضي الله عنهما: "لقد أتى علينا زمان وما أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم".

فعلى خلق الأخوة والمحبة يجب أن ننشّئ أبناءنا!!.ز

3-       الرحمة:

هي رقة في القلب، وحساسية في الضمير، وإرهاف في الشعور.. تستهدف الرأفة بالآخرين، والتألم لهم، والعطف عليهم، وكفكفة دموع أحزانهم وآلامهم.. وهي التي تهيب بالمؤمن أن ينفر من الإيذاء، وينبو عن الجريمة، ويصبح مصدر خير وبر وسلام للناس أجمعين.

ولقد جعل رسول الإسلام صلوات الله وسلامه عليه رحمة الناس بعضهم بعضاً لرحمة الله إياهم، فقد أخرج الترمذي وأبو داود وأحمد عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".

وحَكَمَ صلى الله عليه وسلم على العارين من الرحمة بأنهم هم الأشقياء، فقد روى الترمذي وأبو داود وغيرهما عنه – عليه الصلاة والسلام – أنه قال: "لا تُنْزعُ الرحمة إلا من شقي".

ورحمة المؤمن لا تقتصر على إخوانه المؤمنين، وإنما هو ينبوع يفيض بالرحمة على الناس جميعاً، وقد قال رسول الإسلام صلوات الله وسلامه عليه لأصحابه مرة – فيما رواه الطبراني - :"لن تؤمنوا حتى تَرحموا، قالوا: يا رسول الله، كلنا رحيم، قال: إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه، ولكنها رحمة العامة".

بل هي رحمة تتجاوز الإنسان الناطق إلى الحيوان الأعجم..

فالمؤمن وحده هو الذي يرحمه، ويتقي الله فيه، ويعلم أن الله سبحانه سيحاسبه ويسأله إذا قصّر في حقّه أو تسبب في إيذائه، وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم أن الجنة فتحت أبوابها لبغيّ سقت كلبّاً فغفر الله لها، وأن النار فتحت أبوابها لامرأة حبست هرة حتى ماتت، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.

ورأى عمر رضي الله عنه رجلا يسحب شاة برجلها ليذبحها فقال له: (ويلك قُدْها إلى الموت قوداً جميلا).

وإليكم بعض النماذج من آثار الرحمة في المجتمع الإسلامي:

(أ) يروي المؤرخون أن عمرو بن العاص في فتح مصر نزلت حمامة بفسطاطه (أي خيمته) فاتخذت من أعلاه عشّاً، وحين أراد عمرو الرحيل رآها، فلم يشأ أن يهيجها بتقويضه الفسطاط، فتركه وتكاثر العمران من حوله، فكانت مدينة "الفسطاط".

(ب) وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كان معروفاً في الجاهلية بالشدة والقسوة.. فلما فجَّرَ الإسلام ينابيع الرحمة في قلبه.. كان يرى نفسه مسؤولا أمام الله عن بغلة عثرت بأقصى العراق لأنه لم يعبّد لها الطريق.

(ج) وهذا أبو بكر رضي الله عنه يودّع جيش أسامة بن زيد ويوصيهم قائلا: (لا تقتلوا امرأة ولا شيخاً ولا طفلا، ولا تعقروا نخلا، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، وستجدون رجالا فرغّوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما أفرغوا أنفسهم له..).

(د) ومن الأمثلة "الوقف الخيري عند المسلمين".

1- وقف الكلاب الضالة حيث توضع في أماكن مخصوصة للرعاية استنفاداً لها من عذاب الجوع، حتى تستريح بالموت أو الاقتناء.

2- وقف الأعراس: حيث يستعير الفقراء من وقف الحلي والزينة في مناسبات الأعراس والأفراح. وبهذا يتيسر للفقير أن يظهر يوم الفرح بحلة رائقة، وبمظهر جميل، فيكتمل شعوره، وينجبر خاطره..

3- وقف مؤنس المرضى والغرباء: وذلك بتعيين من كان رخيم الصوت، حسن الأداء، ليرتلوا الأناشيد الفكاهية، والقصائد الشعرية طول الليل، بحيث يرتل كل منهم ساعة حتى مطلع الفجر سعياً وراء التحفيف عن المريض الذي ليس له من يخفف عنه، وإيناس الغريب الذي ليس له من يؤنسه.

4- وقف الزبادي: فكل خادم كسرت آنيته، وتعرض لغضب مخدومه، له أن يذهب إلى إدارة الوقف، فيترك الإناء المكسور، ويأخذ إناءً جديداً بدلا منه، وبهذا ينجو من الغضب أوالعقاب..

هذا عدا عن وقف إطعام الجائع، وسقاية الظمآن، وكسوة العاري، وإيواء الغريب، ومعالجة المريض، وتعليم الجاهل، ودفن الميت، وكفالة اليتيم، وإغاثة الملهوف، ومواساة العاجز..

ولا شك أن هذه الأوقاف والمبرات ودور العلم وغيرها ما هي إلا أثر من آثار نوازع حب الخير، وعاطفة الرحمة التي أودعها الله في قلوب المؤمنين الرحماء، ونفوس المسلمين الأتقياء.. وهي مفخرة من مفاخر حضارتنا في التاريخ!!..

فعلى هذه المعاني النبيلة من الرحمة يجب أن ننشّئ أبناءنا!!..

4-       الإيثار:

وهو شعور نفسي يترتب عليه تفضيل الإنسان غيره على نفسه في الخيرات والمصالح الشخصية النافعة:

والإيثار خلق نبيل إذا قصد به وجه الله تعالى كان من أول الأصول النفسية على صدق الإيمان، وصفاء السريرة، وطهارة النفس.. وهو في الوقت نفسه دعامة كبيرة من دعائم التكافل الاجتماعي، وتحقيق الخير لبني الإنسان.

وحسبنا أن القرآن الكريم سجل للأنصار – وهم جمهور المجتمع الإسلامي فيها – هذه الصور الراقية من صور الإخاء والمواساة والإيثار والنبل والتعاطف.. فقال:

{والذين تبوّؤوا الدارً والإيمان من قبلهم يُحبون من هاجرَ إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجةً مما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوقَ شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون} الحشر: 09.

هذا الإيثار الطوعي، والتعاطف الاجتماعي الذي تجلى في أخلاق الأنصار لن تجد له مثيلا في تاريخ البشرية، وفي أخبار الأمم..

لقد شارك الأنصار إخوانهم المهاجرين الذين اضطهدوا في دينهم، وأُخرجوا من ديارهم، وأضحوا لا يملكون شيئاً من متاع الحياة وزينتها.. لقد كان الأنصاري يؤاخي المهاجر ويناصره، بل ويؤثره على نفسه في كثير من حظوظ الحياة. وإذا مات أحدهما ورثه الآخر..

وإليكم بعض الصور من مظاهر الإيثار في المجتمع الإسلامي الأول:

(أ) ذكر الغزالي في الإحياء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أهُدي إلى رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال: فلان أحوج إليه مني، فبعث به إليه، فبعث هو أيضاً إلى آخر يراه أحوج منه، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى رجع إلى الأول بعد أن تداوله سبعة.

(ب) وهذه زينب بنت جحش الأسدية أم المؤمنين التي كانت تلقّب "بأم المساكين" لإيثارها ومواساتها.

فقد روى ابن سعد في طبقاته أن برزة بنت باتع حدثت أنه لما خرج العطاء أرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه نصيبها منه، فلما دخل عليها حامل المال، قالت: غفر الله لعمر! غيري من أخواتي كان أقوى على قسم هذا مني، فقالوا: هذا كله لك، قالت: سبحان الله! واستترت منه بثوب ثم قالت: صبّوه واطرحوا عليه ثوباً.

قالت راوية القصة: ثم قالت لي: أدخلي يدك فاقبضي منه قبضة فاذهبي بها إلى بني فلان، وبني فلان من أهل رَحمها وأيتامها، فقسمت حتى بقيت منه بقية تحت الثوب، فقالت لها برزة بنت باتع: غفر الله لك يا أم المؤمنين، والله لقد كان لنا في هذا حق فقالت: فلكم ما تحت الثوب.. قالت: فكشفنا الثوب فوجدنا خمسة وثمانين درهماً.

وقبل قليل روينا خبر عائشة رضي الله عنها التي وزعت عطاءها الذي بلغ ثمانين ألف درهم على الفقراء والمساكين ولم تُبْقö لنفسها درهما تفطر عليه، ولو ذكرتها الخادمة لفعلت، فنسيت نفسها في سبيل إسعاد غيرها.

(ج) ومن عجائب الإيثار ما ذكره العدوي – كما روى القرطبي – حين قال: (انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي – ومعي شيء من الماء – وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته، فإذا أنا به، فقلت: أسقيك؟ فأشار برأسه أنْ نعم، فإذا برجل يقول: آه... آه! فأشار إليّ ابن عمي أن انطلق إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك؟ فأشار أنْ نعم، فسمع أخر يقول: آه... آه! فأشار هشام أن انطلق إليه فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات) ولم يشرب أحد الماء لإيثار كل واحد منهم صاحبه.

فعلى هذه المعاني الكريمة من الإيثار والتضحية ونكران الذات يجب أن ننشّئ أبناءنا!!...

5-       العفو:

هو شعور نفسي نبيل يترتب عليه التسامح والتنازل عن الحق مهما كان المعتدي ظالماً وجائزاً.. بشرط أن يكون المعتدَى عليه قادراً على الانتقام، وأن لا يكون الاعتداء على كرامة الدين، ومقدسات الإسلام.. وإلاّ.. كان العفو ذلة ومهانة واستسلاماً وخضوعاً.. والعفو بهذا المعنى وبهذه الشروط شيمة خلقية أصيلة تدل على إيمان راسخ، وأدب إسلامي رفيع.. فلا عجب أن نرى القرآن العظيم يأمر به، ويحض عليه في أكثر من آية في كتاب الله عز وجل:

-    {وأن تعفو أقربُ للتقوى، ولا تنسوُوا الفضلَ بينكم...} البقرة: 237.

-    {ولا تستوي الحسنةُ ولا السيئةُ ادفع بالتي هي أحسنُ فإذا الذي بينك وبينه عداوةñ كأنه وليّñ حميم} فصلت: 34.

-    {وعبادُ الرحمن الذين يمشونَ على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً} الفرقان: 63.

-    {والكاظمين الغيظَ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} آل عمران: 134.

ومن المعلوم بداهة أن نفسية المؤمن حينما تكون متخلقة بأخلاق الحلم والعفو والتسامح.. فإنه يكون مثلا يُحتذى في الملاطفة وسموّ الخلق، ولين الجانب، وحسن المعشر.. بل يكون كالملَك يمشي على الأرض نُبلاً وطُهراً وصفاء!!...

وإليكم بعض الصور والنماذج في الحلم والعفو والسماحة في سيرة السلف عبر التاريخ:

(أ) قال عبد الله بن طاهر: كنت عند المأمون يوماً، فنادى بالخادم: يا غلام، فلم يجبه أحد، ثم نادى ثانياً وصاح: يا غلام، فدخل غلام تركي وهو يقول: أما ينبغي للغلام أن يأكل ويشرب؟ كلما خرجنا من عندك تصيح: يا غلام، يا غلام، إلى كم يا غلام؟!.. فنكس المأمون رأسه طويلا – فما شككت في أن يأمرني بضرب عنقه – ثم نظر إليّ، فقال: يا عبد الله، إن الرجل إذا حسنتْ أخلاقه، ساءت أخلاق خدمه، وإنا لا نستطيع أن نسيء أخلاقنا لنحسن أخلاق خدمنا..!!.

(ب) ومما يروي أن زين العابدين بن الحسين رضي الله عنهما استدعى غلاماً له، وناداه مرتين فلم يُجبه، فقال له زين العابدين: أما سمعت ندائي؟! فقال: بلى، قد سمعت، قال: فما حملك على ترك إجابتي؟ قال: أمöنْت منك، وعرفت طهارة أخلاقك فتكاسلت، فقال: الحمد لله الذي أمöنَ مني غلامي!..

ومما يروى عنه أيضاً أنه خرج مرة إلى المسجد فسبه رجل، فقصده غلمانه ليضربوه ويؤذونه، فنهاهم زين العابدين، وقال لهم: كفّوا أيديكم عنه، ثم التفت إلى ذلك الرجل وقال: يا هذا، أنا أكثر مما تقول، ومالا تعرفه مني أكثر مما عرفته، فإن كان لك حاجة في ذكره ذكرته لك، فخجل الرجل واستحيا، فخلع زين العابدين قميصه، وأمر له بألف درهم، فمضى الرجل وهو يقول: أشهد أن هذا الشاب ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومما يروى عنه كذلك أن غلامه كان يصب له الماء بإبريق مصنوع من خزف (من طين) فوقع الإبريق على رجل زين العابدين فانكسر، وجرحت رجله، فقال الغلام على الفور – يا سيدي – يقول الله تعالى: {والكاظمين الغيظ}، فقال زين العابدين: لقد كظمت غيظي.. ويقول: {والعافين عن الناس}، فقال: لقد عفوت عنك، ويقول: {والله يحب المحسنين}، فقال زين العابدين: أنت حر لوجه الله!!..

(ج) وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما قدم عُيَيْنَة بن حصين نزل على ابن أخيه الحرّ بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر إذ كان القراء أصحاب مجلس أمير المؤمنين ومشاورته، كهولا كانوا أو شباناً..

فقال عيينة: أستأذن لي على أمير المؤمنين، فاستأذن له فلما دخل قال: هيه يا ابن الخطاب فوالله ما تعطينا الجزل (أي الكثير)، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى همّ أن يوقع به.

فقال الحرّ: يا أمير المؤمنين، إن الله يقول لنبيه: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}، وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقّافاً عند كتاب الله عز وجل[2]!!..

(د) ومما جاء في أسباب النزول أن قريباً لأبي بكر رضي الله عنه اسمه (مسطح) كان يعيش على إحسان أبي بكر وكفالته، لم يتورّع عن الخبط في عرض السيدة عائشة لما شيّع عليها المنافقون ما شيَّعوا في حادثة الإفك، فنسي مسطح بذلك حق الإسلام، وحق القرابة، وحق التكافل.. ومما أثار حفيظة أبي بكر رضي الله عنه، جعله يحلف أن يهجر قريبه هذا، ولا يصله، فنزل قوله تعالى:

{ولا يأتلö[3] أولوا الفضل منكم والسّعةö أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله، وليعفوا وليصفحوا ألا تحبّون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} النور: 22.

فعفا أبو بكر رضي الله عنه وصفح، وعاد إلى عطائه الأول قائلا: إني أحب أن يغفر الله لي...!

وما هذا الخلق العظيم من العفو والصفح والتسامح والحöلم.. إلا بفضل ما اقتبسوه تأسياً من أخلاق الداعية الأول صلوات الله وسلامه عليه، وبفضل ما امتثلوه من توجيهاته الكريمة عليه الصلاة والسلام.. حتى تسموا أخلاقهم على أخلاق السوقة والعبيد، وتتميز مكارمهم من مكارم الخاصة والعامة..

روى أبو داود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كظم غيظاً وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيّره في أي الحور العين شاء".

وروى الطبراني عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بما يشرف الله بن البنيان، ويرفع الدرجات"؟، قالوا: نعم يا رسول الله، قال: "تحلم على من جهل عليك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك".

فعلى الراغبين هذه الفضائل من الحلم والتسامح والعفو يجب أن ننشّئ أبناءنا!!

6-       الجرأة:

هي قوة نفسية رائعة يستمدها المؤمن من الإيمان بالواحد الأحد الذي يعتقده، ومن الحق الذي يعتنقه، ومن الخلود الذي يوقن به، ومن القدر الذي يستسلم إليه، ومن المسؤولية التي يستشعر بها، ومن التربية التي يُنَشّأ عليها..

وعلى قدر نصيب المؤمن من الإيمان بالله الذي لا يغلب، وبالحق الذي لا يخذل، وبالقدر الذي لا يتحول، وبالمسؤولية التي لا تكل، وبالتربية التي لا تملّ.. بقدر هذا كله يكون نصيبه من قوة الشجاعة والجرأة، وقول كلمة الحق..

ونرى هذا بارزاً في شخصية أبي بكر رضي الله عنه الذي كان أرجح المؤمنين إيماناً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد تمثّل إيمانه في مواقف جعلت عمر القوي الشديد يقول عنه: (والله لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة لرجح إيمان أبي بكر..).

موقفه يوم تُوفي الرسول صلوات الله وسلامه عليه فذهل المسلمون، وأخرجتهم الفجيعة عن وعيهم ورشدهم، حتى روي أن عمر قال: من قال إنّ محمداً مات ضربت عنقه بسيفي هذا !. هناك وقف أبو بكر رضي الله عنه يؤذن في الناس بصوت جهير ويقول: "من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت"، وتلا قوله تبارك وتعالى:

{وما محمد إلا رسول قد خَلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين} آل عمران: 144.

وموقفه بعد ذلك، يوم تردّد المسلمون في إنفاذ جيش أسامة الذي جهزه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشام قبل مرض موته، فقد طلبوا من أبي بكر أن يوقف مسير هذا الجيش، بسبب أن الغد مليء بالأحداث والاحتمالات، ولا يدري أحد ماذا يفعل العرب في القبائل والقرى إذا علموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات.. ولكن أبا بكر أجابهم في حزم عازم، وقال: "والذي نفس أبي بكر يده، لو ظننت أن السباع تحتطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما كنت أحلّ عقدة عقدها رسول الله بيده، ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته..".

وموقفه رضي الله عنه في حرب المرتدين ومانعي الزكاة في الوقت الذي برزت فيه قرون العصبية الجاهلية كأنها قرون الشياطين.. وكان المسلمون – بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم – كالغنم في الليلة المطيرة، كما وصفتهم السيدة عائشة رضي الله عنها، وحتى لا قال بعض المسلمين لأبي بكر: يا خليفة رسول الله، لا طاقة لك بحرب العرب جميعاً.. الزم بيتك، وأغلق بابك، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين.. ولكن هذا الرجل الخاشع البكاّء، الرقيق كالنسيم، اللّين كالحرير، الرحيم كقلب الأم ينقلب في لحظات إلى رجل ثائر كالبحر، زائر كالليث، يصيح في وجه عمر: أجبّارñ في الجاهلية، وخوّار في الإسلام؟ لقد تمّ الوحي واكتمل.. أفينقص الدين وأنا حي؟ والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه، والله لأقاتلنهم ما استمسك السيف بيدي، فما كان من عمر رضي الله عنه إلا أن قال: لقد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق[4].

ومن هنا كانت فضيلة الجرأة بالحق من أعظم الجهاد لما روى أبو داود والترمذي وابن ماجة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر".

ومن هنا كان الذي يستشهد في سبيل كلمة الحق سيد الشهداء لما روي عن الحاكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله".

ومن هنا كان صلى الله عليه وسلم يأخذ العهد من أصحابه على أن يقولوا بالحق أينما كانوا.. فقد روى مسلم في صحيحه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنْشَط والمكْره، وعلى أثَرَةٍ علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم".

ومن هنا كان امتداح الله سبحانه للذين يبلغون رسالات ربهم ولا يخشون أحداً إلا الله، قال تعالى: {الذين يبلّöغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً} الأحزاب: 39.

ولو أردنا أن نتصفح سöفْر رجال الإسلام في التاريخ لرأيناه سفراً حافلا بالأمجاد والبطولات، زاخراً بالجرأة الأدبية في سبيل الحق والإسلام..

وإليكم بعض الأمثلة الحية من مواقفهم البطولية:

(أ) من مواقف العز بن عبد السلام أنه قال مرة لسلطان مصر (نجم الدين أيوب)، وكان في مجلس حافل برجال الدولة: يا أيوب!.. ما حجتك عند الله إذا قال لك: ألم أبوّöئ لك ملك مصر ثم تُبيح الخمور؟ فقال: هل جرى هذا؟ فقال: نعم. الحانة الفلانية يباع فيها الخمور، وتستباح فيها المنكرات، وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة، فقال: هذا أنا ماعملتُه. هذا من زمان أبي، فقال العز بن عبد السلام: أنت من الذين يقولون:

{إنا وجدنا آباءنا على أمة[5] وإنا على آثارهم مقتدون} الزخرف: 13.

فرسم السلطان بإبطال تلك الحانة وإغلاقها..

(ب) كان سلمة بن دينار المكنىّ بأبي حازم يدخل على معاوية، فيقول: السلام عليك أيها الأجير، فإذا حاولوا أن يقولوا لأبي حازم قل: السلام عليك أيها الأمير، أبى عليهم ذلك، ثم التفت إلى معاوية فقال له: (إنما أنت أجير هذه الأمة، أستأجرك ربك لرعايتها).

(ج) وإليكم هذه المحاورة التي جرت بينه وبين سليمان بن عبد الملك:

قال سليمان: يا أبا حازم مالنا نكره الموت؟. قال: لأنكم خربتم آخرتكم، وعمرتم الدنيا، فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب.

قال سليمان: فكيف القدوم غداً على الله؟. قال: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالعبد الآبق يقدم على مولاه.

قال سليمان: أي القول أعدل؟. فقال: قول الحق عند من تخافه أو ترجوه.

قال سليمان: فأي المؤمنين أكْيَس؟ (أي أعقل)؟. قال: رجل عمل بطاعة الله، ودلّ الناس عليها.

قال سليمان: فأيّ المؤمنين أحمق؟. قال: رجل انحطّ في هوى أخيه وهو ظالم، فباع آخرته بدنيا غيره.

قال سليمان: هل لك يا أبا حازم أن تصحبنا؟ فتصيب منا، ونصيب منك. قال: أعوذ بالله!..

قال سليمان: ولöمَ ذاك؟. قال: أخشى أن أركن إليكم قليلا، فيذيقني الله ضعف الحياة، وضعف الممات.

قال له سليمان وقد قام ليذهب: أوصنى يا أبا حازم.. فقال: سأوصيك وأوجز: عظّم ربك، ونزّهه أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك)!!..

فعلى هذه الفضيلة من الثبات والجرأة في الحق يجب أن ننشّئ أولادنا!!..

 

***

تلكم هي أهم الأصول النفسية التي يسعى الإسلام جهده إلى غرسها في نفس المؤمن، وكلها تتضافر في تكوين الشخصية المسلمة، وكلها تشير إلى أن الإسلام في تحقيق التربية الاجتماعية لدى الأفراد يجب أن يبدأ من نقطة بناء الفرد بناء صحيحاً، وأن أي تربية أو تكوين لا يقوم على هذه الأصول النفسية التي وضع قواعدها الإسلام فإن التربية تكون فاشلة وأن ارتباط الفرد بالمجتمع يكون أوهن من بيت العنكبوت.

لذا وجب على الآباء والمربين جميعاً وعلى الأمهات بشكل خاص:

أن يرسّöخوا في نفوس أطفالهم عقيدة الإيمان والتقوى، وفضيلة الأخوة والمحبة، ومعاني الرحمة والإيثار والحلم.. وخلق الإقدام والجرأة في الحق.. وغيرها من الأصول النفسية النبيلة.. حتى إذا شبّ الأولاد عن الطوق، وبلغوا السنّ التي تؤهلهم أن يخوضوا خضم الحياة.. أدوا ما عليهم من واجبات ومسؤوليات دون تواكل أو تردد أو قنوط.. ثم بالتالي قاموا بكل الالتزامات نحو الآخرين دون إهمال لحق أو تقصير في الواجب.. بل كانت معاملاتهم وآدابهم وأخلاقهم الاجتماعية على أحسن ما رأى الناس، وأسمى مما يتصوره الخيال.

وأي نظام في التربية لا يقوم على هذه الأصول النفسية، والأسس التربوية، يكون كمن رأى شجرة بدأ يدب فيها الاصفرار والذبول فأخذ يعالجها من أوراقها، ولم يلتفت إلى إصلاح الجذر الذي إذا صلح صلحت الشجرة كلها..

وبعبارة أوضح أن الذي يقوم بمسؤولية التربية الاجتماعية إذا لم يَبْنö تربيته على هذه الأصول الثابتة كان كمن يرقم على ماء، وينفخ في رماد، ويصرخ في واد دون فائدة أو جدوى..



[1]  من كتاب الظلال لسيد قطب رحمه الله ج 1 ص 40.

[2]  رواه البخاري.

[3]  ولا يأتل: ولا يحلف.

[4]  من كتاب (الإيمان والحياة) للأستاذ يوسف القرضاوي ص 274 مع شيء من التصرف.

[5]  أمة: طريقة ودين.

|السابق| [34] [35] [36] [37] [38] [39] [40] [41] [42] [43] [44] [45] [46] [47] [48] [49] [50] [51] [52] [53] [54] [55] [56] [57] [58] [59] [60] [61] [62] [63] [64] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error