من الأمور الهامة التي يجب أن يلحظها المربون في الولد اختيار الرفيق المؤمن، والجليس الصالح.. لما له من تأثير كبير في استقامة الولد، وصلاح أمره، وتقويم لي من أنا؟ بل قل لي من تصاحب، تعرفني مَن أنا!!).
ورحم الله الشاعر الذي يقول:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمُقارن يقتدي
ولنستمع إلى المُربي الأول عليه أفضل الصلاة والتسليم كيف يوجه الآباء والمربين في اختيار الرفقة الصالحة لأولادهم، ومن لهم حق التربية عليهم.
- روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مثل الجليس الصالح، والجليس السوء كمثل حامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحذöيَك، أو تشتري منه، أو تجد مه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، أو تجد منه ريحاً منتنة".
- وروى أبو داود والترمذي عنه عليه الصلاة والسلام: "لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي".
- وروى ابن عساكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إياك وقرين السوء فإنك به تُعرف".
- وروى الترمذي وأبو داود عنه عليه الصلاة والسلام "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل".
من هذا كله وجب على المربي أن ينتقي للولد – ولا سيما بعد أن يبلغ سن التمييز – أن ينتقي له الزمرة الصالحة من الرفقاء من سنه، يختلط بهم، ويلهو معهم، ويدرس وإياهم، ويتفقدهم بالزيارة، ويعودهم إذا مرضوا، ويقدم لهم الهدية إذا نجحوا، ويذكرهم إذا نسوا، ويعينهم إذا احتاجوا.. وهذا – لا شك – ينمي في الولد النزعة الاجتماعية التي فُطر عليها، ويجعل منه في المستقبل رجلاً متوازناً سوياً يؤدي حق المجتمع على الوجه الصحيح الذي يرضي الله عز وجل، ويأمر به الإسلام!!..
ولكن ما هي أهم حقوق المصاحبة التي يجب على المربين أن يرسخوها في الولد؟
الحقوق هي كما يلي:
(أ) السلام إذا لقيه:
لما روى الشيخان عن عبد الله عن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف".
وروى مسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم".
(ب) عيادته إذا مرض:
لما روى البخاري عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكّوا العاني (الأسير)".
وروى الشيخان عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس".
(ج) تشميته إذا عطس:
لما روى البخاري عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله يصلح بالكم".
(د) زيارته في الله:
لما روى ابن ماجة والترمذي.. عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عاد مريضاً أو زار أخاً في الله ناداه منادٍ بأن طبْتَ وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً".
وروى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن رجلاً زار أخاً له في الله في قرية أخرى، فأرصد الله تعالى له على مدرجته (الطريق) ملكاً فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك من نعمة تربُّها عليه (تقوم بها)؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله تعالى، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه".
(هِ) إعانته وقت الشدة:
لما روى الشيخان عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسْلöمهُ (لا يترك نُصرَتَه)، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كُرَبö يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة".
(و) إجابة دعوته إذا دعاه:
لما روى الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس".
(ز) التهنئة بالشهور والأعياد مما اعتاده الناس:
لما روى الديلمي عن ابن عباس – رضي الله عنهما - :"من لقي أخاه عند الانصراف من الجمعة فليقل تقبل الله منا ومنك".
وروى صاحب المقاصد عن خالد بن معد أنه لقي واثلة بن الأسقع في يوم العيد فقال له: تقبل الله منا ومنك، فقال له واثلة: مثل ذلك.
وجا في الصحيحين أن طلحة قام لكعب بن مالك وهنأه بتوبة الله عليه.
وروى صاحب (الجامع الكبير) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "أتدرون ما حق الجار (ويدخل الرفيق)؟ إن استعان بك أعنته، وإن استقرضك أقرضته، وإن أصابه خير هنأته، وإن أصابته مصيبة عزيته...".
(ح) المهاداة في المواسم والمناسبات:
لما روى الطبراني في (الأوسط) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تهادوا تحابوا"، وللطبراني في (الأوسط) عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا نساء المؤمنين تهادين ولو فرسن شاة فإنه ينبت المودة، ويذهب الضغائن"، وللديلمي عن أنس مرفوعاً: (عليكم بالهدايا فإنها تورث المودة، وتذهب بالضغائن)، وأخرج الإمام مالك في الموطأ (تصافحوا يذهب الغöلّ (الحقد)، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء).
ومما يتفرع عن حق الرفيق المؤمن الدائم حق الرفيق المؤقت، وهو الذي يصحبك في سفر أو دراسة أو وظيفة.. وهو الذي عبر عنه القرآن الكريم حين قال: {والصاحب بالجنب}. هذا الرفيق ينبغي أن ينال ممن جاوره كل عطف ورعاية وإكرام، وتعاون وإيثار، ولين جانب، وكرم أخلاق. وهذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو القدوة الصالحة – كان يعطي لأمته الأسوة الحسنة في ملاطفة أصحابه في السفر والحضر، والسلم والحرب، والحلّ والترحال..
أسند الطبري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه رجل من أصحابه وهما على راحلتين، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم غيْضة (مجتمع شجر)، فقطع قضيبين أحدهما معوج، فخرج وأعطى لصاحبه القويم (أي الجيد منه)، فقال الرجل: كنت يا رسول الله أحق بهذا! فقال: كلا يا فلان إن كل صاحب يصحب آخر فإنه مسؤول عن صحابته ولو ساعة من نهار".
وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: (للسفر مروءة وللحضر مروءة، فأما المروءة في السفر فبذل الزاد، وقلة الخلاف على الأصحاب، وكثرة المزاح في غير مساخط الله، وأما المروءة في الحضر فالإدمان إلى المساجد، وتلاوة القرآن، وكثرة الإخوان في الله عز وجل".
ومما ينسب لبعض بني أسد قولهم:
إذا ما رفيقى لم يكن خلف ناقتي له مركب فضلا فلا حمöلَت رجöلْي
ولم يك من زادي له شطرُ مöزودي فلا كنت ذا زادٍ ولا كنتُ ذا فضلö
شريكان فيما نحن فيه وقد أرى عليّ له فضلا بما نال من فضلي
***
تلكم – أيها المربون – أهم الأسس والقواعد في تلقين الولد منذ أن يفتح عينيه – حق الرفيق، واحترام الصديق.. وهي من أعظم العوامل في تنمية النزعة الاجتماعية، وتقوية ظاهرة المحبة في الله لدى الولد، هذه النزعة حينما تقوم على أسس المحبة والإخلاص، والوفاء والإيثار، والبذل والتعاون.. فإن دعائم التكافل والسلام والاستقرار تترسخ في المجتمع المسلم، وإن مبادئ العدل والإخاء والمساواة.. تنتشر في ربوع الأرض، وأطراف المعمورة.. لماذا؟ لأن الفرد المسلم أعطى لكل ذي بصيرة النموذج الحي عن الإسلام في سلوكه وأخلاقه، وملاطفته ومعاملته..
فما أحوج المجتمع الإسلامي إلى مربين أفاضل، وآباء أكارم.. يغرسون في الولد منذ نشأته هذه الأسس من التربية الفاضلة، والأخلاق القويمة.. حتى ينشأ الولد على كريم الخصال، ويترعرع على أفضل المكارم، وإنكار الذات!!..