أولا - المراسلات
(وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) هذا هو الأدب السلوكي الذي يعلمه لنا الإسلام. والرسالة كالتحية.. تحتاج منا أن نحسن استقبالها، والاهتمام بما جاء فيها، والرد عليها في أسرع وقت ممكن.وإنه لأمر منكر أن تسمع من بعض الأخوة أنه لا يستطيع أن يجيب على الرسائل لمجرد أن مزاجه لايتقبل ذلك.. وتحكيم المزاج والهوى في هذه القضية أمر ضار بالعمل الذي تقوم به.. تصور نفسك تطلب بعض القضايا من أحد إخوانك، وتعتقد أنه يستطيع مساعدتك.. وأرسلت له في ذلك رسالة مستعجلة وجلست تنتظر جوابها.. وطال انتظارك.. فصاحبنا ليس عنده مزاج للكتابة..
هل بإمكانك أن تصف لي مشاعرك مع مرور الأيام وطول الانتظار..؟
وهل ستقبل عذره إذا قال لك لم أستطع كتابة الجواب لأني لا أحب كتابة الرسائل..؟
في كثير من الأحيان تصلك بعض الرسائل يرجوك أصحابها أن تجاوبهم مهما تكن الظروف.. وبأي شكل كان الجواب.. وعندما تجيبهم ولو بالاعتذار تنشرح صدورهم وتزداد ثقتهم بك وبعملك.. وقد يشكرونك في رسالة لاحقة لمجرد أنك أجبتهم..
وإذا كان المثل الشائع: (إن المراسلة نصف المشاهدة) فإني أعتقد أن الأمر أكثر ضرورة هذه الأيام..فتشابك المصالح، وبعد المسافات، وكثرة الأشغال تجعلك لا تفوز من صاحبك أو أخيك بأكثر من رسالة..!
فبالرسالة نتبادل الرأي..
وبها نتفق على خطة أو برنامج مؤتمر..
وبالرسالة نكسب مواقع جديدة وقلوبا جديدة..
بعد كل مؤتمر أحضره.. أكتب لعدة أشخاص أختارهم رسائل شكر على ما لقيته منهم من حسن ضيافة أو استقبال أو لقاء.. وأعبر لهم عن امتناني للوقت الجميل الذي قضيناه معا.. وأبين لهم أن هذا المؤتمر كان فرصة مفيدة لتبادل وجهات النظر.. وأتلقى من بعض هؤلاء إجابات تكون بداية لعلاقات جديدة ومفيدة.
وبذلك تتحول فرصة اللقاءات العابرة إلى فرصة لقاء دائم مفيد.. والحياة في مجملها نوع من التعارف المفيد..
وينبغي أن تحتفظ لكل من تراسلهم بملف أو بطاقة تحتوي خلاصة مراسلاتك معهم.. حتى لا تكرر نفسك في رسائلك مع الشخص نفسه.. فيفقد اهتمامه برسائلك مع الزمن..
أما بالنسبة لكتابة الرسائل فالأحسن تخصيص وقت مناسب لها من كل يوم.. تجيب فيه على جميع الرسائل.. ولا تؤجل جوابا ولا رسالة إلا إذا كان الأمر يقتضي التأخير.
ولقد اعتاد بعض الناس أن تكون رسائله قصيرة مقتضبة كالبرقيات. وهذا خطأ.. فالرسالة عنصر هام من عناصر الاتصال وكتابتها فن.. وبقدر جمال العبارة ودقتها، وحسن اختيار الموضوع والرفق في ولوجه.. تكون الفائدة التي نحققها من مثل هذه الرسائل..
حدثني السياسي المسلم البروفسور نجم الدين أربكان.. أنه زار منطقة نائية في تركيا.. وعند زيارته لأحد الأصدقاء.. وجد أن إحدى رسائله اهتم بها الرجل ووضعها في إطار أنيق تعبيراً عن أهمية الرسالة.
فهل ينتبه الدعاة إلى ذلك؟
ثانيا- استخدام الهاتف
والهاتف من نعم الله الكبرى التي منّ بها على عباده..
فإذا كانت الرسالة تنقل إليك الكلمات الصامتة والأوراق الميتة..فالهاتف ينقل إليك نبرة الصوت وحرارة اللقاء..
هناك من يسمى زماننا الذي نعيشه بعصر السرعة.. قياسا على السيارة والطائرة.. فكيف بك وهذا الهاتف تدير قرصه ليحضر محدثك من توه.. تكلمه ويكلمك.. تناقشه وتتفق معه..؟
وهناك بعض الملاحظات التي تيسر لك استخدام هذا الجهاز الهام ..
· بإمكانك وصل هاتفك بجهاز للذاكرة تضع فيه أهم الأرقام الهاتفية..ويكفي أن تضغط على أحد الأزرار ليتصل الهاتف من تلقاء نفسه مرة بعد مرة حتى يجد صاحب الرقم.. وهذا يوفر الجهد ويساعد على تنظيم الوقت.
· وبإمكانك وصل هاتفك بجهاز يسجل المكالمات الواردة حتى تسمعها في الوقت المناسب. كما يرد على الشخص المتصل من خلال جهاز تسجيل بأن يتصل في وقت لاحق أو في الساعة الفلانية أو أن يعاود الاتصال على رقم هاتف آخر.. أو ينقل إليه رسالة بمعنى معين تريد نقلها إليه..
· وبإمكانك إحالة عدد كبير من المكالمات (لمساعدك) يتصل بأصحابها حتى إذا وجد الشخص المطلوب وصلك به على هاتف مشترك.
· إذا كانت عندك مكالمة هامة.. ينبغي أن تجمّع الأوراق والوثائق اللازمة للمكالمة.. حتى توفر الوقت وتستطيع استكمال الحديث المطلوب.
لا بأس أن تحتفظ إلى جانب الهاتف بدفتر وقلم لتسجيل النقاط الهامة في المكالمات..
اجعل اتصالاتك في أوقات مناسبة.. كما أنه بإمكانك أن تخبر من يتصلون بك أن الوقت المناسب لاتصالهم هو في الساعة الفلانية..
بهذه الطريقة يمكنك الاستفادة من هذه النعمة الكبرى التي تقرب البعيد وتيسر الصعب وتجعلك وجها لوجه مع قضاياك.
والنعمة إذا استخدمت لغير هدفها قد تتحول إلى نقمة. فكما يكون الهاتف نعمة.. فقد يتحول إلى وسيلة للأحاديث التافهة، وقتل الوقت بالكلام الفارغ، وتجريح الهيئات والأشخاص، مما يؤدي إلى إهمال الأعمال، وإضاعة الأوقات..
والدردشة بلا هدف.. وكثرة الكلام بقصد تزجية الوقت.. وما يتضمنه ذلك من الغيبة والنميمة.. من الأمور التي نهى عنها الإسلام، قال تعالى: ()لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس( .
ذُكر لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه قومñ يكثرون الكلام بلا هدف فقال: (هؤلاء قومñ صعب عليهم العمل، فسهل عليهم الكلام).
ولا يتعافى الإنسان من هذه الآفة إلا:
· بالانشغال بالعمل وبما يفيد.
· الابتعاد عن الجدل.. ولو كان حقاً.
ثالثا- الزوار
الزيارات من أهم المشاكل التي تواجه صاحب العمل.. وصعوبتها تأتي:
· من ضيق وقتك ورغبتك في إنهاء وقت الزيارة.
· ومن عدم إدراك الزائر للفرق بين مكان العمل والبيت والحديقة.. أو النادي.. وأن الحديث في المكتب ينبغي أن يتناول الضروري من الأمور التي تتعلق بالعمل، وأن التبسط والمجاملة لهما وقت ومكان آخر.
· وأخيرا لابد أن تؤدي الزيارة إلى نتيجة إيجابية تحقق محبة، وتؤّمن مصلحة، وتزيد من حبل المودة والأخوة.. فإذا لم تؤد الزيارات إلى هذه النتيجة فضررها أكبر من نفعها..
ولمعالجة كل هذه القضايا.. وللوصول بالزيارة إلى هدفها المنشود.. نوصي بما يلي:
1- إذا كان لديك مكتب لأعمالك.. فعلى السكرتير أن يهتم بالزوار.. فيقدم لك قائمة بأسمائهم وحاجاتهم.. ويقدم من عنده موعد منهم. بعض الزوار يحتاجون وقتاً أطول، وبعضهم يمكن قضاء حاجاتهم بسرعة مثل كتابة بطاقة توصية أو مكالمة أحد الأشخاص بالهاتف.
من المناسب تقديم الأشخاص أصحاب الحاجات المستعجلة والقصيرة.
2- عدم إدخال شخصين معا.. إلا إذا كانت لهما قضية مشتركة.. وبمجرد انتهاء عملهما تطلب من مساعدك أن يدخل شخصا آخر.. فيشعر من انتهت مشكلته تلقائيا بانتهاء زيارته.
3- إذا كان عندك شخصان.. لكل منهما قضية خاصة فاستأذن من أحدهما أن يخرج. وبعد انقضاء مشكلة الأول تستدعي الثاني.. وإذا ساءه خروجه في البداية فسيرتاح لإنجاز مشكلته بعد ذلك ويدرك أن هذا هو الحل الوحيد.
4- حاول أن تحصر زياراتك في ساعات محددة.. فمثلا تقول لكل من يريد زيارتك تفضل بعد الظهر.. وبهذا الشكل توفر الكثير من الوقت.
أهمية الزيارة
كل هذه الإجراءات يمكن اتخاذها لتنظيم الزيارة وتوفير الوقت المحدد.. أما ما عدا ذلك فينبغي على الإنسان أن يرحب بالزائر ويبتسم في وجهه (تبسمك في وجه أخيك صدقة)، ويشعره بالمودة والأخوة )قول معروف خير من صدقة يتبعها أذى( ، ويتلطف معه في سماع قضيته حتى ولو لم تخصه..
· جاءني مرة رجل عجوز يلهث من صعوده إلى الدور الرابع.. وقال لي: هنا تقدم طلبات الوظائف؟ ولم أرد عليه.. بل أجلسته وطلبت له كأسا من الشاي حتى استراح.. أخذته من يده وذهبت به إلى مكان تقديم الطلبات..
· يأتيك أحيانا الرجل أو المرأة وعندهما مشكلة تقلقهما ويعرفان أنك لست قادرا على حلها.. ومع ذلك يرغبان أن تقف معهما وتشير عليهما.. فقد أثقلت القضية كاهلهما.. لابد من أن تكون عند حسن ظنهما (لأن يسعى أحدكم في حاجة أخيه، خير له من أن يعتكف في مسجدي هذا شهراً)..
لابد من إرجاع الثقة، وبذل المحبة، ومساعدة الآخرين حتى يعود للناس اطمئنانهم واعتقادهم أن الدنيا ما زالت بخير.
عندما تزور الآخرين
وكما ترغب أن تزار بموعد، وأن تكون الزيارة قصيرة، وأن يكون الدخول عندك بنظام.. حاول أن تطبق ذلك على نفسك عندما تزور الآخرين.. اتصل بالهاتف لتعرف الوقت المناسب. ولا تنس أن تأخذ جميع الوثائق وملخصاً للاتصالات السابقة على افتراض أن الرجل نسي الموضوع فتسهل عليه النظر فيه.. ولا تستنكف عن الانتظار قبل الدخول..ولا تكن مثل هؤلاء الذين يريدون الدخول بدون موعد أو استئذان ويعدون أنفسهم فوق النظام.. حاول أن تكوّن في هذه الفترة علاقة مع السكرتير.. ترفع معنوياته من جهة، ويسهل مهمتك من جهة أخرى.
هذا في إطار العمل..
أما الزيارات الاجتماعية التي تقوم بها.. للأبناء أو الأقارب أو الجيران أو الآخرين فهي من العادات الإنسانية التي لها دور كبير في تقوية الروابط الأسرية والاجتماعية.. طالما كانت هادفة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من زار أخاً له في الله أرسل الله له ملكاً يقول: طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة مقعداً).
وحتى تتم هذه الزيارات في أجواء مفيدة سليمة ينبغي:
· الاستئناس قبل الزيارة، قال تعالى: )يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا( .
· واختصار الزيارة قدر الإمكان.. فلا يجوز أن نقتل حياتنا بقتل أوقاتنا.. (وإن كان لك مهمة فأوجز في قضائها).
رابعاً- الاجتماعات
هذه القضية من أهم القضايا التي تحتاج إلى تنظيم وإعادة نظر.. وعليها تتوقف كثير من أمورنا وأنشطتنا.. بل وفي بعض الأحيان تتوقف عليها مصائر حركات وجماعات.. وأحيانا مصائر شعوب وأمم. فابتداء من لقائك مع رؤساء الأقسام في اجتماع لبحث تطوير العمل ومناقشة إيجابياته وسلبياته، وانتهاء بمؤتمرات القمة التي تضم رؤساء الدول.. كل هذه اللقاءات في مناطق العالم الثالث تتم بصورة متخلفة تعكس تخلف منطقتنا وسلبيات تحركنا..
وأول سلبيات هذه اللجان تكمن في تشكيلها.. فالأصل أن الأمر الذي يناقش في المستويات الأعلى يحوّل إلى لجنة فنية متخصصة لمتابعته والإشراف على تنفيذه، وبذلك تكون اللجنة متممة ومكملة لعمل الهيئات العليا.. ولكن الذي يحصل الآن أن اللجان العليا والمتوسطة والدنيا تضم الأشخاص أنفسهم.. يدورون في حلقاتها من مكان إلى مكان.. وتكون النتيجة الحتمية لهذه اللجان أن تتضاءل وتتقزم وتنتهي..
ولقد شهدت لجانا كثيرة.. في غاية الأهمية..
يحضر قسم من أفرادها ولا يحضر الآخرون.. فالتبليغ لم يتم، وإذا تم فقبل الموعد بيوم أو اثنين بحيث يكون الأخ مرتبطا بقضايا أخرى..
والاجتماع بلا جدول أعمال.. فلم يفكر أحد في اللقاء قبل ساعته. وجميع أوراق ووثائق اللقاءات السابقة غير موجودة لسبب من الأسباب..
وفي غيبة المتخصصين، وعدم الدقة في الحضور، وعدم وجود جدول أعمال، وعدم وجود وثائق اللجنة.. يتحول الحديث إلى ذكريات ومواقف..وينتهي اللقاء كما بدأ.. ويعود الذين حضروا أدراجهم وفي قلوبهم غصة..!
كلا أيها السادة المسؤولين.. ابتداء من أصغر إدارة في أقصى الدنيا.. وحتى مسؤول أكبر دولة على وجه الأرض.. إن هذه اللقاءات هي الأهم.. ففي العالم الأول لا يلتقي الكبار حتى يُعد المتخصصون في اللجان المختلفة تصوراتهم للأمور: الاقتصادية والسياسية والفكرية والإعلامية والحركية.. ثم يتم اللقاء فيرجح هذا الاحتمال أو ذاك. وليس الأمر عندنا بسبب الجهل بقيمة هذا الوضع فقط.. بل ومن عدم الثقة بالنفس كذلك. فلا تريد المقامات العليا أن تلتقي مع العناصر الدنيا فتطير الهالات. وتنتهي الخيالات.
أن اللجان المتخصصة هي مؤسسات متفرغة تضم أفضل العناصر، وتجمع أهم المعلومات، وتصدر أقوم الدراسات، تخطط للعمل، وبعد الموافقة على الخطة تنطلق للتنفيذ، فتكون للأحداث بالمرصاد.. بل وعلى ضوء الأحداث تختبر الخطة.
لقد تغيرت مواقع التأثير في العالم المعاصر.. فقديما كان ألف عنصر مسلحون بألف سهم يغلبون خمسمائة عنصر عندهم خمسمائة سهم.. أما اليوم فمركز صغير يضم عشرة أشخاص يصدر دراسات سياسية معقولة يمكن أن يوجه ملايين الأفراد هنا وهناك.. وبهذه الطريقة يؤثر اليهود في جميع أمم العالم بالعمل وليس بالكلام الفارغ..
حدثني الأستاذ نجم الدين أربكان فقال: في اجتماعات مجلس الأمن القومي التركي.. يبدأ الاجتماع بإقرار جدول الأعمال.. وفي كل نقطة من هذا الجدول.. يقدم سكرتير المجلس أحد الحلول لهذه النقطة، ثم حلاً آخر.. ثم حلاً ثالثاً..وهكذا في كل نقطة.. دققوا بشكل مسبق في جدول الأعمال.. ووضعوا لكل أمر جميع الاحتمالات الممكنة.
كيف نكون آراءنا الاقتصادية..؟
وكيف نصدر قراراتنا السياسية؟
هل حققنا في الأخبار التي تصلنا.. هل هي حوادث واقعية فعلا، أم أحداث مفتعلة أطلقها الآخرون ليؤثروا على سياساتنا وقراراتنا..؟
ماهي سياساتنا الإعلامية..؟
أين مراسلونا في المناطق التي يخوض فيها المسلمون أعنف صراع مع المكر العالمي..؟
بل هل آراؤنا ومواقفنا تجاه الآخرين موحدة..؟
هل ننظر جميعا لحركات التحرير في الفلبين وكشمير والشيشان وفلسطين ورجالها النظرة نفسها..؟
هل لنا رؤية مشتركة في الموقف من الأقليات الإسلامية في العالم.. مساعدتها.. وطبيعة الدور الذي تقوم به في أوطانها؟
آلاف الأسئلة يمكن أن نطرحها.. وسيكون الجواب باستمرار علامات تعجب سلبية تنضم إلى سابقاتها ضمن لحن مأساوي حزين وجنائزي.. وليس ذلك بسبب نقص الطاقات.. بل من زيادتها في بعض الأحيان!
إن دليل حيوية أية مؤسسة، أو حركة، أو جماعة، أو دولة، أو حزب يكمن في وجود لجان ومؤسسات متخصصة متفرغة تتابع الأحداث وتحللها وتركبها وتقدمها لأصحاب القرار.. فيتحول قرارهم إلى قرار عصري واقعي.. بدلا من قرارات (طوباوية) يغلب عليها الظن والهوى..!
خامساً- المؤتمرات
المؤتمر فكرة متقدمة تضم أصحاب اهتمامات متقاربة.. تلتقي في مكان مّا وفي تاريخ محدد، ضمن برنامج معين.. يتناوب فيه المفكرون فيتكلمون عن اهتماماتهم، وتجري أثناء ذلك مناقشات هامة تزيد من بلورة الفكرة المطروحة.. وليست الفائدة في مثل هذه المؤتمرات مما يلقى من كلمات أو ما يجري من مناقشات فقط.. بل ومن جو المؤتمر، وسلوكيات المشتركين فيه، والقائمين عليه..بحيث يعود الأخ المشارك بروح جديدة، وتصورات واضحة، ونفسية فعالة عالية.. يأخذ دفعة من النشاط والحيوية وكأنه ولد من جديد..
والصحوة الإسلامية التي هي موضوع الساعة هذه الأيام.. سببها الشباب، فإذا دخلت إلى مسجد وجدته يعمر بالشيوخ.. خرجت بانطباع سلبي. فالشيخ لم يعد له ميدان سوى المسجد.. أما إذا رأيته غاصا بالشباب.. حمدت الله وأيقنت أن البلد بخير. فالشباب الغض ركل المغريات ودخل المسجد ليؤكد شخصيته الإسلامية. وصحوة الشباب ولدت في أحضان المؤتمرات، وللإتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية. الذي ساهم في هذه المؤتمرات وأنشأها ونسقها ودعمها، فضل كبير في تقوية هذه الصحوة التي اتخذت الحركات الإسلامية محاضن طبيعية لها.
وحتى تؤتي هذه المؤتمرات ثمراتها المرجوة، وتحقق أغراضها.. ينبغي أن تتوفر فيها جملة شروط:
1- أن تكون مخططا لها: فليست آنية أو مفتعلة أو مرتجلة، بل تكون محددا هدفها، مرسوما برنامجها.
2- أن تكون متكاملة: فلا تكرر نفسها مع المؤتمرات المجاورة.. أو المؤتمرات اللاحقة.. فيكون هناك مؤتمر للشباب المبتديء، وأن يكون هناك مؤتمر للفكر، وآخر للتخطيط، وآخر للسياسة، وهكذا..
3- أن يُختار المتحدثون بدقة.. ولقد اعتاد المشرفون على المؤتمرات أن يستقدموا متحدثين من بلادهم لمجرد المعرفة أو الشهرة أو المكانة العلمية أو الإسلامية.. أو لأنه خطيب مفوّه.. وهذا -ولا شك- أمر مفيد يصل الجيل الجديد بأساتذته.. ويعرف المتحدثين بنشاط الأبناء فيستفيد كلا الطرفين.. ولكن عدم الدقة في الاختيار يوقع المؤتمر أحياناً في حرج شديد..
· فهذا متحدث له مشكلة في بلده-وما أكثر المشاكل- يعرضها على المؤتمر.. فيشغله بالسلبيات التي لا تهمه أصلا ولا يعرفها قبلا.. فينقسم الناس أقساما تؤثر على وحدتهم وقوتهم..
· وهذا متحدث يعيش في بلد متخلف الوسائل والأساليب وبالتالي محدود الفكر والتوجيه.. فتراه يثير قضايا فكرية حكم عليها الزمن بالإعدام لتطرفها أو لشذوذها.. ينبشها من بطون الكتب أو ينتزعها من حلقات التخلف في بلاده، ليعرضها على المؤتمر الذي يضم خيرة شباب العالم الإسلامي الذين يدرسون أرقى العلوم في أعظم جامعات الدنيا..فيحدث في المؤتمر إشارات استفهام تسيء لتاريخ الأمة، وتزعزع الثقة بتراث المسلمين.
من هنا يجب اختيار المتحدث بدقة شديدة.. وأن يتفق معه على الموضوع فيحضّره ويرسله للجنة المؤتمر. وإذا تم إقراره يستقدم المتحدث أو المحاضر.. وإلا فيستبعد ويعتذر له..
ولقد أدى الارتجال في اختيار المحاضر إلى التمزق الذي حصل في بعض المناطق، وإلى الأفكار الهزيلة التي بدأت تنتشر، والتي تقسم الجماعة الواحدة إلى جماعات، والتنظيم الواحد إلى تحزبات..
4- يجب أن يتناول المؤتمر المواضيع العامة التي تهم مختلف طبقات الشعب، والتي تعالج قضايا الأمة المختلفة، وأن يدعى لها كل من يستطيع الحضور. وأن تناقش هذه الأمور بروح علمية واقعية بعيدة عن التعصب أو التحزب.. فالمؤتمرات فرصة لأن ترفع الكلمة الطيبة صوتها إلى أعلى فيتجاوب معها كل من يريد الخير لهذه الأمة..وإذا نظرنا إلى الموضوعات التي ناقشتها المؤتمرات الإسلامية والشبابية خلال عشرين سنة، وكلها دارت في حلقة الحركة الإسلامية.. فسنجدها تماما مثل المواضيع التي يناقشها الإسلاميون في بيوتهم أو اجتماعاتهم. ولقد اطلعت على البحوث التي قدمتها بعض المؤتمرات غير الإسلامية، فوجدت بحوثا هامة تناولت دراسات عميقة ومفيدة، ونشرت في كتب هي اليوم مراجع للباحثين. وفي المقابل أسأل: أين الأبحاث التي قدمتها مؤتمراتنا في حقول المعرفة والتكنولوجيا.. وما هي الحلول التي وضعتها لأهم قضايانا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية..؟
إن المؤتمرات فرصة لمصالحة الإسلاميين مع بعضهم.. ومصالحة الإسلاميين مع غيرهم.. واتفاق الجميع على كلمة سواء، تُجري التغيير في عروق هذه الأمة المتخلفة نحو الأحسن والأسلم.
5- إن فكرة النقد الذاتي المنضبط بآداب الحوار، التي فهمتها جميع الاتجاهات الفكرية فبدأت تطور نفسها من خلالها.. لم يطبقها الإسلاميون.. بل وعدّها بعضهم ردة تستوجب التوبة.. مع أنها فكرة إسلامية صميمة.. ويوم تُعجب الجماعات بنفسها.. ولا تتصور أخطاءها ولا ترى غير انحرافات غيرها.. ولا تسمح لأحد بنقدها.. ولا تتجرأ هي على نقد نفسها..يومها فقط يحق لك أن تتخوف على مصير هذه الحركة..إن وظيفة المؤتمرات، وبخاصة الشبابية والطلابية منها، أن تتبنى هذا الاتجاه وتباركه وتنميه.. وستجد بعد فترة قيمة هذا الاتجاه وبركته وأثره..
6- في كثير من المؤتمرات تطبخ القرارات والنتائج في الغرف الخلفية، ثم يفاجأ بها جمهور المؤتمر.. وإذا قبل بعض الملتزمين مثل هذه النتائج.. فإن الآخرين سيشعرون بالإحباط وسيعدّون وجودهم كعدمه.. وأنهم مواطنون من الدرجة الثانية.. وأن علاقتهم بالمؤتمر سطحية.. ولربما كانت النتائج عكسية تماما.. وتغيير هذه الطريقة وإعطاء الفرصة لجميع المؤتمرين أن يقولوا كلمتهم بدون دهاليز، ولا وصاية من أحد.. عندها لن نكسب فقط أصوات الآخرين.. بل وقلوبهم كذلك.
7- يسيطر علينا شعور غريب.. وهو أنه في كل اتحاد أو نقابة أو عمل عام.. يجب أن يسيطر عليه الإسلاميون بالكامل (كل شيء أو لا شيء)..وهذا -لعمري-مخالف للسياسة والكياسة والمصلحة.. والصحيح أن نخطط لا لنتسلم كافة المقاعد، بل لننوعها بحيث تمثل كل الاتجاهات في الهيئة الإدارية المنتخبة (على قاعدة مشاركة لا مغالبة).. ولأن تتاح لنا فرصة محاورة هؤلاء عن قرب خير من عدائهم عن بعد..
هذه هي المؤتمرات..وهي أوقات هامة في حياة الدعوة والداعية، تستحق منا أن نبذل لها كل اهتمام..وأن نوليها كل رعاية وثقة. ويجب أن لا ننسى أن إسرائيل كانت قبل احتلال فلسطين مؤتمرا.. وكثير من الحركات الثورية تبدأ في مؤتمر ومن ثم تثبت نفسها..
سادساً- الأسفار
والأسفار ضرورة لمن يتصل بالعمل الشبابي والطلابي.. ويتابع اللجان والمؤتمرات والمخيمات. وينضم إليها، أو يحاضر فيها، أو ينسق بينها.. والسفر بالأساس قطعة من العذاب كما وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم. والمسافر يشعر في أكثر الأحيان بالتعب والإرهاق، وهو معرّض للفتنة من هنا أو هناك.. ولهذا فإننا ننصح إخواننا الذين يتابعون الأسفار.. واتخذوا لهم في كل طائرة مقعدا.. بما يلي:
1- أن يخططوا لأسفارهم قبل مدة من الزمن، فيحصلوا على التأشيرة اللازمة (الفيزا) ويحجزوا على الخطوط المناسبة، ويتصلوا بالجهة التي سيسافرون إليها لاستقبالهم في المطار، وترتيب أمر سكناهم وتنقلاتهم قدر الإمكان. وكل ذلك مما يساعد الأخ المسافر، ويوفر الكثير من وقته.
2- أن تكون السفرة ذات هدف واضح.. للتعارف.. أو لإلقاء محاضرة، أو للاستماع والمناقشة.. أو لإدارة مؤتمر أو مخيم.. وهو يتخذ لكل حالة من هذه الحالات استعداداتها، ويصطحب معه الأوراق والوثائق والوسائل اللازمة.
3- تعدّ الأسفار مادة غنية في مدرسة الحياة.. ومن هنا لابد للمسافر من تسجيل بعض الملاحظات والتواريخ والمشاهد في دفتر مذكراته.. وإذا جمعت هذه المذكرات خلال عشرين سنة مثلا.. كانت سفرا عظيما من أسفار مدرسة الحياة.
4- أن يغتنم المسافر كامل وقته بالاتصال بالعناصر، والتعرف عليهم، وأخذ عناوينهم والتبسط معهم.. وأن يرفض- إلا في حالات خاصة وضرورية - أن تميزه إدارة المؤتمر عن بقية المشاركين في الطعام أو الشراب أو النوم.
5- في كثير من الأحيان يقضي المسافر ساعات طويلة في المطارات ينتظر طائرته.. وحتى لا يضيع هذا الوقت.. فلابد من أن يخطط له المسافر ويستفيد منه في القراءة والكتابة.. وأنا أعرف أشخاصا كثيرين استطاعوا أن يستفيدوا من مثل هذه الأوقات في كتابة مقالاتهم وكتبهم.
6- حاول أن تصطحب معك باستمرار عناوين وهواتف الأشخاص في البلد الذي تسافر إليه أو الذي تعبر منه.. والاتصال بالأخوة من المطار يعدّ كسبا إضافيا إلى رحلتك.
ومما لا شك فيه أن الأسفار -على الرغم من صعوبتها- إلا أنها تجديد كامل للطاقة، ودفعة جديدة للعزيمة، وفائدة عظيمة تزجيها وتكسبها في نفس الوقت.. وإذا أحسنت التخطيط لها والاستفادة من وقتها أدركت فوائد لا حصر لها، وقديما قيل: (اغترب تتجدّد).
وقفة
تعامل جيداً مع المؤثرات في وقتك:
· المِِِِِِِِِِِِِراسِِِِِِِِِِِِِِلات.
· الهِِِِِِِِِِِاتِِِِِِِِِِِِِِِِِِِف.
· الِِِِِِِِِِِِِِِِِِزيِِِِِِِِِارات.
· الاجتمِِِِِِِِِِِِِِِِِِاعِِِِِِات.
· الِِِِِِِِِمِِِِِِِِؤتمِِِِِِِرات.
· الأسِِِِفِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِار.