الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: العوائق
المؤلف: محمد الراشد
التصنيف: سياسي
 

نهضة العاثر

عقل تصرعه الشهوة! - رسالتان - كلانا عالم بالترهات - صلح ذوي الراحات - فتاوى الفقهاء في تنقية الصفوف - غرور الفقيه يمنع تأميره

بلغنا أن زاهدًا كان كثير الوصية والنصح لأصحابه، يروي لهم كل يوم طرفا من تجاربه في الحياة وتأملاته في طبائع النفوس، فلما أنهى حديثه قال له مقدم أصحابه: لو أوجزت أيها الشيخ معناك في جملة تكون لنا شعارًا!

فقال الشيخ: نعم، أفعل.

فقام، وكتب على الجدار الذي يجلسون عنده، بخط كبير:

(لا تمضوا في طريق اليأس، ففي الكون آمال، ولا تتجهوا نحو الظلمات، ففي الكون شموس).

ثم انصرف.

فكانت الشعار.

حكمة تضع نفسها أمامنا مع انتهاء استعراضنا للأنوار الثلاثين المختارة، تشير إلى الاكتشاف الذي لا بد أن يصل إليه كل مشتغل بتربية النفوس ومعامل لها.

حقيقة يراها الجميع.

أن بعض النفوس تستلذ اليأس، وتعشق الظلام، لكن الأمل من حولها واسع، والنور غامر.

ولذلك وجبت هذه الربتة الخفيفة على كتف المطرق المطأطئ الملتف، تنبهه إلى سكينة قريبة منه لو تناوش، وهالة جميلة فوقه لو رفع رأسه ونظر.

وهل أسطع من هالة شمس هذه الدعوة التي هو فيها، وأنصع بياضًا، وأشد لألأة؟

بداية شجاعة ملأت الفراغ...

وجهاد يهود والإنكليز...

وشباب حفظته من الضياع...

وفكر إتباعي لم تدنسه بدعة أو فلسفة....

ومحن تجددت فيها سنن الثبات...

ونصر من بعد كل ذلك ينادي، ما كان يوما ما بعيدًا، ولكن اشترط أن تمد له يد العاملين وتسعى إليه صفوف المنتظمين.

فمن لم ير هذه الشموس: تركناه إلى ظلامة وإن كان عفيفا طاهر الجوارح، حفظا لسمعة الصف المستقيم السائر، واتباعا لوصية ذلك الشيخ الفاضل الذي حذر الإمام البنا، منذ أول أيام الدعوة، من (الصالح الذي لا يحترم النظام ولا يقدر معنى الطاعة، فإن هذا ينفع منفردًا، وينتج في العمل وحده، ولكنه يفسد نفوس الجماعة: يغريها بصلاحه، ويفرقها بخلافه).

قال (فإن استطعت أن تستفيد منه وهو بعيد عن الصفوف فافعل، وإلا فسد الصف واضطرب. والناس إذا رأوا واحدًا خارج الصف لا يقولون: خرج واحد، ولكن يقولون: صف أعوج.

فاحترس من هذا كل الاحتراس)([1]).

فهذا إذا كان صالحا لا يحترم النظام، فكيف به إن كانت تسيره الشهوات؟

 

عقل تصرعه الشهوة!

الخطب أعظم حين ذاك، حيث تتعطل القلوب عن وعيها، والعقول عن موازينها.

ولاخطار مثل هذه الحالة: لفت الفقيه الوزير العباسي ابن هبيرة الدوري أنظارنا، فقال: (احذروا مصارع العقول، عند التهاب الشهوات) ([2]).

وسماه: مصرع العقل، للدلالة على أن مراده يتجاوز مجرد مصرع البدن بالزنا وأمثاله، وأنه يعني ما هنالك من حب رياسة، وهوى انتصار للنفس، تفقد العقول معها فطرتها التي تسوقها إلى تحري المصالح ودرء المفاسد.

وصريع الشهوة لا تنفع معه مجرد تلك الربتة التي ربتناها على كتفا اليائس، وإنما يحتاج إلى هذا، في لوم يوقظه من سنة النوم.

فمن يلق خيرًا: يحمد الناس أمره

ومن يغو: لا يعدم على الغي لائما

أول قل: يحتاج إلى النصيحة الصريحة، والتي لصراحتها يراها البعض غليظة.

وليست هذه الصراحة عند ذي اللب والإيمان مما ينكر علينا، وهي عنده من العدوان عليه، بل هي من تمام الحب له والشفقة عليه، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وربما يتغلب شيطان على داعية في ظرف شبهة فيفقده اتزانه، فهو بحاجة من بعد إلى نصح وتذكير بالموازين.

ومن هنا كان خير الدعاة: أبذلهم للنصيحة، وأكثرهم إذاعة بها.

ويقارنه في درجته: أحملهم لغلظة لنصيحة، وأعظمهم قبولا لها.

 
رسالتان

ولقد كانت يوما ما قصة نصح، عبر رسالة، من صاحب خير من هؤلاء الدعاة، قابلتها قصة صحوة واعتذار، من جواد كانت له كبوة.

وفي القصص لأولى القلوب الحية مواعظ وعبر، وربما تنبه مخطئ إذا روبت له، فيكون له فيها بعض مزدجر.

وتبدأ القصة بهفوة من داعية، بعد دهر من الحب، يترك معها الجماعة، ويخلع البيعة وينشر قيل وقال، فيعاقبه أميره، ويعاتبه، ويذكره بتفاهة الدنيا، ويكتب إليه أن:

(بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين:

أما بعد أيها الأخ هدانا الله وإياك.

فإنه مما أدركنا من كلام السلف الأول أن الله تعالى إذا أراد بعبد من عباده خيرًا: جعل فيه ثلاث خصال:

الفقه في الدين.

والزهادة في الدنيا.

والبصر بعيوبه.

وأود أن نتصارح اليوم ونتكاشف، لعل الله يجعل لك بعد ذلك من أمرك رشدًا ويسرًا، فترجع إلى سربك، وتحفظ ذخيرة أسلفتها من ضياع يهددها.

أدعوك إلى أن ترجع بذاكرتك إن استطعت إلى أول هذا الخلاف الذي تدندن فيه، وأن تخبر قلبك بصدق عما سترى.

سترى أن بداية ما تلح فيه كانت كلمة همس، وضعها واضع في أذنك، فغلي بها صدرك.

وما إخالك تستطيع نسبة شيء من الاجتهاد في أمور الدعوة مما تخالفنا فيه إلى نفسك قبل تلك الهمسة.

افترضي أن تسلب ذاتك استقلالها بهذه البساطة، ثم يضيق صدرك إن ذكرناك وعاتبناك؟

كلا أيها الأخ، كلا.

فمن أجل واش كاشح بنميمة        

مشي بيننا صدقته لم تكب

وقطعت حبل الوصل منا، ومن يطع

بذي وده قول المحرش: يعتب

بل لا بد من هذا العتب، ولا نسلمك لشيطانك بسرعة.

وأخبرني:

بأي سنان تطعن القوم بعدما

نزعت سنانا من قناتك ماضيا؟

فأنت قد نزعت رابطة العمل الجماعي من قناتك، وهي ليست سنانا ماضيا فحسب، بل كل سلاحك الذي تصول به وتجول.

أفتخدع نفسك؟

وكيف ترى في عين صاحبك القذي.

ويخفي قذي عيني وهو عظيم؟

فتحاسبنا عن صغائر لا يخلو منها مجتهد، ولو شئنا أن نذكرك بنقص بعد نقص بدر منك لأسكتناك!

ولكنا لسنا بحاجة إلى أن نروي سوابق برودك.

وإنما نقول: أني اعتراك لما خالفتنا هذا الدأب الواضح؟

هلا تناهيت وكنت امرءًا

يزجرك المرشد والناصح!

أو لا ترى ما أنت فيه من الافتتان: إنقاصًا لعدد العاملين، وتوهية لركن كل داعية، وفتا في عضده، وإشماتًا لعدوه؟ فاتئد، وتدبر أمرك.

وإني ذكرك بالله تعالى، فارجع إليه، وخل الهوى.

وثق أن الدنيا بعد الدعوة لا تكاد تعدل جناح بعوضة عند اللبيب الذي ذاق لذة التعب والبذل لها.

أفترى في دنياك النعيم، وتنسى أنه عديم!

أم تحسبها الغناء، وهي عن قريب إلى فناء

أم تظنها سلم الارتفاع، كأنك تجهل ما فيها من قصص الإتضاع!

أم فيها يوم يوثق له بغد!

لا والله.

وإنما نحن وإياك لكما قال الشاعر:

*كلانا عالم بالترهات*

فإنك تعلم رخص ثمن ما أنت مقدم عليه، وأنه ترهات، ولكن الانتصار للنفس يوهمك.

والأمر أهون مما تظن، ومن غشك فأقعدك في بيتك قد ظهر لك تدليسه، فتب: تجد باب الدعوة مفتوحًا، وكل أرضها مدارج، لمن أراد المعارج.

فاستعذ بالله أيها الأخ من الفتن، واطلب نصيحة الخبراء، ونق نيتك مما علق بها من شوائب، واتق الله عند غضبك، وابعد نفسك عن تأويل يستدرج.

ليسعك التغافر، وسارر في نصيحة القادة.

وأحرص على نجاة نفسك، والتفت إلى عيبك، وانظر صواب الدعاة إن نبهك أحد إلى أخطائهم، وعلق تضحيتك على أمر قادتك.

وأمسك على الجدل، والنجوى، والغدر، وصن أذنك عن استماع الغمز.

واتعظ بالتاريخ، وباستكبار الشرع لتعرب المهاجر.

وبالغ في الصدق، ولا تحتجن بزلات السلف، واعلم بأن الله لا يصلح عمل المفسدين، وأن الجندية هي طريق القيادة.

واحذر طبائع  آخر الزمان، وخف تنكر الأرض والمؤمنين للخوالف.

وإلا.. هجرناك.

وأنت، أنت البادئ.

ولا تجزعن من سنة أنت سرتها

فأول راض سنة من يسيرها

ولعلك ستجرب العمل مع من سبقك بالخروج، فلا تجد ثم إلا غليظًا، أو متهورًا، ومبتدعًا.

كلام خبير ناصح أمين أقول لك:

لست أرى واجدًا بنا عوضا

فاطلب وجرب واستقص واجتهد

ولقد كان يكفيك ما أنت فيه من سير في الطريق السهل المشرق، لكنك حملت نفسك مركبا من العبء باهظًا، وسقتها لشغب أنت في غنى عنه أبدًا.

وإنها كلمة نصح أخيرة أقولها لك:

السهل أهون مسلكا

فدع الطريق الأوعرا

واحفظ لسانك تسترح

فلقد كفى ما قد جرى

ولقد نصحتك واجتهد

ت، وأنت بعد تخيرًا).

فلما قرأ المخطئ رسالة أميره هذه، وتدبر ما فيها: استيقظت فطرته، ورجع إلى طرف لسانه طعم حليب طاهر رضعه، فأمسك بقلمه يكتب أن:

(بسم الله الرحمن الرحيم 

قد بلغتني الرسالة، فما وجدت فيها إلا حقًا.

ولا أدري ما أقول أيها القائد المطاع، فإني قد أدركت هفوتي منذ أيام ولكن الحياء منعني أن أتوجه إليكم باعتذار.

ولقد أصبحت فجأة لأجد نفسي وحيدًا أتلفت، فإذا مظاهر الجاهلية من حولي ترهبني بعد إذ كنت عزيزًا بانتسابي إلى هذه الدعوة المباركة، شجاعًا مستصغرًا لكل جبار عنيد.

فإن إخوتي حولي، وإذ أنا شامخ، بصافية الأفكار، والنفس في شمم: أتاني الوشي بعد الوشي، فصدقتهم فكانت تلك العثرة مني.

تكنفني الوشاة فأزعجوني

فيا لله للواشي المطاع

فأصبحت الغداة ألوم نفسي

على شيء وليس بمستطاع

كمغبون يعض على يديه

تبين غبنه بعد البياع

وكيف أصف لك شعوري يومها وقد صرت كما صار كعب بن مالك رضي الله عنه حين تخلف فقال:

(إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فطفت فيهم: أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه النفاق)([3]).

فما من خارج عن الجماعة من قبل، كنت أعلم ضعفه يوم كانت قدمي ثابتة، إلا وأصبح يحتفل بي إذا رآني، ويهش بوجهي، ويبتسم ابتسامة تلذع قلبي.

وإنه لدرس لي، كان، وعفا الله عما سلف، وأحمد الله تعالى على ما هداني إليه أولا، حين كنت ناشئا في هذه الدعوة، وأخيرًا حين زلت قدمي بالأمس فبصرني عيبي ويسر لي التوبة اليوم، ثم أحمده لما كان بين ذلك من حفظ وتربية وتأديب.

أيها القائد المطاع:

أملي أن تقبلوا عذري، مؤكدًا أني الآن قد:

صحا قلبي، وعاد إلي عقلي

وأقصر باطلي، ونسيت جهلي

راجيا نسيان ما حدث، إذ لعلها كبوة جواد، والسلام عليكم ورحمة الله).

تل كقصة عتاب واعتذار.

وهل لهذا القائد غير أن يقبل عذر المعتذر بعد إذ بلغه قول النبي -صلى الله عليه وسلم- أقيلوا ذوي الهيآت عثراتهم! ([4])

صلح ذوي الراحات

لكن الذي يرفض النصيحة: يبقى صريع شهوته، فيفضحه عيبه، فتشير إليه الأصابع، فيفتش عن مثيل، فتتكون جمهرة ناشزة، تبدو من خارج كأنها متآلفة، وعوامل التناقض تتصارع داخلها.

وهذا هو صلح الافتضاح الذي اكتشفه الفضيل بن عياض لما وصف أنفارًأ من الأضداد تحالفوا فقال:

(افتضحوا فاصطلحوا)

فلكل منهم عيوب، فهم مصطلحون على ترك التناصح بينهم، متفقون على تدليس عيوبهم وتغطيتها بلبوس الصفة الجماعية.

وهذه الظاهرة تكشف لمن يعرفها خلفيات كثير من الفتن التي الهت الدعوة، وتبين أصولها انطلاقها وتطورها.

وغالبا ما يكون فقدان القدرة على العمل التجميعي والتربوي هو العيب المشترك المؤدي إلى ظاهرة صلح الافتضاح هذه، فإن الضعيف يهوي أن ترتفع منزلته في الدعوة بتناسب طردي مع قدم انتسابه وارتفاع منزلته الوظيفية أو الدراسية أو الاجتماعية، وللدعوة أنظمة وأعراف وشروط تمنع تولية من لا يبرع في أعمالها وتنفيذ خططها، أو من يتواري ويؤثر الراحة أيام التضحية، فتصطدم رغبة الضعيف بالأسباب التي تحول دون تحقيقها، فيكون الافتتان عند ضعف التقوى.

وخطاب الشاعر القديم لبعض المفتتنين يبعثه استشعاره لهذه الحقيقة لما يقول لهم:

فانتهوا إن للشدائد أهلا

وذروا ما تزين الأهواء

فهو يطلب منهم الانتهاء عن الغين ويدعوهم إلى الافصاح عما ستروه من دافع حب الراحة وتجنب المشقة.

وهو نفسه الدافع الذي حكام القرآن عن المخلفين في سورة التوبة إذ يقول الله تعالى: (فَرöحَ الْمُخَلَّفُونَ بöمَقْعَدöهöمْ خöلاَفَ رَسُولö اللهö وَكَرöهُوا أَن يُّجَاهöدُوا بöأَمْوَالöهöمْ وَأَنْفُسöهöمْ فöي سَبöيلö اللهö وَقَالُوا لاَ تَنفöرُوا فöي الْحَرّö قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ).

(إن هؤلاء لهم نموذج لضعف الهمة، وطرواة الإرادة وكثيرون هم الذين يشفقون من المتابع، وينفرون من الجهد، ويؤثرون الراحة الرخيصة على الكدح الكريم، ويفضلون السلام الذليلة على الخطر العزيز. وهم يتساقطون إعياء خلف الصفوف الجادة الزاحفة العارفة بتكاليف الدعوات، ولكن هذه الصفوف تظل في طريقها المملوء بالعقبات، والأشواك، لأنها تدرك بفطرتها أن كفاح العقبات والأشواك فطرة في الإنسان، وأنه ألذ وأجمل من القعود والتخلف والراحة البليدة التي لا تليق بالرجال)([5]).

(هؤلاء الذين آثروا الراحة على الجهد –في ساعة العسرة- وتخلفوا عن الركب في أول مرة. هؤلاء لا يصلحون لكفاح، ولا يرجون لجهاد، ولا يجوز أن يؤخذوا بالسماحة والتغاضي، ولا أن يتاح لهم شرف الجهاد الديني بعدما تخلوا عنه راضين:

(فَإöن رَّجَعَكَ اللهُ إöلَى طَائöفَةٍ مّöنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لöلْخُرُوجö فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعöيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتöلُوا مَعöيَ عَدُوًّا إöنَّكُمْ رَضöيتُمْ بöالْقُعُودö أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالöفöينَ).

(إن الدعوات في حاجة إلى طبائع صلبة مستقيمة ثابتة مصممة تصمد في الكفاح الطويل الشاق. والصف الذي يتخلله الضعاف المسترخون لا يصمد، لأنهم يخذلونه في ساعة لاشدة فيشيعون فيه الخذلان والضعف والاضطراب. فالذين يضعفون ويتخلفون يجب نبذهم بعيدًا عن الصف وقاية له من التخلخل والهزيمة. والتسامح مع الذين يتخلفون عن الصف في ساعة الشدة، ثم يعودون إليه في ساعة الرخاء: جناية على الصف كله، وعلى الدعوة التي يكافح في سبيلها كفاحه المرير.

(فقل: لَّن تَخْرُجُوا مَعöيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتöلُوا مَعöيَ عَدُوًّا).

لماذا؟

(إöنَّكُمْ رَضöيتُمْ بöالْقُعُودö أَوَّلَ مَرَّةٍ).

ففقدتم حقكم في شرف الخروج، وشرف الانتظام في الكتبية، والجهاد عبء لا ينهض به إلا من هم له أهل، فلا سماحة في هذا ولا مجاملة.

(فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالöفöينَ).

المتجانسين معكم في التخلف والقعود.

هذا هو الطيرق الذي رسمه الله تعالى لنبيه الكريم، وإنه لطريق هذه الدعوة ورجالها أبدًا)([6]).

 

فتاوى الفقهاء في تنقية الصفوف

وهو الطريق الذي فهمه أعيان فقهاء الإسلام منذ صدر الإسلام وعلى تعاقب القرون فأرشدوا قادة المسلمين إلى تطهير الصف من المخذل والمثبط والمرجف، والتشدد في انتقاء الجنود.

فمثال كلام السلف الأول في ذلك: استعراض الإمام الشافعي في كتاب الأم لحوادث تخلف المنافقين المتتالية عن المشاركة في الغزوات النبوية الكريمة، وتنبيهه إلى أن من يشتهر في أجيال المسلمين بعد ذلك بمثل ما وصف به أولئك المنافقون فإن أمره يقاس عليهم ويعاقب بمثل ما عوقبوا به.

يقول الشافعي:

(غزا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فغزا معه من يعرف نفاقه، فانخزل يوم أحد عنه بثلثمائة، ثم شهدوا معه يوم الخندق فتكلموا بما حكى الله عز وجل من قولهم: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا، ثم غزا النبي -صلى الله عليه وسلم- بني المصطلق فشهدها معه عدد، فتكلموا بما حكى الله من قولهم: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.

وغير ذلك مما حكي الله عز وجل من نفاقهم، ثم غزا غزوة تبوك فشهدها معه قوم منهم نفروا ليلة العقبة ليقتلوه، فوقاه الله عز وجل شرهم وتخلف آخرون منهم فيمن بحضرته، ثم أنزل الله عز وجل في غزوة تبوك أو منصرفه عنها –ولم يكن في تبوك قتال- من أخبارهم فقال: ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة، ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين.

قال الشافعي: فأظهر الله عز وجل لرسوله -صلى الله عليه وسلم- أسرارهم خبر السماعين لهم وابتغاءهم أن يفتنوا من معه بالكذب والإرجاف والتخذيل لهم، فأخبره أنه كره انبعاثهم فثبطهم، إذ كانوا على هذه النية، وكان فيهم ما دل على أن الله عز وجل أمر أن يمنع من عرف بما عرفوا به من أن يغزو مع المسلمين، لأنه ضرر عليهم.

قال الشافعي:

فمن شهر بمثل ما وصف الله تعالى المنافقين: لم يحل للأمام أن يدعه يغزو معه، لطلبه فتنتهم وتخذيله إياهم وأن يهم من يستمع له بالغفلة والقرابة والصداقة، وأن هذا قد يكون أضر عليهم من كثير من عدوهم)([7]).

واستمر الفقه على هذا حتى استلم رايته ابن قدامة المقدسي فقال:

(ولا يستصحب الأمير معه مخذلا، وهو الذي يثبط الناس عن الغزو ويزهدهم في الخروج إليه والقتال والمشقة، مثل أن يقول: الحر أو البرد شديد، والمشقة شديدة ولا تؤمن هزيمة هذا الجيش، وأشباه هذا.

ولا مرجفا، وهو الذي يقول: قد هلكت سرية المسلمين وما لهم مدد، ولا طاقة لهم بالكفار، والكفار لهم قوة ومدد وصبر ولا يثبت لهم أحد، ونحو هذا.

ولا من يعين على المسلمين بالتجسس للكفار وإطلاعهم على عورات المسلمين ومكاتبتهم بأخبارهم ودلالتهم على عوارتهم أو إيواء جواسيسهم.

ولا من يوقع العداوة بين المسلمين ويسعى بالفساد، لقوله تعالى: (وَلَكöن كَرöهَ اللهُ انبöعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقöيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعöدöينَ* لَوْ خَرَجُوا فöيكُم مَّا زَادُوكُمْ إöلاَّ خَبَالاً ولأوْضَعُوا خöلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفöتْنَةَ). ولأن هؤلاء مضرة على المسلمين فيلزمه منعهم)([8]).

وهذا من الكلام الحق الذي لا يستغربه المعالج لسياسة الجماعات.

 

غرور الفقيه يمنع تأميره

وأما من يستغرب مثل هذا الكلام، ويستصعب قياس أحوال مفتتنة اليوم على أحوال المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإننا على استعداد لكي نسير معه مرحلة فقهية أخرى لا خلاف فيها.

فلو تجاوزنا وصية الذي حذر الإمام البنا من الرجل الصالح الذي لا يحترم النظام، مما ذكرناه آنفا، ونصحه له بإبعاده عن الصف، فإننا نجد في فقه عمر بن عبد العزيز رحمه الله ما يسوغ إبعاد الصادق صاحب الخير عن المسؤولية إذا كان فيه نوع من حب الظهور والخيلاء، سدًا للذريعة، وصيانة له من احتمالات الافتتان والجناية على نفسه وعلى الدعوة.

فقد روى أن الراشد الخامس لما ولي الخلافة أرسل إلى أبي عبيد المذحجي، وكان فقيها ثقة في الحديث، من شيوخ الأوزاعي ومالك، وممن يستعين بهم الخليفة سليمان بن عبد الملك، فقال له عمر:

(هذه الطريق إلى فلسطين، وأنت من أهلها، فالحق بها.

فقيل له: يا أمير المؤمنين، لو رأيت أبا عبيد، وتشميره للخير!!

فقال: ذاك أحق أن نفتنه، كانت فيه أبهة للعامة)([9]).

فهي كلمة قالها عمر، وسوغها فعل عمر.

ولقادة الدعوة هذا اليوم أن يقولوا لكل داعية يتطلع للسمعة والجاه والمكانة الاجتماعية المرموقة مثل الذي قاله عمر لأبي عبيد، ويفهموه أن:

قد أخطأت بداية الطريق إلى مرادك، فمررت بديار دعوة التواضع والبذل والالتزام الخططي، وهذه الطريق إلى ديار أشكالك، فالحق بهم.



([1]) مذكرات الدعوة والداعية/88.

([2]) ذيل طبقات الحنابلة 1/275.

([3]) صحيح البخاري 6/5.

([4]) صحيح الجامع الصغير للألباني 1/382.

([5]) في ظلال القرآن 10/264.

([6])  في ظلال القرآن 10/265.

([7]) الأم للشافعي 4/89.

([8]) المغني لابن قدامة 8/315.

([9]) تهذيب التهذيب 112/158.

|السابق| [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error