|
|
|
|
الموسوعة الحركية
-
عرض حسب اسم الكتاب
-
-
عرض حسب اسم المؤلف -
- عرض حسب التصنيف
-
| الكتاب: | العوائق | | المؤلف: | محمد الراشد | | التصنيف: | سياسي |
سلاسل العيوب ذو العيب يحتاج الدعاية - الإتمام الصامت - تثبيت وتثبيط - للعيوب نقاط انطلاق كل صادق في إسلام وجهه لله تعالى، يدرك –مع أول خطوة- أنه مهاجر إلى الله وحده، فار إليه، فلا يزال متعجلا مشتاقًا.
وهو مع أول فراره هذا، يدرك علو مدرجه، ويعلم أنه طبقات، فلا يزال مرتقيا صاعدًا، موقنا أن مرتبة الجنة العليا تقتضي علوا في نيته، وترفعا في مسلكه، عن الخلط والنقصان.
فهو يريد استكمال عناصر الإيمان كلما علم أن هناك ثمة ثلمة، ويعزم لذلك عزمة، فإذا شرع في الاستكمال: أدرك ضرورة الصفاء فيه، وأن يرفأ ويرتق بجنس ما وهبه الله من خير آنفا، ألا يفضحه النشاز، فيعزم لذلك عزمة أخرى، فثالثة تستدعي رابعة، في نهضات متواليات، حتى يصيب مراده.
وأما من خلط: فقد غلط، لا يستطيع تناوش الاستكمال من مقعد تخليط بعيد، ولا الإرتواء من كأس ممزجة مشوبة ليس فيها الصريح.
ذو العيب يحتاج الدعاية
ولقد شبهوا المستكمل النقي ببدر تمام كيف أنه استدار، لم يتربع ولم يتطاول!.
فالبدر تمدحه خاصة الشعراء، حتى امتلأت دواوينهم بوصف بهائه، وهو صامت ساكت، بعلوه وقار الاطمئنان، أنه لن يغفل عن روعته أحد، فمن ملتذ برؤيته في صمت أيضًا، ومنبه اللسان.
قالوا: أما الناقص، المفضوح بفتوق لا رتق لها، فهو كالقمر حين يخسف، يخرج عن سكينته وصمته ويحتاج لضجيج الطبول، ومدائح الأطفال، ويستجيش حماسة العجائز، يهيب بهن أن ينكرن على حوت ابتلعه واعتدى على حقه وجماله.
الإتمام الصامت
ولذلك كانت وصية السلف أن: التمام التمام.
أرسلها أبو بكر رضي الله عنه من وراء الصحراء إلى خالد بعد انتصاراته في العراق، أن:
(ليهنك أبا سليمان النية والحظوة، فأتمم: يتم الله لك، ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل بعمل، فإن الله له المن، وهو ولي الجزاء...)().
يطلب منه الإتمام الصامت في غير وقوف عن السير حتى يكون كذلك البدر.
ثم ورثها عن خالد أحمد بن حنبل، فما وقف، حتى قال صاحبه المحدث إبراهيم الحربي:
(لقد صحبته عشرين سنة، صيفا وشتاءًا، وحرًا وبردًا، وليلا ونهارًا، فما لقيته في يوم إلا وهو زائد عليه بالأمس)().
لم يعرف الوقوف فضلا عن التخلف ورجوع القهقري، إنا هو المرتقى المتعجل المتمم.
تثبيت وتثبيط
ولبثوا في التقدم الجرئ حتى دخلوا السباق، كل يحب أن يقرب من الكمال أدنى، حتى ليأتي أحدهم الديار البكر، ويرتاد كل يوم منزل فضل لم يعرف لأحد قلبه، ويأتي في التنافس بجديد، لم يكن له ولا لغيره بالأمس، وحتى راح الشاعر يتساءل ويبدي دهشته مخاطبا أحدهم:
عجبا بإنك سالم من وحشة في غاية ما زلت فيها مفردًا
يتعجب كيف لم يرجف فؤاده وهو المتوحد بلا أنيس معه يشاركه خلقه الذي هو فيه، كأنه طليعة جيش...
فأما الموفق فيمضي قدمًا، ملتذًا بتفرده هذا، ثابتا بتثبيت الله تعالى:
(إöذْ يُوحöي رَبُّكَ إöلَى الْمَلائöكَةö أَنّöي مَعَكُمْ فَثَبّöتُوا الَّذöينَ آمَنُوا..).
(يُثَبّöتُ اللهُ الَّذöينَ آمَنُوا بöالْقَوْلö الثَّابöتö فöي الْحَيَاةö الدُّنْيَا وَفöي الآَخöرَةö).
وقد قال تعالى لأكرم خلقه عليه:
(وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كöدتَّ تَرْكَنُ إöلَيْهöمْ شَيْئًا قَلöيلاً).
(فالخلق كلهم قسمان: موفق بالتثبيت، ومخذول بترك التثبيت)().
وأما الراجف فيعلن برجفته للشيطان عن ضعفه فيأتيه ي صورة الأنيس، يحاوره، ويسارره، حتى يجد فرصة إلقاء كلمة التثبيط...
إنها رجفة المتوغل الضعيف، توقف ولا تؤخر، والعاصم منها إنما هو الصدق.
(فأثبت الناس قلبا: أثبتهم قولا، والقول الثابت هو القول الحق والصدق، وهو ضد القول الباطل الكذب.
فالقول نوعان: ثابت له حقيقة، وباطل لا حقيقة له، وأثبت القول كلمة التوحيد ولوازمها، فهي أعظم ما يثبت الله بها عبده في الدنيا والآخرة، ولهذا ترى الصادق من أثبت الناس وأشجعهم قلبا، والكاذب من أمهن الناس وأخبثهم وأكثرهم تلونا وأقلهم ثباتًا، وأهل الفراسة يعرفون صدق الصادق من ثبات قلبه وقت الإخبار وشجاعته ومهابته، ويعرفون كذب الكاذب بضد ذلك، ولا يخفى ذلك إلا على ضعيف البصيرة)().
ولهذا كان دواء الضعيف إن أراد الوقاية من هذه الرجفة أن يكون صادقا، وهو الدواء الذي عصم به أبو ذر رضي الله عهه نفسه منها لما عرف ما هو عليه من الضعف فقال:
(يا رسول الله: أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك)().
فكف شره ولم يفتتن زمن الفتنة، يعينه صدقه، إذ لم تقل الغبراء ولم تظل الخضراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-.
لكن المفتقر إلى درجة أبي ذر في الصدق يدخل في الشر بمقدار فقره، فلا ترى ضعيفا بعده إلا وهو بخيل في التصدق على نفسه يلفه الشح الشديد المفضوح، أو يحرمها من الطيبات فحسب، بمقدار قربه من الكذب أو بعده عنه.
للعيوب نقاط انطلاق
ولو سلم بعد هذا البخل لهان خطبه، ولكن العيب من شأن أن يتتابع بشكلين مزدوجين: عدوى وتنوعا، فيكون كثيرة تقعد بصاحبها وتسري إلى غيره كعدوى المرض.
أما العدوى: فإن وحشته الأولى قد أوقفته عن التقدم بما رجف فؤاده، لتفرده في خصلة خير قد زهد فيها غيره، ثم يخطئ ويأتي عيبا، ومن شأن البشر الخطأ، فيربا بنفسه ثانية عن التفرد في الخطأ ويعتاد طلب الأنيس، وينسى طريق التوبة القريب، فيكون داعيا للخطأ، كما قال زهير ابن نعيم:
(يخطئ فيحب أن الناس قد أخطأوا) فيصبح بالفتنة في كل واد، ينشرها أفقيًا، ويصير راجفا مرجفًا.
وأما التتابع النوعي: فلأن العيوب مترابطة، بعضها يستلزم البعض، مثل ترابط أخلاق الإيمان، وهو ما قرره الفضيل بن عياض حين قال:
(من أراد أن يسلم من الغيبة فليسد على نفسه باب الظنون، فمن سلم من الظن: سلم من التجسس، ومن سلم من التجسس: سلم من الغيبة).
ولا شك أن الفضيل قطع ذكر التوالي استفزاز لنباهتك، فإن العيوب تترى، بعضها يردف بعضا فآخر ما ذكره الفضيل، وهي الغيبة: هي أول سلسلة أخرى، فإن الغيبة تقود إلى الحسد، والحسد يقود إلى النميمة، والنميمة تقود إلى الكذب، ومن استجاز الكذب لم يتورع عن النزاع، إلى مائة عيب.
وهذا ما يقرره الأستاذ المرشد الهضيبي، فإنه يري أن أكثر الشرور تبدأ بالغيبة ويقول:
(وليعلم المسلم أنه لا يكون مسلمًا حقا إلا إذا أصبحت عقيدته جزءا لا يتجزأ من أخلاقه وسلوكه، فيكون عادلا مع الناس جميعا ويحذر نوازع الهوى أن تميل به عن هذا العدل مع أقرب الناس إليه، فلا يذكر إخوانه بسوء ولا بغتابهم، ولا يلمزهم، فإن أكثر الشرور إنما تنشأ عن مثل ذلك)().
ورأس هذه الشرور في مشاهدات الفضيل: ارتفاع الأخوة.
يقول رحمه الله.
(إذا ظهرت الغيبة، ارتفعت الأخوة في الله.
إنما مثلكم في ذلك الزمان مثل شيء مطلي بالذهب والفضة، داخله خشب، وخارجه حسن).
هي سلسلة طويلة من العيوب، كل يكشف بعض الحلقات المتقاربة منها، وكما وصف الفضيل بعضها، كشف الرجال الصالح أبو بكر الحكيم الوراق بعضا آخر منها، فقال:
(إذا غلب الهوى: أظلم القلب، وإذا أظلم القلب، ضاق الصدر، وإذا ضاق الصدر: ساء الخلق، وإذا ساء الخلق، أبغضه الخلق).
توالد مستمر:
وكما كانت الغيبة وكان الهوى نقاط انطلاق لعيوب كثيرة: يكون الانتصار للنفس نقطة تنطلق منها أيضا جملة وسائل ملتوية.
(ويظهر أن النفس الإنسانية إذا ألح عليها معنى الانتصار ولو بغير الحق لم تعد تفكر فيما عداه وإن ساقتها وسائلها الملتوية إلى الهزيمة المتكررة حتى تصل إلى الهزيمة التامة) ().
وكل ذلك يصبح مجتمع الدعاة الصغير كما يصيب مجتمع المسلمين الكبير إذا اعترتهم الغفلة. ومن مرت أمام نظره فتنة سلمه الله منها: عرف مقدار صواب الفضيل والوراق والهضيبي، والمجادل ينكر احتمال تعرض الدعاة لغيبة، يسميها النقد الذاتي، وينكر تلبس الداعية بالهوى، يسميه الاجتهاد والوعي الجديد وما شاء من الأسماء، وما دري أنه من جهله في إغواء، ومن هواه في إغراء.
الكتب الخاصة بنفس الكاتب
Query Error | | |