ما برحت الأيام تؤكد أن ضخامة حجم معطيات التنظيم الحركي التي جنتها الدعوة الإسلامية الحديثة هي أكبر مما صورته تخمينات رعيل الدعاة الأول.
عرف ذاك الرعيل قابلية التنظيم الذي هم بصدد إنشائه على تجميع الجهود ونقل العمل من أطواره العفوية وارتباطه بردود الفعل الساذجة إلى تخطيط يوضح تفاضلا لحاجات ويكشف المصلحة الكامنة في تجاوز المفضول منها في سبيل إسراع في الوصول إلى هدف أهم. ولم يكن ما سببته المحن المتلاحقة من تأخر في الوصول إلى الغاية النهائية ليثلم صورًا متعددة لأكثر من نجاح حققته الدعوة في الوصول إلى أهداف مرحلية بارزة.
ومع ذلك، فإن هذا الانتقال إلى الانتظام الحركي، شأنه شأن كل خير، قد جاء بفوائد أخرى ثمينة لعلها لم تخطر على بال بعض الرواد الذين بدأوه.
مصفاة الرجال
وأجلى اتضاح حاضر للفوائد التي لم تكن مرتقبة أول مرة: يظهر فيما قام به العمل الحركي من استخلاص الصالحين فحسب من بين جمهرة المتصدين للنشاطات الإسلامية.
المتصدون كثرة كثيرة، ولكن مراتب نياتهم وهممهم ووعيهم متعددة، حتى إن بعضهم لينزل إلى مستوى هابط يولد الضرر، من بين مدخول في نيته له إلى المنفعة الشخصية قدم ممدودة، وبادر في همته يتصدر في وقت احتداد فيغفو ويسوف، أو قليل ذكاء لا ينظر ما حوله ولا له في معرفة الواقع نصيب.
وحالة التسيب والتفرد واستقلال شخصيات هؤلاء المتصدين لا يمكنها أن تقدم أبدًا وسيلة للتمييز الضروري بين هذه المستويات المختلفة، إذ التمييز ليس هو إلا نتيجة لممارسة وزن الأشخاص وأعمالهم بميزان معين ونموذج محدد موصوف، وهذا التعيين والتحديد لا يتصور حصوله إلا من جماعة تتواطأ عليه مواطأة اقتناعية من لدن بعض أفرادها، تكتمل بمواطأة أخرى تفويضية يتنازل فيها البعض الآخر عن اجتهادهم المخالف ويتعهدون بالعمل وفق اجتهاد الفئة الأولى وإن قلت، حسبما يكون عليه النظام الذي ارتضوه لتحديد العلاقات بينهم وتمثل كل خطة جماعية في حقيقتها مجموعة هذه المواطآت.
وبذلك تصبح هذه الموازين المتفق عليها، المسماة بالخطة: أداة تمييز بين المتصدين للعمل. من وافقها وكانت له القدرة على تنفيذ جزء منها: حظي بوصف الصلاح. ومن خالفها، أو لم يستطع المشاركة في تنفيذ شيء منها: نحي إلى جانب إن لم يستقم أمره بعد محاولة تربوية وتدريبية معه.
فلولا الانتظام الحركي لما كانت هذه الخطة، ولولا الخطة لما كانت تنقية المتصدين، ولظلت جمهرتهم متناقضة دومًا، وفي هذا ما يشير إلى أن ظاهرة الافتتان إنما هي ظاهرة طبيعية في الحركات، بل ما يشير إلى أنها ضرورة لازمة، لما فيها من تنقية مزيج الرجال المتباين النيات والقابليات والاجتهادات.
وكاد الشاعر القديم أن يقترب من هذه الحقيقة لما مدح صاحبه فوصفه بأنه:
*محض إذا مزج الرجال، مهذب*
إذ ليس من الممكن استمرار التباين إذا مزج الرجال، بل لا بد من تمحض المهذب الصالح مع أمثاله وظهورهم دون ما هنالك في المزيج من كدر وشوائب وغثاء.
أفرأيت في الفيزياء كيف تعمل القوة المركزية ند حركة الدوران بمزيج ما على فصل مكوناته حسب كثافاتها؟ فكذلك قوة الخطة الصادرة من مركز التجمع، تفضل من خلال دوران دولاب العمل ومن خلال التحرك اليومي الهادف مزيج الرجال حسب كثافاتهم النوعية، فمنهم الثقيل الراسخ، ومنهم الخفيف الطافي، فطرة الله تعالى التي خلق الناس عليها، كان ذلك قدرًا مقدورًا.
ولكن القدر يصارع بالقدر، والأسباب قريبة ميسورة، ولذلك كانت التربية الرفيقة، والنذارة، من الواجبات المفروضة، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيي من حي عن بينة.
وأنوار الفطنة الماضية لم تأت إلا في هذا المساق التربوي، الذي يمد صاحب بذرة الحياة بحيوية نماء ورباء.
وفي نفس المساق يرتفع على سارية التربية التحذيرية:
النور العشرون، واصفا جمال:
تعليق الضحية على أمر القادة
فإن مبادرة الداعية إلى التضحية بروحه، بلا استئذان الأمير، مهدورة القيمة عند الفقهاء، مجردة من الفضائل، وربما كانت إثمًا إذا نتج عنها توريط الدعوة بما لم تحسب له حسابًا، وتكون عندئذ فتنة كبقية الفتن.
فقلة إدراك بعض متحمسة الدعاة لأصول العمل، وجهلهم بالواقع الذي يحط بهم، يؤدي بهم أحيانًا إلى فهم التأني والتربية المرحلية أو الحذر في الانتقاء على أنهما بطء قيادي وخوف وإحجام عن الإقدام، فيخرجون إلى تهورات ومجازفات يؤكد النظر التحليلي فشلها ابتداء، وينفون معنى الافتتان عنهم، لما هم فيه من تعريض أنفسهم إلى مخاطر قد تصل إلى بذل الروح.
وإنما هو ظن بعيد توهموه، ولو أرادوا مصلحة الدعوة خالصة من دون موافقةالخفي من شهوات أنفسهم لأعدوا لعملهم عدته الاستشارية، ولحرصوا على انتماءاته الخططية، ولكنهم قوم يستعجلون.
ولقد سئل الفقيه التابعي الجليل نافع المدني رحمه الله، مولى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ووارث علمه، عن تضحية لا يحركها أمر قائد ولا توجبها خطة، فقيل له:
(هل يحمل الرجل إذا كان في الكتبية بغير إذن إمامه؟
فقال: لا يحمل على الكتبية إلا بإذن إمامه) ().
وهذا جواب صريح: أن المسلم المنتمي إلى كتبية إسلامية لا يهجم علىكتيبة العدو إلا بإذن قائدها.
وظل هذا الفقه يحكم التضحيات، وينظم صرفها قرونًا طويلة، حتى أخذه ابن قدامة الحنبلي، أحد أعلام الفقه المقارن، فقال:
(لا يخرجون إلا بإذن الأمير، لأن أمر الحرب موكل إليه، وهو أعلم بكثرة العدو وقلتهم ومكامن العدو وكيدهم، فينبغي أن يرجع إلى رأيه، لأنه أحوط للمسلمين) ().
فإذا كان هذا هو الأصل، فمن باب أولى أن يمتنع الذي هفا أول مرة واستعجل وأخطأ فصدر له الأمر بالامتناع، فإنه يظل في استثناء، حتى أن الأمر اللاحق الذي يستنفر الجميع لا يشمله، إلا أن يأذن له القائد إذنا خاصا يلغي منعه الأول، فقد:
(سئل الإمام أحمد عن الإمام إذا غضب على الرجل فقال: أخرج، عليك ألا تصحبني، فنادى بالنفير، هل يكون إذنا له؟
قال: لا، إنما قصد له وحده، فلا يصحبه حتى يأذن له) ().
فلا يباح للمطرود من صف الجماعة، ولا لعموم الدعاة، أن يتحركوا وفق اجتهادهم أبدًا، لشمول الخطر الناجم عن أخطائهم المحتملة وتعديه إلى كل المسلمين، وكم من مشكلات أتت من قبل صاحب هوى، غوى، فطرد، فأراد التعويض من طريق يظنه قصيرًا، ففشل، فأتعب الناس من بعده.
إن البيعة توجب طاعة الأمير في كل خطوة.
(إلا أن يتعذر استئذانه، لمفاجأة عدوهم لهم، فلا يجب استئذانه، لأن المصلحة تتعين في قتالهم، والخروج إليهم لتعين الفساد في تركهم.
ولذلك لما أغار الكفار على لقاح النبي -صلي الله عليه وسلم- فصادفهم سلمة بن الأكوع خارجًا من المدينة تبعهم، فقاتلهم من غير إذن، فمدحه النبي -صلي الله عليه وسلم- وقال: خير رجالتنا: سلمة بن الأكوع) ().
فافهم أيها المتحمس، وانتظر، فإنما لك من أجر الرباط مثل الذي تظنه من أجر الزحف، وانظر كمينا نصبوه للسذج، يغريهم ويمنيهم برئاسة زحف موهوم، وأعنهم علىرؤيته بقبس من:
النور الحادي والعشرين
الذي يكشف أن:
قيادة الباطل مثلبة، كما أن جندية الحق منقبة
فقيادة الباطل ليست بشيء، ولا لها في العرف والإسلامي قيمة، وإنما هي مجردة من الفضائل، حتى إن نفس صاحب المروءة لتعافها فطرة، وتعتبر إيرادها موضوع مساومة وثمن تأييد من أكبر الإهانة.
وهذا النور أوقده قاضي البصرة المحدث الثقة عبيد الله بن الحسن العنبري المتوفى سنة 168هِ، فكأنه قد دعى إلى خروج عن الطاعة بتمنية من خلابات الرئاسة، فأبى وقال:
(لأن أكون ذنبا في الحق: أحب إلى من أن أكون رأسا في الباطل) ().
وما زالت البيعة تميز بين الاثنين هنا، تصف المطيع ومن بويع بالحق، وتضع ناكثها في صف المبطلين.
وإنما ديدن المسلم: الأجر من رب العالمين، والأجر لا يأتيك إلا أن تتملق له بفرض ومندوب ومستحب ومكارم أخلاق، وللوفاء نسب مع كل هذه الدرجات، ولمحاسنة مرايا تعكس إشعاعاتهن جميعًا، فتجتمع الانعكاسات في بؤرة لتولد:
النور الثاني بعد العشرين
وعلى ضوئه نعرف أن:
أقوال الحق الصادقة لا تكفي لتزكية قائلها تزكية مطلقة
فقد يتكلم المبطل بكلام من الحق يريد به باطلا كما قال أمير المؤمنين عي رضي الله عنه، وربما يصدق الكاذب، ولكن المعول عليه: سلوك القائل وتصرفه.
وكم من كلمة هي من الحق الذي لا شك فيه يوجب الورع السكوت عنها في وقت معين أو تجاه سامع معين، سدًا للذريعة، أو ترجيًا لمصلحة أخرى تزاحمها، من تأليف قلوب، ومراعاة لمستوى الفهم، وغير ذلك.
وفي قصة أبي هريرة رضي الله عنه مع الشيطان السارق تأكيد لهذا المعنى الذي نقوله، من اعتبار سلوك القائل في الحكم عليه، فقد أخرج البخاري في مواضع من صحيحه بلفظ المتابعة غير الموصولة عن شيخه عثمان بن الهيثم بسند صحيح إلى أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- وكله بحفظ الطعام المجتمع من زكاة الفطر في رمضان، فأتاه سارق فجعل يحثو من الطعام، فأمسك به أبو هريرة، فاستدر عطفة، فأطلقه، ثم جاءه ثانية فأطلقه أيضًا، فلما جاءه في الليلة الثالثة قال أبو هريرة:
(لأرفعنك إلى رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم لا تعود ثم تعود:
قال: دعنى أعلمك كلمات بنفعك الله بها.
قال: أبو هريرة: قلت: ما هو؟
قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: الله لا إله إلا هو الحي القيوم، حتى تختم الاية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح.
قال أبو هريرة: فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: ما فعل أسيرك البارحة؟
قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله.
قال: ما هي؟
قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم: الله لا إله إلا هو الحي القيوم، وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح.
وكانوا أحرص شيء على الخير.
فقال النبي -صلي الله عليه وسلم-:
أما أنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟
قال: لا.
قال: ذاك شيطان)().
قال ابن حجر:
(وقد وصله النسائي والإسماعيلي وأبو نعيم من طرق إلى عثمان المذكور)().
ففي هذه القصة مع طرافتها دليل واضح على أن صاحب الشر المبطل قد يتكلم ببعض ما هو حق ويتستر به ليصل إلى مراده، فيجب على الداعية المسلم المرتقي لمدارج الفضل أن لا ينخدع إذا أتته شياطين الإنس تريد أن تسرق ما معه من عمل صالح وتحثو منه في جعبتها الفارغة لقاء ثمن من الكلمات التي تدلل فيها تلك الشياطين على أن لها بعض الحق، بل يكون متيقظا ناظرًا لما تخفيه من أحوالها الباطلة، وشاعرًا بما تبنيه على ذلك الحق الجزئي من نتائج باطلة، فيمسك الداعية بها من معاصمها بقوة، ويسلمها إلى ولي الأمر، ليمنع شرها عن قافلة الخير، فتستمر في السير على توهجات:
النور الثالث بعد العشرين
الذي ينبهنا إلى أن:
سوء الرؤساء دليل ضرر المجموعة
وهو نور قرشي أصيل، أوقده سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما خرج يوما إلى طرقات المدينة، فرأى مالكًا الأشتر وصحبه يحاصرون عثمان بن عفان رضي الله عنه يريدون قتله، فقال:
(والله، إن أمرًا هؤلاء رؤساؤه لأمر سوء)().
وهذا ميزان مهم غالبا ما ينساه الذين يتعاملون مع الجماعات، ولو فطن له المخلصون لما انخدع أحد منهم بفتنة مفتتن يرفع عقيرته ببعض الحق الذي يريد من ورائه الباطل، فإن كل حزب أو جماعة أو كتلة سياسية أو فكرية تصطبغ في كثير من سياساتها الاجتهادية بآراء قادتها حتى ولو وجد نظام معين ومفهوم مدون لتلك الجماعة، إذ لا يحصر الأساليب جميعا نظام، ولا يحيط بالمعاني كلها تدوين، ولا بد أن يبقى للاجتهاد الدور الرئيس الأول.
كما أن روح التقليد عند الأتباع، المؤدية لاستيعاب الإملاء الذي يملي عليهم تضعهم في حالة انشداد للرؤساء، تتضاعف قوتها طرديا مع قابليات الرؤساء الفطرية، من ذكاء وشجاعة وقوة صبر على كثرة التحرك، ومع العوامل المساعدة لها، من تقدم في السن، أو قصة بطولة سابقة، أو نسب عريق، أو بلاغة لسان وقلم، إن لم يكن هناك شيء من التدليس وتسخير من يبث المدح لهم. ومن أجل هذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه مقالته المشهورة (أخوف ما أخاف على أمتى من عالم باللسان جاهل بالقلب).
لكل ذلك لم يكن الفصل بين شخصيات قادة تجمع ما وبين تجمعهم كله سهلا ميسورًا وإن عدد له في الفكر بنودًا ودون لعلمه دستورًا، بل الصواب الذي ينبغي على المدعو لمناصرة جماعة ما أو دخولها أن ينظر الرؤساء، فإن وجد ثمة أسواء ومثالب ظاهرة أو يرويها الثقات عنهم:
توقف وتهيب وأخذ حذره، وأعرض عن كلام جميل يدور على ألسنتهم لعل الخدعة تقتضيه، كما اقتضت خدعة الصياد أن يقلد أصوات الطيور ويصفر بمثل صفيرها لتنزل وتحط على شباكه المنصوبة.
وقد يرد العكس على جماعة خير تنادت لصلاح تحت قيادة ثقات، مع أن انفرادها دون جماعة خير سبقتها يعد أمرًا مفضولا وليس فاضلا إن لم يكن لها مسوغ قوي يجيز تفردها، ولكن هذا العكس لا يرد أبدًا على جماعة فتنة، تناجت ونكثت بيعة وانحازت إلى جانب وقدمت بعض أهل الفضل لها صدورًا، إذ المقياس يختلف هنا، ولا تمحو فضائل متعددة هفوة النكث الواحدة، وغاية أمر الصدور: أن نحكم عليهم بأنهم بسطاء سذج وقعوا فيا لخلابة فصاروا لا يصلحون كقدرات وإن لم يتعمدوا الإساءة.