الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: العوائق
المؤلف: محمد الراشد
التصنيف: سياسي
 

أخيار ولا فخر!

طمع محرك، ورحمة مغرية - الهدم الصعب - الخيرية المتناقصة - جمال الفضائل سبب تخليدها - التراجع يضعف الهمم - اعتداد بلا غرور - مجازات المواعظ لا تفهم بجمود - ليست الصغائر مثل الكبائر - أنصوفنا معاشر النقاد - باب مفتوح لكل طارق - نحاسب بالحسني ولا نفضح - لا نرضى ببدعة - السياسة كلها ترجيح بين المصالح

ومن العوائق: الهزيمة النفسية أمام كثافة نقد المتهجمين، حتى إن الداعية ليظن بنفسه السوء.

ذلك أننا مازلنا نسمع بين الفينة والفينة نقدا من الدعاة لأنفسهم، يتخذ أحيانًا عند بعض متحمسيهم شكل تقريع، يتهمون خلاله أنفسهم بأنهم قصروا عن الوصول إلى منازل السلف، وأن بينهم وبين الصفات التي يحكيها التاريخ لنماذج اسلف الصالح الأول من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، والتابعين وتابعيهم بإحسان رحمهم الله، بونا شاسعًا، وأن الفاحص يتلفت فلا يرى أحدًا سما وعلا في أخلاقه وعبادته وجهاده إلى درجة يماثل بها أولئك النبلاء النجباء.

وقد يتخذ هذا التقريع بعدًا آخر يتفرع منه، يضع الدعاة في موقف المتهم لمناهج التربية الإسلامية الحركية، ويحملها مسؤولية هذا القصور.

ولسنا نشك في أن هذه الظاهرة ظاهرة صحية في مجتمعات الدعاة، وأن فحص النتائج ومعاودة الحساب فضيلة راجحة على السير الجزاف الذي لا يعطف المرء فيه إلى مناقشة العمل.

ولكن جمال هذه الظاهرة لا يكتمل إلا بمناقشة وتقويم من قبل المجربين لما يطرح من تساؤلات وشكوك في هذا الباب، وهذا ما يحدونا إلى أن نطلب من الدعاة مصاحبتنا خلال هذه الفقرات في عملية وزن للقضية، نحاول أن نكون حكما فيها، يكشف حقيقة الرصيد الحاصل، وطبائع النقص الواجب استدراكه.

والذي ندعو له ابتداء أن يرى الداعية الناقد لنفسه فروقا واضحة بين جيلنا وأجيال السلف، وظروفا قد تغيرت، ولا بد من أخذ ذلك بعين الاعتبار حين البحث.

 

طمع محرك، ورحمة مغرية

فأول ما يبدو هنا من ذلك أن المربي بالأمس غير المربي هذا اليوم، فلقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدون المهديون، ومن وازاهم من قدماء المهاجرين ونقباء الأنصار، هم المربون لذلك الجيل السالف الذي فتح الله تعالى على يديه الفتوح العظيمة. وتلك بركة أنيل لها في خصوصية واضحة، من لدن متفضل لطيف منعم سبحانه لا ينبغي لأحد ممن بعد جيلهم أن يسمح لنفسه في أن يأمل عشرها فضلا عن مثلها. بل لقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لبعض الجيل الأوسط من الصحابة رضي الله عنهم أنهم لن يبلغوا نصيف مد أحد من رعيلهم الأول، كما روى مسلم في صحيحه، فكيف بمسلمة الفتح ومن تلاهم؟

فكل متصد للتربية بعدهم ناقص –ولابد- عنهم، وإنما فرضتنا الحاجة التربوية فوضعتنا في مقام الأستاذية بعضنا لبعض طمعا في أن ننال بالتواصي الجماعي بالحق وبالصبر ما يكمن أن ينال من جميل الخصال الإيمانية، ومحاسن الصفات الإسلامية.

فنحن بهذا الطمع نتحرك، من دون تطلع لمنافسة السلف الصالح، فإنهم قد استبدوا بالحظ الأوفر من الفضل، وبالنصيب الأوفى من المحاسن، ومتجرد عن الأدب ذاك الخلف الذي يطيل عنقه تكلفا ليصل برأسه إلى مستوى رفعتهم، ولولا حديث (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) لفترت الهمم، وركت العزائم، ولكنها رحمة الله واسعة، تطمع الطامع وتغريه، فيتشبه بالكرام عسى ولعل.

 

الهدم الصعب

 ولو عكسنا رؤيتنا لجابهتنا حقيقة مقابلة لهذه، تفصح عن أن المتربي هذا اليوم هو غير سلفه المتربي، وليس المربي فقط، فاليوم يشهد المجتمع تصارعا بين مناهج تربوية مختلفة، يقف المنهج التربوي الإسلامي في خضم تصارعها، ونجد الفرد الشاب الذي نحاول تربيته مختلط الفكر، موزع القلب، مضطرب النفس، من جراء ما خضع لهذا الحشد الشديد المتناقض من مواد التربية التي تصبها عليه مناهج المدارس والجامعات، وبرامج الإذاعة والتلفزيون، ولغو الصحف والمجلات، ولكلها تأثيرات تصادم كلام المربي المسلم، وتؤثر سلبًا على تلميذه.

أما جيل السلف فكان جيلا بسيطا فطريا، وكان العرب بخاصة في عزلة عن الأمم، وما ثم إلا شركهم بالله تعالى شركا بدائيا غير معقد، يعبدون خلاله الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى، وهم أهل صدق في المقال، وعفاف في الجوارح، قد غمرتهم خلوتهم الصحراوية بسكينة افتقدتها الأمم، ولم تكن لهم فلسفية جاهلية تناقض الإسلام الجديد، ولا يعرفون الجدل في ذلك، بل فيهم بقية من الحنفية الإبراهيمية، حتى لقد كان زيد بن عمرو بن نفيل رحمه الله يجهر بالتوحيد عند الكعبة، ويدعو العرب إلى ملة إبراهيم، قبل أربع سنوات فقط من نزول القرآن، فكان صنيعه وصنيع أمثاله من آخر الحنفيين المهديين، إرهاصًا بين يدي دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- بمثابة التمهيد وإثارة تطلع العرب إلى الدين القديم الجديد.

ومن هاهنا، فإن جهود النبي -صلى الله عليه وسلم- وجهود أصحابه رضي الله عنهم، في التربية من بعده، قد أثمرت كلها ولم يتبدد شيء من جهدهم سدى، لجودة معدن المتلقي المتربي، وخلو فكره عما يناقض ما يقال.

بينما نبذل اليوم جهدًا كبيرًا لإصلاح ما أفسدته التربيات المختلفة في نفوس تلاميذنا، ونسلك معهم طريقا طويلا لإيصالهم إلى منزلة الحياد، إن صح هذا التعبير، لنبدأ من بعد ذلك بإعطائهم مفردات الإسلام، وهي عملية شاقة، عملية استلال بقايا الجاهلية من نفوس المتربين التلامذة، فبعضهم يحن حنينا إلى شيء من طباعه الماضية وقد كنت تظن أنه قد استكمل الإيمان أو قارب، وكم من حيصة يحيصها المتربي قبل النهاية تعلم المربي ضرورة إطالة النفس في هدم تأثيرات ورذائل التربيات المعاكسة في نفس التلميذ الثاني اللاحق له قبل بناء قواعد الإسلام فيه.

ولا شك أن عملية الهدم والبناء عملية مزدوجة تتم في آن واحد، ولا نريد أن يعترض معترض على ألفاظنا هذه، ولكنها ألفاظ لا بد منها لتوضيح المعنى.

ومما يمكن أن نحتج به ونتخذه دليلا في هذا الصدد، أن الفرس وأمم الهند، كانت لهم فلسفات جاهلية وكتب مدونة، سببت اختلاط إسلام كثير منهم بالبدع حين أسلموا، وعاند كثير منهم، ولم تظهر فيهم نماذج عالية في حياز صفات الإسلام بمثل كثافة ظهورها في العرب أول ما افتتحت الفتوح، مع أن المربي واحد، وإنما شاعر فيهم الخير من بعد دهر طويل نسوا فيه جاهليتهم تلك، واندثرت معالم فلسفاتهم.

وتكررت هذه الظاهرة مرة أخرى في عصر الإسلام الأوسط حين دخلت شعوب جديدة في الإسلام كانت متأثرة بفلسفات الإغريق والرومان، فلم يكثر فيهم النبلاء إلا من بعد دهر.

كذلك نجد صدى هذه الظاهرة جليا لما شاعت في زمن المأمون ترجمات كتب أرسطو وأفلاطون، فضعفت الهمم، وندرت نماذج الخير، حتى أن المتفحص للتاريخ ليجد صدورًا غريبا عن كتب سقراط لا يفهمه لأول وهلة، ولكن عجبه يزول حين يعلم أن سقراط كان أقرب إلى التوحيد من أولئك، فركنوه جانبًا، ولولا وقفة إمام السنة أحمد بن حنبل لضعفت دولة الإسلام، لكن الله رفأ به الفتق وسد الخرق.

ومرادنا من كل هذا: التنبيه على أن بعض جهودنا التربوية اليوم تهدر بلا سبب منا، ولا سبب من المتربي، ولكنها جناية الجاهليات المعاكسة على الجيل الحاضر.

 

الخيرية المتناقصة

ومع ذلك فإن احتمال ظهور نماذج تقابل نماذج السلف ممكن، لكنهم لن يكونوا إلا قلائل، ويجب أن نوقن أن الله تعالى شاء ذلك، وأراده وكتب علينا أن نكون أقل استمتاعًا بجمال الإسلام عما كان عليه السلف، فإن الحديث الصحيح ينطق بأن خير القرون قرنه -صلى الله عليه وسلم- ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.

ولو جمعنا هذا الحديث إلى حديث شرار الناس من تقوم عليهم الساعة وهم أحياء " المروي ي دواوين الصحيح أيضًا، لتبين لنا أن خيرية الأجيال في تناقص وتقلص مستمر، وأن القدر قد جعل المنافسة من الآخر للأول مستحيلة، لكنها المقاربة والتسديد، من غير أن يدب إلى نفوسنا يأس في حيازة بعضنا لما حازته أجيال السلف من المكارم، فإن عصابة من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- لا تزال ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة، كما نطق الحديث الصحيح، ولا ندري أينا الموفق لأن يكون يها، وعلينا أن نصارع القدر بالقدر، كما أرشدنا إلى ذلك عبد القادر الكيلاني رحمه الله حين ذكر أنه قد فتحت له روزنة، أي فتحة مثل الشباك، فرأى سفينته تجري في بحر القدر تلاطمها أمواجه، فهو يصارع القدر بالقدر، ومما قدره الله لنا أننا في الجيل المتأخر المفضول، فنصارعه بقدر الخير المتمثل بالعمل على الانتساب لهذه العصابة، ونعمل لما يتيسر لنا، مدافعة وتحويلا لقدر الشر المتمثل بتناقض الخيرية.

 

جمال الفضائل سبب تخليدها

ولا يغيبن عن الأذهان أن الكتب التي عرفتنا بأحوال السلف قد أرخت الفضائل بأكثر مما أرخت نقص الناقصين، وما من شك ي أن أساتذة التربية يميلون إلى تاريخ هذا النقص، ليبتعد عنها الموفقون، ميلهم إلى تاريخ الفضائل، ليقتدي بها المشمرون، ولكن في النفس الإنسانية ميلا إلى حب الجمال فطريًا، مقتبس من حبه سبحانه وتعالى للجمال، إذ هو جميل يحب الجمال، كما في الحديث الصحيح عند مسلم، كمثل ما اقتبس الله للإنسان والحيوان شعبة من فيض رحمته الواسعة هو عز وجل، فكانت كتب التاريخ، لذلك أكثر إظهارًا للفضائل، لجمالها، من إظهار العور والنقص والحيصات، فنحن نرى الصورة الفاضلة لمجموع أجيال  السلف، وغابت عنا هفواتهم بتأويل من تأول تغيبها، جمعًا للقلوب، وسدًا لباب التناحر والفتن والطعن فيهم، وهكذا أصبحنا نظن أن السلف أصحاب كمال مضاعف عما هو عليه أمرهم حقيقة.

وليس هذا من الطعن بالسلف بحال من الأحوال، فإن قد قدمنا من الكلام ما ينفي هذا الوهم، ونعلم أن الله سبحانه وتعالى يزن المسلمين بميزان سورة الأحقاف، في قوله (أُولَئöكَ الَّذöينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمöلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيّöئَاتöهöمْ فöي أَصْحَابö الْجَنَّةö وَعْدَ الصّöدْقö الَّذöي كَانُوا يُوعَدُونَ)، ونعلم أن الله قد ذكر ذلك لنا إرشادًا وتنبيها وتأديا وتعليمًا، وأن من رجحت حسنات هو الراجح، وقط عظم خيرهم، وفي التأول لهفواتهم مندوحة.

نعم، إنه ليس من الطعن، ولكنها دعوة إلى الواقعية في فهم تاريخنا لابد منها لتوضيح الجواب للذين يلومون أنفسهم، ودليلنا: ما ذكروه من أشياء على سبيل المدح عن آحاد منهم دون سائرهم، من شدة التعبد، وصلاح الباطن، والشجاعة الفائقة، ونحو ذلك، فلو لم يكن المجموع قاصرًا بعض القصور على المستوى المثالي الذي وضعناه فيه، لما تميز هؤلاء بالفعل المذكور عنهم.

وهذه الطبيعة في المؤرخين مستمرة تقتضيها صنعة التربية، حتى إننا لو قرآنا بعض الصحف الإسلامية ترثي بعض خيار أموات المسلمين اليوم، من الدعاة والعلماء والمجاهدين والمنفقين، لرأينا أوصافا تصورهم كأنهم السلف، بينما نحن نعرف بحكم معايشتنا لهؤلاء المرثيين هفوات وكبوات أغفل ذكرها من كتب رثاءهم، لا من باب التدليس والتمويه والتزلف، بل من باب تربوي بحت’ غايته إثارة الهمة في الأحياء للاقتداء بمحاسن فعالهم.

فقس ما كان يجري بين السلف من ذلك على ما يجري بيننا من هذا.

 

التراجع يضعف الهمم

يضاف إلى هذا أننا الآن في فترة اجتماعية وسياسية ميزتها التراجع والتدهور إذا قسناها وفق موازين التمدن، وقد شاهد ابن خلدون في مقدمته، وغيره من علماء الاجتماع، أن أعمار الدول كأعمار بني آدم، وأنها تبدأ بقوة وفتوة، ثم يستوى أمرها على نسق هادئ، ثم يميل إلى التأخر التدريجي حتى تنقضي تلك الدولة، فتتأسس على أنقاضها دولة جديدة تأخذ الأمر بقوة وتستأنف الانتصار.

والإسلام قد مثلته خلال تاريخه دول متعاقبة انطبق عليها هذا الميزان، وكل منها قد أجاد وأفاد، وحمي الإسلام، وفتح الفتوح، فتأججت حماسة المسلمين أبناء تلك الدول في فورات متعاقبة حفظت للإسلام حيويته، كما أنه ليس من هذه الدول دولة إلا وتورطت في هفوة أو تقصير يقابل إحسانها.

وجيل المسلمين الحاضر يعيش فترة تراجع شديد بانقضاء عمر الدولة العثمانية، تولد عنه فراغ، بانتظار قيام دولة جديدة تمثل الإسلام، لابد أنها آتية إن شاء الله. وفي مثل هذا الفراغ تضمحل الحماسة، فتبقى حماسة الأفراد معتمدة على ذاتيتهم المحضة ووعظ الواعظين، تظاهرها أو تعينها الحماسة العامة السائدة في كل دولة فتية، الناتجة عن انتصاراتها المبهجة لنفوس أبنائها.

وهذا ما يعطي من باب آخر شبه عذر تعتذر به لجيلنا الحاضر في تخلفه عن بلوغ الدرجات العالية وقصوره عن منازل السلف، ولقد مرت فترات في التاريخ الإسلامي شبيهة بهذه، هي فترات نهايات الدول الإسلامية، فكان الجهل يشيع، وتبرد الهمم، ثم تبدأ صعودًا آخر بمجيئ دولة أخرى يحكمها مسلم موفق عالي الهمة.

وفي الأحاديث التي صححها الشيخ الألباني حفظه الله ما ينبي عن قيام خلافة راشدة في آخر الزمان، كأننا في انتظارها الآن، تجدد حيوية المسلمين و ترفع  مستوى جيلهم.

 

اعتداد بلا غرور

إن هذه الحقائق توجب سلوكين.

السلوك الأول يخصنا نحن أبناء الحركة الإسلامية، خلاصته: لا نسرف في اتهام أنفسنا بأنواع الضعف، وأن نوقن أننا على خير وفير كثير إن شاء الله، وبفضل منه ومنة.

نعم، ما هو بالخير الكامل، ولسنا كمثل السلف، لكننا أهل عزة إيمانية ترجع بنا بعد كل هفوة إلى إصلاح الخطأ، وعلينا أن نعتقد أن سبيل إنماء فضلنا وتكميله ليس هو سبيل التقريع الشديد للنفس، القاتل لها، بل هو سبيل التوبة الشرعية مرة بعد مرة، في أول مسارنا، وفي أواسطه، وفي أواخره، فبالتوبة، وبالتناصح، وبالتواصي بالحق والصبر: نسد ثغرات جدارنا ونكمل بناءنا.

وليس ذلك بغرور، أعاذنا الله منه، ولا هو إدلال بهذا القليل من العمل الذي نؤديه للإسلام، لكنه المنهج التربوي الذي ينبغي لنا ويجب علينا، حذرًا من أن نقع في ما وقع فيه بعض علماء العصر الأوسط من السلف، حين أكثروا التخويف، وتوسعوا في ذكر الوساوس ومحبطات الأعمال، حتى لف الناس اليأس شديد، ولم يفتحوا لهم بابا من الرجاء يقابله.

 

مجازات المواعظ لا تفهم بجمود

ويصدر بعض الدعاة في تضعيف أنفسهم ومن حولهم عن فهم جامد حرفي لكلام الحماسة الذي نعظهم به، ويغفلون عن طبيعة المربين في إيراد المجازات والقصص التي يريدون منها تنويع التذكير والتفنن فيه، ليكون أدعى لدخول القلوب، من دون أن تكون نبيتهم طلب التطبيق الحرفي من قبل التلميذ لما يريدون.

فلقد وصفوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأنه لم يضع لبنة على لبنة، وما أرادوا حرفية ذلك، فإنا نعلم أنه قد كانت لكل زوجة من زوجاته حجرة، ولم يكن يعيش في خيمة أ,  في العراء، لكنهم أرادوا عدم تطاوله في البنيان، وتواضعه فيه، وعدم توسيعه مساحة بنائه، ثم يأتي متحمس من الدعاة اليوم يصفق بيديه ويسترجع، حين يرى أخا له يبني له دارًا تستره في مثل هذه المعيشة المعقدة الحاضرة.

وروينا خبر فلان من السلف، لم يكن يميز الدرهم من الدينار، وإنما أرادوا عزوف قلبه عن الدنيا، وشدة انغماسه في العلم والعبادة، ثم يجلس دعاة اليوم، يعيبون أخًا لهم يمارس التجارة، لم تصرفه صفقاته عن واجباته في الدعوة، ولو تأملوا لوجدوا أن عدم معرفة الدينا من الدرهم بالأمس يقابلها جهل أكثر الدعاة، اليوم جهلا مطبقا بما هنالك من مضاربات سوق الأسهم وتركهم ذلك في سبيل الله، مرابطة مع خطط الدعوة، إلا من نفر منهم –لله أيضًا- ليضارب، يبتغي تحويل المال إلى الأيدي المتوضئة.

وكذلك ما تداولناه من قبل من خبر ذلك التابعي الذي بني له ولفرسه حصنا بالكوفة، كأنه يبدي استعداده للجهاد، فيأتي أحد اليوم يقلده في ذلك.

والناظر بعين العقل، المتأني، يعرف أن مقصد ذاك التابعي منصرف إلى تربية الناس بمنظر عملي على معاني المرابطة للجهاد، وإلا فإنه لو كان يريد حرفية فعلته لبني له حصنا في جبهات القتال، وقد تجاوزت الفتوح في عهده بخاري وبلخ.

ومثله: ذاك الذي لما حدثت الفتنة وضع الطين على بابه وجعل بيته مقفلا، إلا فتحة صغيرة يتنفس منها ويتناول الطعام، فهو إنما أراد بفعلته هذه أن يذكر الناس بمنظر عملي معنى اعتزال الفتنة كلما مروا به وسألوا عن سر هذا الباب المطين، وإلا فالذي يريد أن يعتزلها يسعه أن يعزم عزمة ويدع أبوابه مفتحة.

فعلى إخواننا أن يثقوا بأنفسهمن ويعرفوا أن الله تعالى قد تفضل عليهم وأسبغ عليهم نغمة من الإيمان والعلم والعمل يجب إظهار شكرهم له عليها، وما ثم إلا دعاء له سبحانه بأن يتم لهم نورهم.

وصحيح أن أحدنا يجب أن تكون نفسه حساسة لأدنى تقصير، وأن نقول مرارًا –اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه- وأن نقول-نبوء بنعمتك علينا ونبوء بذنوبنا، فاغفر لنا، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت-، لكن هذه الحساسية لا تقتضي مقت النفس واتهامها الاتهام المسرف الذي يقتل فيها تطلعها إلى الاقتداء بالسلف المهديين، فإن ذلك من العوائق.

 

ليست الصغائر مثل الكبائر

إن الكثير من حساب نفوسنا، ووزننا للآخرين من المبتدئين العاملين معًا، نجنح فيهما أحيانًا إلى التشدد الزائد عن حد الشرع.

ففي الشرع حرام محض بالغ الحرمة، وفيه مكروهات وصغئر ولمم، ويمكن تمييز كل فعل ودرجاته من الإثم في ذلك من النص عليه، أو من النظر إلى القرائن والظروف، ولكن البعض يستعظم كل الاستعظام أشياء من الصغائر يقترفها إخوانه لم تأت الآيات وكلمات النبي -صلى الله عليه وسلم- مستعظمة لها بمثل ذلك بمقدار ما أتت تحث على التوبة منها، واتباعها بحسنات تمحوها، من صدقة وصلاة، والنظر إلى رحمة رب رحيم يقبل أوبة المتورط فيها.

وانظر الزنا المحض والكذب مثلا، تجد الشرع متشددًا فيهما كل التشديد، ادًأ لهما في جملة الكبائر، واعدًا من يبرأ في حياته منهما بالجنة، وذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البخاري: (من تكفل لي بما بين فخذيه ولحييه: تكفلت له بالجنة). أي تكفل بسلامة فرجه من الزنا الحقيقي الذي يكون في التقاء الفرجين، وبسلامة لسانه من الكذب.

ومفاد ذلك أن النظر الحرام وما وازاه، واللغو والتنابز وأمثالها من الصغائر، إذا خالطت تلك العفة، فإن الجنة تبقى غير بعيدة عن العفيف، لا يلزمه لتمام قربهاغير حسنات يسيرات يكون فيهن تكفير صغائره.

ويتأكد ذلك إذا علمنا أن الله تعالى قد كتب عدم الكمال على كل البشر في هذا الباب المتعلق بالزنا والكذب، قدرًا محتومًا عليهم، يدرك كل إنسان من مقدماتهما والصغائر المشتقة منهما شيئا مهمًا عف فرجه، فإن الحديث المروي في صحيح البخاري يذكر صراحة أن: (كل ابن آدم مدرك حظه من الزنا لا محالة، فزنا العينين النظرن وزنا اللسان المنطق) فلا يوجد البرئ براءة تامة، بل هو مقارف لبعض فروع الزنا والكذب التي يصدق عليها اسمهما مجازًا، لا محالة ولا مفر له من ذلك، وأن ترك تلكما الكبيرتين الحقيقتين، وذلك يوجب علينا أن لا نذهب في التشدد في توثيق مقترف هذه الصغائر إلى حد التزمت وتضعيفه تضعيفا مطلقا، بل نلتزم حد الشرع الذي ميزها عن الكبائر.

هكذا وقس على الزنا والكذب بقية الكبائر وفروعها من الصغائر.

ورب ظان يظن أن في مثل هذا الكلام من التساهل والتجريء للداعية على اقتحام اللمم والإكثار منه ما يولد مفاسد كثيرة ويهون أمر المعاصي عليهم فيستجيزونها، وذلك وهم، فإن الكلام التربوي لا يفهم بتجزئ، ونحن لا ندعو إلى ترك هذا التزمت ساكتين عن حقائق الشرع الأخرى، بل تلح إلحاحًا، ونلهج لهجًا، بتزيين الفضائل الإيمانية والدعوة إلى التمسك بها والتنافس في الإكثار منها، وغض البصر وترك اللغو من هذه الفضائل التي تميز الدعاة إلى درجات وطبقات، ما بين متعفف عنها شامخ بعفته، في رنو إلى حوريات الجنة، كأنه يراهن في دنياه رأي عين، فهو في الطبقات العالية، وآخر فاتر الهمة في مقاومة الإغراء، فهو في انشغال قلب ينزل به إلى الدرجات الدنيا. كما نعظ المتساهل مع نفسه وعظًا بليغا، ونذكره بأن النظر وما ماثله من الزنا المجازي قد يجره بالتتابع، وباستدراج من الشيطان، في لحظة شهوة وغفلة، إلى الزنا الحقيقي الذي يحرمه كفالة النبي -صلى الله عليه وسلم- له بالجنة، كما نذكره بأن الذي يتصدى لمرتبة دعوة الناس وتعليمهم غير العامي من المسلمين، فإن الداعية تعظم منه الصغيرة، ويكون بها في صد عن سبيل الله، إذا اقتدى بفهواته المقلدون، وفي صدود بغفلته عن ذكر وتسبيح كان منبغيًا له وتساعده الخطة الجماعية عليه وقت ما ألهته الصغائر، وهذا الصدد والصدود شعبة تقرب من الكبائر بالنسبة إليه، ويظل إثمها على الفرد المتسبب أو العامي دون إثمها عليه بكثير.

وفي قصة جريج العابد، الواردة في صحيح البخاري، مغزى جد كبير. ذلك أنه عصى أمه فلم يجبها، انشغا بصلا نافلة، فدعت عليه بالشر، وكان منتهي دعائها أن يري وجه المومسات، فكانت قصته مع البغي المتهمة له وهو من الزنا بريء، فالداعية المتوغل في طريق الدعوة، المتجاوز لمرحلة الابتداء، مثله مثل جريج في عبادته، يكون من أقصى العقوبة له أن يرى امرأة زانية فضلا عن أن يزني بها، فتدبر وتأمل!!

وكذلك يرد هنا في هذا السياق أيضًا التفريق بين المقل والمكثر من هذه الصغائر، والمصر والمستغفر، من باب ما ذكره الفقهاء من أنه (لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار).

وأيضًا فإن النظر إلى المرأة المصلية الملتزمة المحجبة، وهو الذي كان أكثر ما يعنيه الفقهاء، غير النظر الذي تتيحه ظروف الحياة اليوم إلى المتبرجات بسبب سيرهن في الشوارع العامة أو أثناء مخالطتهن في الجامعة وأماكن العمل، مما تكون فيه النظرة الأولى جالبة لثانية دون فضول.

وهذا الذكر لهذه الحقيقة الشرعية في أمر الزنا، والدعوة إلى التشدد إزاء مرتكب الكبيرة فيه، والتساهل إزاء مرتكب فروعه من الصغائر، إنما شأنها شأن حقائق شرعية كان ذكرها مفسدة على بعض المسلمين، لما فهموها فهما ابتداعيا مصحوبا بجهل، ولكن وقوع المفسدة لن يغير من نسبة رجحان ذكر هذه الحقائق ونشر علمها بين المسلمين.

فمن ذلك حديث أبي ذر رضي الله عنه، في دخول قائل لا إله إلا الله الجنة، وكيف أحب أن يبشر بذلك الناس، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- منعه خوفا أن يتكلوا ويدعوا الأعمال، فإن أبا ذر أخبر بهذا الحديث عند  موته خشية منه أن يقع في إثما كتم العلم، وصار حقيقة شرعية وبندًا في العقيدة يهدى أصحاب القلوب الحية ذات النمط الأوسط إلى العدل في الحكم على الناس والتهيب من تكفيرهم بمجرد ولوغهم في المعاصي، مع أن بعض المبتدعة قد استنبط منه التعويل على كلمة الشهادة وعاف العمل.

وكذلك حديث ذاك الذي لا يزيد على الفروض ولا ينقص، الذي أفلح إن صدق، قد اغتر أناس بظاهرة فاعتادوا ترك النوافل، ولكن ذلك لم يمنع البخاري من ذكره كحقيقة شرعية مقرونة بألوف من الأحاديث الصحيحة معه في الترغيب بالخير الزائد على مقدار الفرض، كما لم يمنع غيره من فقهاء الأمة من النص على فسوق من يهجر السنن المؤكدة هجرًا طويلا.

وقس على هذه الأمثال، وتأمل ما سبق ذكره من عوامل الافتراق بين جيلنا الحاضر وأجيال السلف، لينفتح لك باب  مفيد من الاقتناع بأهمية الوقوف عند حدود الشرع في التمييز بين درجات المعاصي، وتصنيفها إلى كبائر ولمم، تخرج منه إلى واقعية تجبرك على مصاحبة الذين قصرت هممهم عن التملص من الصغائر، والرفق بهم، دونما إخلال بكلام تربوي واجب تنصحهم فيه، غير متزمت، ولا لهم بظالم.

إن أخذ مجتمع الدعاة بالشدة في ذلك، وإشاعة عرف بالغ الحساسية إزاء الصغائر، ربما يؤدي إلى نفع عظيم في جودة معادنهم، ويوصلنا إلى نتيجة تربوية جيدة، ولكنه بالمقابل يؤدي إلى جفلة الجدد وزهد الشباب في الانتماء، لقصور هممهم عن متابعة التعفف الكامل، وهي مفسدة تعارض تلك المصلحة التربوية، لابد من مراعاتها.

ومن المهم أن تفهم أن الذي نقوله ما هو بتسويغ للتهاون، وإنما هو دعوة إلى الوقوف مع النمط الوسط الممدوح شرعا الذي لا يجنح إلى تفريط، ولا يرهقه الإفراط.

ومما يقارب هذه المسائل، ونستعمل له نفس التسيوغات: أمر التدخين، فقد يكون الشاب معتادًأ له قبل مخالطته لدعاة الإسلام، ثم ينتمي لهم ولا يستطيع الفكاك من أسره، فنتجاوز عنه، والأصوب في أمر التدخين –والله أعلم- أن لا نجزم بحرمته، ولكن نقول بكراته الشديدة، وأن عرف الدعاة لا يستسيغه، وجعلوا تركه شرطًا للعاملين.

ومثل ذلك ما اختلف فيه الفقهاء الاتقياء، إذا ملنا لرأي المتشددين منهم فيما اختلفوا فيه، كالتأمين، والبيع والشراء بالأقساط بثمن زائد على ثمن التعجيل، فإن لرأي المجوزين وجها يجعل مخالفهم أميل إلى القول بكراهة ذلك من جزمة بالحرمة الشديدة، وعليه أن لا يسارع إلى تضعيف العامل بإفتاء مخالفيه، بل يقتصر على وعظه بالاحتياط والابتعاد عن الشبهات، إلا الاقتراض بالربا والاستفادة نم قروض البنوك العقارية، فإن الذين ذكروا جواز ذلك قد صادموا النصوص الصريحة، وليس لقولهم وجه، ولا لهم من التقوى نصيب واضح يتقوى به خلافهم.

ويداني هذا الأمور ما يفتي به الداعية الحائز لبعض الفقه نفسه في أبواب الضرورات، فربما أحاطته ظروف صعبة يجرؤ معها على فعل شيء لا يجرو المفتى على الترخيص له به، فيعتمد هو على فقه. وما من شك في أن هذا الأمر دقيق للغاية، ويحتاج لاحتياط مضاعف ولكن حد التمييز بين المسموح لهم بذلك والممنوعين هو مقدار الفقه الذي يملكونه فمن آنسنا منه رشدًا، ودلت سابقات على حصول نصيب له من الفقه، فإنا لا نستكبر منه اجتهاده ونطيل له اللسان، بل نعظه بالتقوى والأخذ بالعزيمة فحسب.

 

أنصوفنا معاشر النقاد

وأما السلوك الثاني فإنما يتمثل في واجب منتقدينا نحونا، فنحن نطالبهم بمثل هذه النظرة التي تتقبل أحسن ما عملنا، وتتجاوز عن نقصنا، ثم أ، يدعو الله لنا في أن نكون من أصحاب الجنة.

ولقد أسرف بعضهم في الابتعاد عن هذه النظرة، فأحصى ما يظنه من أخطائنا، مما صدر عن آحاد من دعاة حركتنا، حاولوا الاجتهاد، فبعض أصاب، وبعض أخطأ.

ولو أردنا الاستقصاء في الرد على الشبهات التي يوردها المحصون، لوقعنا في المتاهة النفسية التي تراد لنا، ويكون ثمة انشغال عن وجوه النفع التي نحن ماضون فيجلبها وتحصيلها كل يوم.

ولسنا نضيق صدرًا بنقد يوجه لنا ولا ندعي أن الله سبحانه قد حكر لنا الصواب، لكننا ننكر الخلفية المتوترة لمثل هذا النقد، الشبيهة بالفتنة.

والأساس في ردنا لكل ملاحظة وجهت وتوجه لما: أن الناقدين يغفلون مناقبنا، وجمالنا، وحسننا، ويجردون الأخطاء تجريدًا عما صاحبها من الإصابة، وقارنها من البذل.

إن للدعوة من خلال انتشارها في الأقطار العربية مناقب كثيرة، أقلها حفظ الشباب من الانجراف في المفاسد وإمدادهم بالسكينة الإيمانية، والطمأنينة القلبية في عصر الاضطراب، ولو لم يكن للدعوة إلا هذه المنقبة لكفاها ذلك فخرًا، كيف وأن مناقبها قد سارت كل مسار، فمن صحف تدافع عن قضايا الأمة، وترد على الملحدين، وكتب منهجية تعين الشباب على فهم الإسلام، وقتال اليهود والمستعمرين في فلسطين والقناة، وسعي في إعانة الناس على نيل العلاج الطبي وضرورات الحياة عبر عمل إغاثي واسع، وتوعية سياسية للأمة تقابل خطط الماسونية والصليبية، وأمر بالمعروف ونهي عن منكر الطغاة الظالمين، وإشاعة للقرآن، وتحفيظه، وتعليم آدابه، وإنشاء للمكتبات والمساجد، حتى أن الدعاة قد تجاوزوا في ذلك بذل أموالهم وأوقاتهم إلى بذل أرواحهم ودمائهم، فنقش الرصاص صدورهم، والتفت الحبال على أعناقهم ولفظت أنفاسهم كريمة تحت السياط، وفي غرف التعذيب.

هذه فعالنا، وهذا تاريخنا، وحاضرنا من بعد مرئي مشاهد فلم، يكون تجاوز هذه الصور الفاضلة، والمفاخر المشرفة لكل مسلم صادق الإيمان، ويسعي الناقدون إلى حصر المسألة في جملة أخطاء رصدوها، على فرض أنها أخطاء فعلا وأن الدعاة ليس لهم فياه تأويل؟

والأصل في ذلك نقاء القيادات، وأهليتها للتصدي لمثل ما تصدت له، وإنا لا نعلم بحمد الله فينا إلا كل قائد نجيب نبيل رفيع.

باب مفتوح لكل طارق

أما الاتباع فلا ننكر أن فيهم من قد يخطئ في كلامه أو تصرفه، ولكن لابد من الانتباه إلى مسألة مهمة جدًا حين تقدير ما يصدر عن الأتباع، ذلك أن الدعوة ليست مجمعا للكاملين، وإنما هي مجتمع تربوي يسعى إلى تربية كل وافد إليه إذا كان مبتعدًا عن الكبائر، شريفا في الناس، وإذا قيل: إن فلانا قد صار من جملة شباب الدعوة فليس معنى ذلك أنه قد استكمل الإيمان وحاز العلم من أقطاره، ولكننا حين نصفه بذلك فإننا نعني أنه قد رضي بأن يربيه الدعاة، وأنه قد بدأ السير وفق المنهج الأصح.

وعلى هذا فإن الأتباع، وحتى القادة، متفاوتون في كمية حيازة خصال الإيمان وعلوم الشرع التي تجعل أعمالهم صائبة، فمنهم المبتدئ الذي قد يخطئ، ومنهم المتوسط في ذلك، ومنهم الذي كثف خيره، وعبق عطره.

وليست دلالة القدم أكيدة في ذلك، وإنما هي طاقات مختلفة من التحمل والصبر والذكاء والشجاعة، ولربما تجد القديم في منازل المبتدئين مراوحا إذا لم يكن له مقدار وافر من هذه الخصال الابتدائية، فقد يخطئ في تعامله، أو في كتاباته وأقواله.

وأمر التجميع وقبول الأتباع في الصف يعتمد إلى حد كبير على الفراسة عند المربين والقادة، والفراسة من شأنها أن تصيب أو تخطئ، والقاعدة التي نتبعها: أن نفتح بابنا لكل طارق أمين مهما قل خيره، طالما جاءنا طامعا  في أن يقف في صف صلاتنا خلف إمامنا.

 

نحاسب بالحسني ولا نفضح

والحقيقة أن أكثر أخطاء الأعضاء محاسبون عليها، وتشهد على ذلك قصص فيها مفخرة للقيادات في حرصها على الحسبة ونقاء الصف، وتقويم الإعوجاج، ولكنها لا تذيع ذلك أو تنشره، لأن في المقصرين الذين حوسبوا شعبا وأنواعا من الخير لا يراد لها أن تضمحل أ, تموت بالتشهير، ولو أذاعت القيادات محاضر محاوراتها لأمثال هؤلاء المقصرين، معاتبة ومرشدة ومنبهة لهم، لوقعت في الخطأ الذي نعيبه هنا، ولكنه الستر على أهل الخير يستغله الناقدون بلا علم، فيقدمون على الجرح والقدح بجرأة، في موطن تهيبت فهي القيادات واستحسنت الهدوء في معالج الأمر الذي هيج الناقدين.

 

لا نرضى ببدعة

وفي الواقع أن أكثر الانتقادات التي توجه يمكن ردها بسهولة، ونستطيع أن نقنع المنتقد بوجهة نظرنا إذا كان سليم الطوية، صادرًا عن حب في الإصلاح ما استطاع.

وخذ مثلا في ذلك ما يشاع عن الجماعة من أنها لا تحارب البدع، مع أن كل ناظر إلى سيرة الإمام حسن البنا رحمه الله يدرك صفاء عقيدته، وبدعه عن البدع، ومحاربته لها، وكفاه بالأصول العشرين وثيقة يضعها بين يدي ربه تعالى يحاجج بها ويدلل على قيامه بواجبه السني الاتباعي إزاء الابتداع، وما زالت جماهير المنتسبين إلى دعوته تتدارس هذه الأصول وتشرحها، وتنشرها بين الناس.

 

السياسة كلها ترجيح بين المصالح

ويتداول حديث عن أخطاء سياسية ترتكبها القيادات، وما هي بأخطاء في حقيقتها لمن أمعن النظر، لكنه تفضيل بين المصالح، واتباع لقاعدة الفقهاء في الحرص على أكبر المعروفين عند تعارضها، ولو بتفويت أدناهما، واحتمال أيسر العارضتين لإبعاد أعظمهما وأكبرهما.

ولقد أطال الإمام ابن تيمية رحمه الله النفس في بيان هذه القاعدة وتصويبها والأمر بالعمل بها، حتى أنه أفتى في هذا الباب بإفتاءات يظنها من لا يخبر السياسة غريبة معيبة.

وأغلب هذه المواقف المنتقدة على الحركة مخرجة على هذه القاعدة في الموازنة بين مراتب المعروف والمنكر ودرجات المصالح والمفاسد، فما من تعاون مع حزب معيب، أو تصريح بثناء على فعلة حسنة من حاكم لم يتم إسلامه، أو ما شابه ذلك، إلا وللقيادات فيها تأويل مستخرج وفق هذا الافتاء.

ولا ندعي أن كل هذه التصرفات المعتمدة على هذه القاعدة كانت صوابا دومًا في نتائجها، فإن ذلك ليس ركنا في توثيق المسلم، إنما هو يجتهد في باب السياسة كما في غيرها، فيصيب ويخطئ تبعا لمدى فراسته، وطويل تجربته، إنما الركن المهم هو أن هذا التأويل والاجتهاد يستند إلى أقوال معتمدة في مذاهب أعيان الفقهاء القدماء.

ومع ذلك فلا يمكن للقيادات على طول الخط أن تكشف حوارها حين تقرير مثل هذه الخطوات القائمة على الموازنة بين المصالح والمفاسد، ذلك لأنها قد تعتمد عل أسرار لا يسوغ كشفها، أو تسويغات مضمرة لا تريد أن يتسرب علمها إلى أعداء الإسلام، فيحورون خطتهم العدائية تبعًا لذلك.

وقد جري العرف عندنا على الاستقلال في العمل، والدعوة إلى زوال الأحزاب، ومقارعة الظالمين، ومضت هذه المعاني أصولا في التخطيط السياسي، وأفصح عنها كلها الإمام البنا رحمه الله في رسائله، ولا تكون موازناتنا بين درجات المصالح إلا على ضوء هذه القواعد.

فأنصف أيها الناقد، ذلك خير، وكفاك هذا أيها الداعية، لا تطلب الرد حرفا بحرف، فإنها متاهة والله متاهة الردود... وعوائق.

إن هذه الانتقادات الجزافية هي من جهل الناقدين، وقلة إنصافهم، ولولا أن البعض نم علماء الأمة قد ابتلي بمثل هذا الأذى المعنوي على مر العصور لظننا أنه عقوبة ربانية تحيط بنا، ولكن يبدو أن مثل هذه التشويشات والفتن سنة من سنن العمل الإسلامي، والعاصم منها أن ندعو بدعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- فنقول: ( اللهم إنا نعوذ بك من أن نجهل أو يجهل علينا).

|السابق| [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error