ما برح مقدار إدراك معنى الأخوة يميز ويفاضل بين الدعاة. ولن يرتقي داعية إلى أوج الوعي إلا إذا اعتبر إبراز خلق الأخوة الإيمانية وتعليم موازين الإخاء هدفا أساسيًا من بين أهداف الدعوة الإسلامية، وإلا إذا أدرك أن إحلال هذا الخلق في التعامل الواقعي بين المسلمين، وتجسيده في صورة جماعة عمل متآخية، يخول الدعوة دعاء النجاح، ويمنحها لوحدة مسوغ الوجود حتى ولو لم تصب سرعة التأثير، أو صد عنها جمهور سذج الناس صدودًا.
أخوة العمل لله
إنها أخوة العقيدة التي يكفي تمثلها في فئة قليلة، تورثها بالتعليم إلى خلف يواصل إحياءها.
وإنها أخوة العمل التي تتخطى الألوان والأقوام، وتمزج العاملين معًا، لتفني خصائصهم، وتكون ثم سبيكة تجيب طارقها برنين واحد متجانس:
إن يبل مصطنع الإخاء فإننا نغدو ونسري في إخاء تالد
أو يختلف ماء الوصال فماؤنا عذب تحدر من غمام واحد
أو يفترق نسب يؤلف بيننا عمل أقمناه مقام الوالد
إفاء، ووصال وعمل.
نبضات تعني أمل الحياة.
ونغمات تسلي القافلة السارية نحو فجر جديد.
فمن عرف فضل الحادي، واستحلى الإنصات لنبضات قلبه، تشعره استمرارية الحياة حين سكون الجسد، لا شك يسوؤه التشويش، وتقطع لذته الهزة.
وبمقدار ما يكون إدراك مغزي الإخاء وما يؤدي إليه من فقه الطاعة ساميًا، يكون تلبيس التشويش، وما يؤدي إليه من الافتراق، ويذهب الواقف بإزاء كل منهما بنصيبه وحظه، هذا بسموه وما نال، وهذا بتيهه وما فقد.
ولقد قالها الشيخ حامد عسكرية رحمه الله في أنفار شوشوا على الإمام رحمه الله، وأشار إليهم أن:
( هؤلاء لا خير فيهم، فقد فقدوا إدراكهم لسمو الدعوة، وفقدوا إيمانهم لطاعة القيادة، ومن فقد هذين فلا خير فيه في صفنا)().
بل وأكثر من مجرد حرمان الصف من خيرهم، فإن الفتنة إذا بدأت مبكرة في المجموعة العاملة، أو جددت وأحيت ما كان قد قطع من جذور فرقة قديمة، فإنها توفر مناخا نفسيا دائما في الأجيال اللاحقة يسمح بتكرار الافتتان، وربما عذر المقلد، وناء الرائد بإثمه، بما سن من بدعة تغري المتأخر وتستجيش.
بداية الفتنة تأويل
وسبب ذلك أحيانًا: أن القلب كالعين في إبصارها، فتجد عينا لا تبصر البعيد، وأخرى لا تبصر بمجرد ضباب طفيف أو غبار خفيف فضلا عن أن تكون في ظلام.
فإبصار القلب تابع لقوة الفقه ونور الإيمان ومقدارهما، وكلما كان الأمر المختلف يه من سياسة الدعوة لا يضبطه نص واضح، ويلزم فيه الرجوع إلى القواعد العامة وقواعد جلب المصالح وسد المفاسد وأبواب الشبهات: كان استنباط الفقه فيه أصعب، والفتوى به تحليلا وتحريما، أو استحبابا وكراهة: أشد صعوبة، لأن التأويل له مجال في الحكم آنذاك، ولو نظرنا إلى فقهاء القرون الأولى لوجدنا أنهم ألزموا أنفسهم باحتياطات كثيرة في هذه الأبواب من السياسة الشرعية، ومع ذلك أخطأ بعضهم وأتي بالغريب الذي يأباه جمهور الفقهاء، فكيف بنا نحن في هذا الزمن المتأخر؟
ثم أتم الإمام البنا رحمه الله فقه الأوائل، فوضع أصولا صحيحة لسير الدعوة ومراحلها، ومفاهيم عامة تحدد إطار الفكرة وأساليب التعبير، وتلبس الرعيل الأول الذين معه بكل ذلك، وبإرشاده: أطالوا مرحلة التربية، وجردوا الدعوة على أساس عقائدي، وابتعدوا عن التحالف مع الأحزاب، وحذروا أن يقعوا في هيمنة الكبراء. غير أن البعض دخلوا باب التأ,يل تدريجا، ومالوا عن التربية الأصيلة المعهودة إلى استعجال يضطرون معه إلى تساهل في توثيق الرجال، فأبعدتهم تأويلاتهم عن جوهر الدعوة الذي عرفت به، كما أبعدت سلفهم في صدر الإسلام عن جوهر الإسلام، مع غلبة الورع آنذاك.
ومثلما رأينا انتصار صاحب كل تأويل إلى تأويله حين أنكر عليهم جمهور التابعين والفقهاء، فنشأ القول بالقدر والتجهم والاعتزال والإرجاء والخروج، نرى اليوم تواصيا لمتأولة، ونشوء فقه غريب يجيز باسم مصلحة الدعوة تجهما في الوجه، وتهجما في اللسان، واعتزالا للعمل، وخروجا عن البيعة، لا يدرون أن ذلك ما هو بالجديد.
سواد ينتشر
ولتحذير هذا المعدن الأول الآخر، القديم، الجديد: ضرب الله مثلا، فأمرنا أولا بالوفاء فقال:
" وَأَوْفُوا بöعَهْدö اللهö إöذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكöيدöهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفöيلاً إöنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ".
(والوفاء بعهد الله يشمل بيعة المسلمين للرسول -صلى الله عليه وسلم- ويشمل كل عهد على معروف يأمر به الله) ().
ثم قال لمن له قلب يحذر:
(وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتöي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مöن بَعْدö قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخöذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ).
(فمثل من ينقض العهد مثل امرأة حمقاء ملتاثة ضعيفة العزم والرأي، تفتل غزلها، ثم تنقضه مرة أخرى قطعا منكوثة ومحلولة)().
ويجئ كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- يبين أمثال الله تعالى التي يضربها للناس، ويوضح أنها مسألة استعداد في بعض القلوب لقبول الافتتان، فمن الناس من جعل الله فيه فطرة صالحة تنكر الفتن، ومنهم من يأبى بعض الهداية فيضله الله، فمن أباها ابتداء: أباها انتهاء،÷ ومن رحب بها ابتداء: طبعت في قلبه سوادًا يظل يتسع حتى يتم أسوداده مع نهايتها، كما ورد في الحديث الصحيح عند مسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:
(تعرض الفتن على القلوب كالحصير، عودا عودًا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبيين، على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًأ، كالكوز مجخيا، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه)().
وربما يملك القلب الاستعداد للفتنة، لكن وقت الرخاء والعافية لا يفضحه ويتستر عليه، فإذا اكتنفته الشبهات، وهيجته المهيجات، انفضح وانكشف.
وشبهوه في ذلك بصاحب الصدر المريض، ما أحسن تنفسه أيام الصفاء، فإذا أثارت الريح الغبار: لهث، وضاف نفسه، واختنق.
أو كحوض ماء راكد، ترسب الطين في قعره، تلقي فيه حجرًا صغيرًا فيختلط كله وقد كنت تظنه زلزلا، أما الحوض النظيف، فإن إلقاء الحجر فيه يزيده جمالا، بما أحدث من دوائر الأمواج التي تعكس ظلال الأغصان الخضراء.
انظر آثار حجر الفتنة في القلوب تحكم عليها، ولا تغترن بظاهر من الركود موهم، ولا تستكبرون وصفنا للمفتتن أنه كالكوز المنكوس، فكم رأينا من انتهت به أيامه إلى ترك الصلاة.
الدعوة محفوظة
واعلم أن من أبي: لن يضر الدعوة شيئا، فإنها محفوظة، وليس لما تبني يد الله هادم، وأن قول المخلص يخلص صدقه، وتأبي فما تزكو لباغ بواطله.
وكما قال عبد القادر عودة رحمه الله:
(إنها دعوة الله وليست دعوة أشخاص، وإن الله علم المسلمين أن الدعوة ترتبط به ولا ترتبط بالدعاة إليها، وأن حظ الأشخاص منها أن من عمل لها أكرمه الله بعمله، ومن ترك العمل لها فقد أبعد الخير عن نفسه، وما يضر الدعوة شيئا)().
بل لاحظ الإمام البنا رحمه الله حدوث النفع للدعوة، فروى أنه لما أصدر أحد المخالفين كراسا يهاجم فيه القائمين بأمر الدعوة، ورد عليه القائمون، (ما كاد هذا الرد ينشر حتى تلقفه الناس، ولفتت هذه الحركة أنظارهم إلى الدعوة، وأخذوا يهتمون بكل ما يتصل بالجماعة، فكانت تلك الحركة من أكبر العوامل على انتشار وانضمام عناصر كثيرة من الناس().
النسافات
ولهذا أشفق الأولون على أهل الفتن، وحذروهم سوء العاقبة فكان حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقول:
(إياكم والفتن، لا يشخص إليها أحد، فوالله ما شخص إليها أحد إلا نسفته، كما ينسف السيل الدمن).
ويصور لنا قتادة بن دعامة رحمه الله، وهو أحد أجلاء التابعين، تجربة فتنة رآها، ويضع أمامنا نتائجها التي رآها فيقول:
(قد رأينا والله أقوامًا يسرعون إلى الفتن وينزعون فيها، وأمسك أقوام عن ذلك هيبة لله ومخافة منه، فلما انكشفت: ذا الذين أمسكوا أطيب نفسا، وأثلج صدورًا، وأخف ظهورًا من الذين أسرعوا إليها وينزعون فيها، وصارت أعمال أولئك حزازات على قلوبهم كلما ذكروها. وأيم الله! لو أن الناس كانوا يعرفون منها إذا أقبلت ما عرفوا منها إذ أدبرت لعقل فيها جيل من الناس كثير).
ووالله قد رأينا ما رأى قتادة، وعرفنا بعض من شارك في الفتن تكاد أجسادهم تتهدم وقلوبهم تتقطع كلما ذكروا ما كانوا فيه من العز، وما آل إليه أمرهم بعد من الإنغمار.
ولا ينجو من هذه الفتن إلا السيد، صاحب أخلاق السيادة، الحليم، المحب للتوبة، فإنه قد ينخدع بزخارف يصوغها المفتتن، لكنه سرعان ما يرجع إلى رشده وصوابه، وهو ثالث الثلاثة الذين عددهم حذيفة حين قال:
(إن الفتنة وكلت بثلاث:
بالحاد النحرير الذي لا يرتفع له شيء إلا قمعه بالسيف.
وبالخطيب الذي يدعو إليها.
وبالسيد.
فأما هذان فتبطحهما لوجوهما.
وأما السيد فتبحثه، حتى تبلوا ما عنده).
فالحاد النحرير ليس له رجاء النجاة.
والخطيب فيها صاحب سيف أيضًا، كما قال ابن عباس في بعض ما يؤثر عنه: أن سيفه لسانه، فهو مع صاحبه.
إلا السيد، فإن الفتنة هي امتحان له، فإن كانت أخلاق السيادة فيه أكثر ميزها، وإن كانت أقل جرفته، فقد يفيق في أولها، وقد يفيق في وسطها، وقد يفيق وهي على مشارف نهايتها، بمقدار ما فيه من النبل، وبمقدار ما عنده من العلم، فإن (الفتنة إذا أقبلت: عرفها كل عالم، وإذا أدبرت: عرفها كل جاهل) كما يقول الحسن البصري سيد التابعين()، فإن كان علمه كاملا: أبصرها قبل مجيئها ورأى نتائجها وكأنه يهتك حجب الغيب، ويتأخر وقت إدراكه لضررها كلما كان علمه أقل، فإذا انتهت فلا فضل له في رؤية تشتت دعاتها وإفلاسهم، فإنها تكون مشاهدة بصر لا إدراك قلب، يتمكن منها من لا عقل له أيضًا، وعندئذ لن تنقذه إلا توبة نصوحة جازمة تبعده عن فتنة مقبلة أخرى، يتزود لها التقوى، ويأتم بالدليل، ويسلك الصراط، ويدور بعدها ضمن نظام الجماعة وخطتها وأعرافها.