الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث
المؤلف: محمد الغزالي
التصنيف: طلابي
 

محتويات الكتاب

نماذج للرأي.. والرواية

ِ صحة الحديث وشروطه

ِ هل يعذب الميت ببكاء أهله عليه؟

ِ دائرة القصاص

ِ تحية المسجد

ِ حديث دنا الجبار فتدلى

ِ تحقيق لعائشة

ِ فتوى رعناء...

ِ موسى وملك الموت

ِ متهم برئ

ِ هل نعي الموتى حرام؟

ِ فضل الشام…!

ِ نفقة المطلقة ثلاثا

ِ إكراه الفتاة على الزواج من تكره.

 

توثيق الأخبار لون من إحقاق الحق وإبطال الباطل. وقد اهتم المسلمون اهتماما شديدا بهذا الجانب من المعرفة والاستدلال، لاسيما إذا اتصل الأمر بسيرة نبيهم وما ينسب اليه من قول أو عمل...

إن هناك طريقا واحدا لإرضاء الله سبحانه وتعالى ونيل محبته، هو إتباع محمد ِ صلى الله عليه وسلم ِ واقتفاء آثاره والسير على سنته لقوله تعالى: «قل: إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم...»(3).

وأمتنا، من تاريخ بعيد، تصون التراث النبوي، وتحميه من الأوهام، وتعد الكذب على صاحب الرسالة طريق الخلود  في النار، لأنه تزوير للدين وافتراء على الله لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار».

وقد وضع  علماء السنة خمسة شروط لقبول الأحاديث النبوية: ثلاثة منها في السند، واثنان في المتن:

1 ِ فلابد في السند من راو واع يضبط ما يسمع، ويحكيه بعدئذ طبق الأصل...

2 ِ ومع هذا الوعي الذكي لابد من خلق متين وضمير يتقي الله ويرفض أي تحريف.

3 ِ وهاتان الصفتان يجب أن يطردا في سلسلة الرواة، فإذا اختلتا في راو أو اضطربت إحداهما فإن الحديث يسقط عن درجة الصحة.

وننظر بعد السند المقبول الى المتن الذي جاء به، أي الى نص الحديث نفسه..

4 ِ فيجب ألا يكون شاذا.

5 ِ وألا تكون به علة قادحة.

والشذوذ أن يخالف الراوي الثقة من هو أوثق به.. والعلة القادحة عيب يبصره المحققون في الحديث فيردونه به..

وهذه الشروط ضمان كاف لدقة النقل وقبول الآثار. بل لا أعرف في تاريخ الثقافة الإنسانية نظيرا لهذا التأصيل والتوثيق.. والمهم هو إحسان التطبيق..!

وقد توفر للسنة المحمدية علماء أولو غيرة وتقوى بلغوا بها المدى. وكانت غربلتهم للأسانيد مثار الثناء والإعجاب. ثم انضم اليهم الفقهاء في ملاحظة المتون، واستبعاد الشاذ والمعلول..

ذلك أن الحكم بسلامة المتن يتطلب علما بالقرآن الكريم، وإحاطة بدلالاته القريبة والبعيدة، وعلما آخر بشتى المرويات المنقولة لإمكان الموازنة والترجيح بين بعضها والبعض الآخر.

والواقع أن عمل الفقهاء متمم لعمل المحدثين، وحارس للسنة من أي خلل قد يتسلل اليها عن ذهول أو تساهل..

إن في السنة متواترا له حكم القرآن الكريم، وفيها الصحيح المشهور الذي يفسر العموم والمطلق في كتاب الله، وفيها حشد كبير من أحكام الفروع التي اشتغلت بها المذاهب الفقهية بعد م اتفقت على أن السنة المصدر الثاني للأحكام.

وقد يصح الحديث سندا ويضعف متنا بعد اكتشاف الفقهاء لعلة كامنة فيه.

واكتشاف الشذوذ والعلة في متن الحديث ليس حكرا على علماء السنة، فإن علماء التفسير والأصول والكلام والفقه مسئولون عن ذلك، بل ربما ربت مسئوليتهم على غيرهم..

ألم تر إلى ابن حجر شارح صحيح البخاري في كتابه الجليل فتح الباري الذي قال فيه العلماء بحق لا هجرة بعد الفتح!! إن الرجل على صدارته في علوم السنة قوى حديث الغرانيق وأعطاه إشارة خضراء فمر بين الناس يفسد الدين والدنيا، والحديث المذكور من وضع الزنادقة، يدرك ذلك العلماء الراسخون!.

وقد انخدع به الشيخ محمد بن عبد الوهاب فجعله في السيرة التي كتبها عن رسوله الله صلى الله عليه وسلم والشيخ هو من هو غيرة على عقيدة التوحيد ودفاعا عنها..

ثم جاء الوغد الهندي سلمان رشدي فاعتمد على هذا الحديث المكذوب في تسمية روايته «آيات شيطانية!».

أليس من حق علماء الكلام والفقه والتفسير أن يحاربوا هذا القذى؟ بل إن حراس السنة الصحيحة رفضوا هذا الحديث المحقور..

وفي هذه الأيام صدر تصحيح من الشيخ الألباني لحديث «لحم البقر داء» وكل متدبر للقرآن الكريم يدرك أن الحديث لا قيمة له، مهما كان سنده!.

إن الله تعالى في موضعين من كتابه أباح لحم البقر وامتن به عل الناس فكيف يكون داء؟.

في سورة الأنعام يقول «ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين» ثم يفصل ما أباح أكله فيقول: «ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين» ثم يقول: «ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين…» فأين موضع الداء في هذه اللحوم المباحة على سواء؟.

وفي سورة الحج يقول «والبدن جعلناها لكم من شعائر الله، لكم فيها خير، فاذكروا اسم الله عيها صواف، فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر، كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون».

والبدن هي الإبل والبقر والجاموس! فأين الداء فيها؟.

عيب بعض الذين يشتغلون بالحديث قصورهم في تدبر القرآن وفقه أحكامه فلم الغرور مع هذا القصور؟ ولماذا يستكثرون على يرهم من رجال الفكر الإسلامي الرحب أن يكتشفوا علة هنا أو شذوذا هناك!.

إن التعاون في ضبط التراث النبوي مطلوب، ومتن الحديث قد يتناول عقائد وعبادات ومعاملات يشتغل بها علماء المعقول والمنقول جميعا وقد يتناول الحديث شئون الدعوة والحرب واسلام، فلماذا يحرم علماء هذه الآفاق المهمة من النظر في المتون المروية؟.. وما قيمة حديث صحيح السند عليل المتن؟؟.

على أن هناك آلافا من الأحاديث الخالية من العلل والشذوذ تم تسجيلها في دواوين السنة، فإذا بقى نزر يسير يتعاون في ضبطه الفقهاء والمحدثون فذلك خير وأولى..

وفي عصرنا ظهر فتيان سوء يتطاولون على أئمة الفقه باسم الدفاع عن الحديث النبوي، مع أن الفقهاء ما حادوا عن السنة، ولا استهانوا بحديث صحت نسبته وسلم متنه. وكل ما فعلوه أنهم اكتشفوا عللا في بعض المرويات وفردوها ِ وفق المنهج العلمي المدروس ِ وأرشدوا الأمة الى ما هو أصدق قيلا وأهدى سبيلا…

وهم بهذا المنهج يتأسون بالصحابة والتابعين. انظر موقف عائشة رضى اله عنها عندما سمعت حديث إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه! لقد أنكرته، وحلفت أن الرسول ما قاله، وقالت ِ بيانا لرفضها إياه ِ «أين منكم قول الله سبحانه «لا تزر وازرة وزر أخرى»(4).

إنها ترد ما يخالف القرآن بجرأة وثقة، ومع ذلك فإن هذا الحديث المرفوض من عائشة ما يزال مثبتا في الصحاح بل إن «ابن سعد» في طبقاته الكبرى كرره في بضعة أسانيد!.

قال: أخبرنا ثابت عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب لما طعن عولت حفصة، فقال: يا حفصة أما سمعت النبي ِ صلى الله عليه وسلم ِ يقول إن المعول عليه يعذب؟ قال: وعول صهيب فقال عمر: يا صهيب أما علمت أن المعول عليه يعذب؟.

وقال: أخبرنا ابن عون عن محمد قال: لما أصيب عمر حمل فأدخل فقال صهيب: واأخاه!.

فقال عمر: ويحك يا صهيب أما علمت أن المعول عليه يعذب؟.

وقال: أخبرنا أبو عقيل قال: أخبرنا محمد بن سيرين قال: أتى عمر بن الخطاب بشراب حين طعن فخرج من جراحته، فقال صهيب: واعمراه واأخاه، من لنا بعدك؟.

فقال له عمر: مه يا أخي أما شعرت أنه من يعول عليه يعذب؟.

وقال: أخبرنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الملك بن عمير عن أبي بردة عن أبيه قال: لما طعن عمر أقبل صهيب يبكي رافعا صوته، فقال عمر: أعلي؟ق قال: نعم، قال عمر: أما علمت أن رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ قال: من يبك عليه يعذب؟.

قال عبد الملك: فحدثني موسى بن طالب عن عائشة أنها قالت: أولئك الذين يعذب أمواتهم ببكاء أحيائهم، هم الكفار.

والذي تؤكده عائشة أن الرسول ِ صلى الله عليه وسلم ِ قال: إن الكافر يعذب ببكاء أهله عليه..

فعن ابن أبي مليكة قال: توفيت ابنة لعثمان رضي الله عنه بمكة، وجئنا لنشهدها وحضرها ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما وإني لجالس بينهما...

فقال عبد الله بن عمر لعمرو بن عثمان: ألا تنهي النساء عن البكاء؟ فإن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» قال ابن عباس: قد كان عمر يقول بعض ذلك.. فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة، فقالت: رحم الله عمر! واله ما حدث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن الميت يعذب ببكاء أهله عيه، ولكن رسول الله قال: «إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه».

وقالت: حسبكم القرآن «ولا تزر وازرة وزر أخرى».

قال ابن عباس عن ذلك: واله هو أضحك وأبكى ِ يعني أن بكاء الراحلين طبع لا حرج فيه ولا تثريب عليه ِ قال ابن أبي مليكة: والله ما قال ابن عمر شيئا..!

وماذا يقول؟ إن الخطأ غير مستبعد على راو ولو كان في جلالة ابن عمر..

وعندي أن ذلك المسلك الذي سلكته أم المؤمنين أساس لمحاكمة الصحاح الى نصوص الكتاب الكرمي، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه...

من أجل ذلك كان أئمة الفقه الإسلامي يقررون الأحكام وفق اجتهاد رحب، يعتمد على القرآن أولا، فإذا وجدوا في ركام المرويات ما يتسق معه قبلوه، وإلا فالقرآن أولى بالاتباع.

رد البعض على هذا كله بأن معنى تعذيب الميت ببكاء أهله عليه أن الميت يتعذب أي يتألم، لا أن الله يعذبه! وهو تأويل لطيف، وإذا قبلناه لم يختلف الحديث مع الكتاب الكريم! ولكن دون هذا التأويل صعوبات: منها أن عائشة تحلف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه، ولم يذكر المؤمن!.

وقد يقال: ولماذا يعذب الكافر بما لم يقترف؟ أليف ذلك ظلما؟ والجواب في قوله تعالى «ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون» وما يزاد في عذاب الكافر لأنه سبب في إضلال غيره.

والقول بأن المؤمن يتألم بعد موته لبكاء أهله مخالف للآية «إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة الا تخافوا ولا تحزنوا، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون» روى ابن كثير أن ذلك عند الموت، ونقل عن زيد ابن أسلم «يبشرونه عند موته، وفي قبره، وحين يبعث» وعلق على ذلك بأن هذا القول يجمع الأقوال كلها، وهو حسن جدا، وهو الواقع! فاين يتعذب والحالة هذه؟ إن الله مطمئنه على ما ترك، وما سيلقى.

وقد بشر الله الشهداء بأن من تركوهم سوف يلحقون بهم في حين «ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون»..

إننا لا نحرص على تضعيف حديث يمكن تصحيحه، وإنما نحرص على أن يعمل الحديث داخل سياج من دلالات القرآن القريبة أو البعيدة.

وحديث الآحاد يفقد صحته بالشذوذ والعلة القادحة، وإن صح سنده..

فأبو حنيفة يرى أن من قاتلنا من أفراد الكفار قاتلناه، فإن قتل فإلى حيث القت، أما من له ذمة وعهد فقاتله يقتص منه.

ومن ثم رفض حيث لا يقتل مسلم في كافر، مع صحة سنده، لأن المتن معلول بمخالفته للنص القرآني «النفس بالنفس»(5) وقول الله بعد ذلك «فاحكم بنيهم بما أنزل الله»(6).

وقوله «أفحكم الجاهلية يبغون»(7)؟

وعند التأمل نرى الفقه الحنفي أدنى الى العدالة، وإلى مواثيق حقوق الإنسان، والى احترام النفس البشرية دون نظر الى البياض والسواد، أو الحرية والعبودية، أو الكفر والايمان.

لو قتل فيلسوف، كانس طريق، قتل فيه! فالنفس بالنفس..!!

وقاعدة التعامل مع مخالفينا في الدين ومشاركينا في المجتمع أن لهم ما لنا وعليهم ما علينا، فكيف يهدر دم قتيلهم؟.

وقد بلغني أن بدويا قتل مهندسا أمريكيا في احدى دول الخليج، وقال أهل الحديث لا يجوز القصاص! وشعرت الحكومة بالحرج، ولكن تم الخروج من المأزق بقتل المجرم من باب السياسة الشرعية!.

القصاص شريعة الله، وهو ظاهر القرآن الكريم، والأحناف يقدمون ظاهر القرآن على حديث الآحاد، والمالكيون يقدمون عمل أهل المدين على حديث الآحاد باعتبار أن عمل أهل المدينة أدل على السنة النبوية من حيث راو واحد.

وقد أمضى مالك القصاص للفرع من الأصل، إذا كان الأب القاتل قد أقدم على الجريمة عامدا مصرا مغتالا، وترك الحديث الوارد بمنع هذا القصاص مع صحة سنده..

وأهل الحديث يجعلون دية المرأة على النصف من دية الرجل، وهذه سوأة فكرية وخلقية رفضها الفقهاء المحققون!.

فالدية في القرآن واحدة للرجل والمرأة، والزعم بأن دم المرأة أرخص، وحقها أهون زعم كاذب مخالف لظاهر الكتاب.

إن الرجل يقتل في المرأة كما تقتل المرأة في الرجل، فدمهما سواء باتفاق،  فما الذي يجعل دية دون دية؟.

كنت في مجلس مع أستاذنا مصطفى الزقا، فقال لي: إن الدية تعويض عن مفقود! وفي العوض يلاحظ التكافؤ ومقتل الرجل خسارة للاسرة أفدح من مقتل المرأة، والفقهاء لم يفكروا قط في إهانة المرة ماديا أو أدبيا، وإنما نظروا في قيمة العوض المطلوب!.

ثم قال: إن القوانين الغربية لم تسو بين المرأة والرجل في أجر العمل، ولم تسو بينهما في تصرفات مالية شتى، إنما سوت بينهما في فرص اللذة الحرام والحلال!!.

وقال الأستاذ معروف الدواليبي: إنه  عندما كان يشارك في وضع القوانين في باكستان على اساس الشريعة الإسلامية سوى في الدية بين الرجل والمرأة، إيثارا للرأي القائل بذلك، واستئناسا بمسلك عثمان بن عفان الذي أكمل دية الذمى وكانت على النصف من دية المسلم...

قال: رأينا أن نسد الطريق على من يتهمون الإسلام بانتقاص مكانة المرأة.

وفي مسلك الخليفة الراشد الثالث ما يدل على إمكان التغيير إذا تغيرت الأوضاع، ويبدو أن أهل الذمة اندمجوا في المجتمع الإسلامي عن إخلاص فرأى عثمان طمأنتهم على مكانتهم بتعزيز دياتهم!!.

على أن الفقه الحنفي يسوي في الدماء والديات بين الجميع...

وقد فكرت في السبب الذي جعل الأحناف والمالكية يكرهون تحية المسجد والإمام يخطب مع ورود حديث بطلب هذه التحية!.

وبعد تأمل يسير رأيت أن خطبة الجمعة شرعت بعد الهجرة، وظل المسلمون يصلون الجمع وراء النبي ِ  عليه الصلاة والسلام ِ عشر سنين! أي أن هناك نحو خمسمائة خطبة ألقيت خلال هذه المدة، فأين هي؟.

إن المحدثين لم يملوا تسجيل كلمة عابرة، أو فتوى خاصة، أو إجابة لسائل، فكيف تركوا هذه الخطب؟.

كل ما دونوه بضع خطب لا تبلغ أصابع اليد؟.

الواقع أن النبي ِ عليه الصلاة والسلام ِ كان يخطب الناس بالقرآن الكريم، وعندما يكون على منبره أو في محرابه يتلو كتابه، فعلى الجميع الصمت والتدبر.

يستحيل أن ينشغل عنه أحد بقراءة أو بصلاة!.

كذلك جاء التوجيه الإلهي «وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون»(8) إن رب العالمين يستمع الى نبيه وهو يقرأ كما جاء في الحديث الشريف «ما أذن الله لشيء أذنبه النبي يقرأ القرآن يتغنى به» فكيف يتشاغل عنه الناس؟.

كانت السنة إذن هي الاستماع للخطب، وما جاء في حديث الأمر بتحية المسجد كان حالة خاصة بالرجل المذكور، وظلت السنة العملية تمنع الكلام والصلاة في أثناء الخطبة، بل إن مالكا أبطل هذه الصلاة، وما أظن صاحب الموطأ يتهم بمعاداة سنة ثابتة.

وندع قضية الخطب فيها سهل، الى قضية علمية مهمة لها وزنها، ولا نحب أن نجعل مها قضية عقائدية.

من الذي نزل بالقرآن الكريم على صاحب الرسالة العظمى محمد بن عبد الله؟.

يقول المسلمون خصتهم وعامتهم إنه أمين الوحي جبريل..! وليس هذا القول وليد إشاعة لا يدرى مصدرها! بل هو قول مستند الى المتواتر من الكتاب والسنة جميعا..

واذكر هنا خمسة مواضع في القرآن الكريم تؤيد هذه الحقيقة..

1 ِ «قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن اله مصداقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين»(9) والآية واضحة الدلالة..

2 ِ «قل نزله روح القدس ن ربك بالحق، ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين»(10) وروح القدس هو جبريل، وهو عبد لله وليس إلها كما يتوهم البعض.

وفي هذه الآية والتي سبقتها نلحظ أن الوحي الأعلى هداية وبشرى، هداية للشعوب الحائرة، وبشرى تورث الأفراح وتحقق الآمال لمن يرتبطون بهذا الوحي...!

3 ِ «وإنه لتنزيل رب العالمين.. نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين. بلسان عربي مبين. وإنه لفي زبر الأولين»(11). وظاهر أن الذي نزل بالوحي هو الروح الأمين وأن الرسول الكريم شرع يعلم الناس. ويدعوهم بعدما تلقى هذا الوحي المبارك، وأن رسالته تصديق وامتداد لرسالات النبيين الأولين في العقائد وحسن الخلق.

4 ِ وقد أقسم الله تبارك وتعالى عِلى عِظمة هذا القرآن فقال: «إنه لقول رسول كريم. ذي قوة عند ذي العرش مكين. مطاع ثم أمين»(12).

ونلحظ هنا عدة أوصاف لأمين الوحي، فهو رسول كريم، وهو صاحب قوة، وهو صاحب مكانة عند ذي العرش، وهو مطاع في موضعه، وأمين...

وبين هذه الصفات وبين ما جاء في سورة النجم مشابه.. فلنتدبرها في الموضع الأخير..

5 ِ «إن هو إلا وحي يوحى. علمه شديد القوى. ذو مرة فاستوى. وهو بالأفق الأعلى. ثم دنا فتدلى. فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما أوحى...»(13).

القوي الذي علم الوحي، ونزل به الى السماء الدنيا، وحلق به في جو الأرض، ثم اقترب به من الرسول العربي هو جبلي بداهة. ولا يتحمل السياق إلا هذا، ولا تتحمل آيات القرآن كلها في غير هذا الموضوع إلا هذا...!

ومع ذلك فقد جاءت في الأحاديث المنقولة بطريق الآحاد رواية مستغربة أن الذي دنا فتدلى هو الله!!.

والرواية تخالف المتواتر المقطوع به في الكتاب والسنة، ومن هنا لم يكترث بها المحققون بل جمدت في مكانها حتى جاء ضعفاء الفقه فاستحيوها دون وعي...

وقد ضقت ذرا بأناس قليلي الفقه في القرآن كثيري النظر في الأحاديث. يصدرون الأحكام، ويرسلون الفتاوى فيزيدون الأمة بلبلة وحيرة.

ولا زالت أحذر الأمة من أقوام بصرهم بالقرآن كليل، وحديثهم عن الإسلام جريء، واعتمادهم كله على مرويات  لا يعرفون مكانها من الكيان الإسلامي المستوعب لشئون الحياة...

وقد جاء الإمام مسلم رحمه الله فعلق على رواية إمامه البخاري رحمه الله، فبين ما بها من عطب، وذكر أن الخطأ جاء من شريك  عن أنس بن مالك الذي ذكر الحديث فزاد ونقص وقدم وأخر...!!.

إن مسلما مضى على منهج المحدثين، فناقش عمل شريك ِ الراوي عن أنس ِ ثم رفض المتن! وحسنا فعل.

إن الخطأ في تفسير آية «النجم» والزعم بأن المعنى «دنا الجبار رب العزة فتدلى» كانا مثار استنكار السيدة عائشة رضي الله عنها! فلما سألها مسروق: يا أمام هل رأى محمد ربه؟ قالت: لقد قف شعر رأسي مما قلت! أين أنت من ثلاث؟ من حدثكهن فقد كذب!!

من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت «لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير»(14) و«ما وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب»(15).

ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب! ثم قرأت «وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس باي أرض تموت»(16).

ومن حدثك أن محمدا كتم أمرا فقد كذب، ثم قرأت «يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك...»(17)، ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين...

وأم المؤمنين عائشة فقيهة محدثة أديبة، وهي وقافة عند نصوص القرآن، ترفض أدنى تجاوز لها.. وعندما سمعت أن النبي ِ صلى الله عليه وسلم ِ وقف على حافة البئر التي دفن المشركون بها يناديهم بأسمائهم كان لها تعليق جدير بالتدبر.

والرواية في هذا أن النبي ِ صلى الله عيه وسلم ِ مشى واتبعه أصحابه حتى قام على شفة الركي فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا،  فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟

فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال: والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم!.

أنكرت عائشة عبارة «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» مستدلة بالآية الشريفة «وما أنت بمسمع من في القبور»(18) وصححت الرواية: ما أنتم بأعلم لما أقول منهم!.

قال قتادة مبينا الرواية الأولى ومدافعا عنها: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرا..

والذي أراه أن الرواية الأولى لا تحتاج الى هذا الدفاع، فالموتى لم يفنوا، وصوت النبوة يبلغهم وهم في سجين.. ولكن عائشة رضي الله عنها لا تقبل ما يعارض ِ في ظاهره ِ لفظ القرآن، فالموتى عادة لا يكلمون ولا يسمعون، وإنما يعلمهم الله بما يشاء، فإذا علموا فكأنهم سمعوا، والعبارة مقبول على طريق المجاز...

كل ما نحرص نحن عليه شد الانتباه الى ألفاظ القرآن ومعانيه، فجملة غفيرة من أهل الحديث محجوبون عنها، مستغرقون في شئون أخرى تعجزهم عن تشرب الوحي!!.

والفقهاء المحققون إذا أرادوا بحث قضية ما، جمعوا كل ما جاء في شأنها من الكتاب والسنة، وحاكموا المظنون الى المقطوع، وأحسنوا التنسيق بين شتى الأدلة...

أما اختطاف الحكم من حيث عابر، والإعراض عما ورد في الموضوع من آثار أخرى فليس عمل العلماء...

وقد كان الفقهاء على امتداد تاريخنا العلمي هم القادة الموثقون للأمة، الذين أسلمت لهم زمامها عن رضا وطمأنينة، وقنع أهل الحديث بتقديم ما يتناقلون من آثار كما تقدم مواد البناء للمهندس الذي يبني الدار، ويرفع الشرفات.

والواقع أن كلا الفريقين يحتاج الى الآخر، فلا فقه بلا سنة ولا سنة بلا فقه، وعظمة الإسلام تتم بهذا التعاون.

والمحنة تقع في اغترار أحدهما بما عنده، وتزداد مع الإصرار وضعف البصيرة..

وقد ظهرت في الجزائر فتوى لواحد من أهل الحديث حاربناها بقوة قبل أن تصيب الإسلام وأهله بضر شديد.

إن على التجار في بضائعهم زكاة يتقربون الى الله بأدائها، والتجار في الدنيا ملوك المال وقد افتتح الانجليز القارة الهندية بشركة تجارية، ولا يزال الاستعمار الاقتصادي يهيمن على ميادين التجارة حتى يمتلك أعناق الشعوب!.

فكيف يزعم زاعم أن عروض التجارة لا زكاة فيها؟  وأين نذهب بقوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة» (19) وقوله تعالى «ومما رزقناهم ينفقون»(20)، وقوله «يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض»(21).

لكن الشاب المشتغل بالحديث النبوي  نادى في الناس ألا زكاة في عروض التجارة، إذا لا أصل لها فيما قرأ...

وضم الى ذلك أن الزكاة في الزراعة لا تخرج إ

إلا من القمح والشعير والتمر والزبيب، كأن الكرة الأرضية هي نجد وتهامة والحجاز!!.

والمفتي القاصر يهبط بحصيلة الزكاة الى العشر مادام جمهور التجار والفلاحين قد أعفى من إيتاء الزكاة، وسقط عنهم ركن الإسلام.

ومتى يقع هذا؟ في أيام جندت الكنيسة خلافها ثروات التجار والفلاحين لتنصير العالم الإسلامي المبتلى بجدب الأرض وجدب العقول!.

لماذا لا نتدبر القرآن أولا حتى نعرف أبعاد التكاليف التي ناطها الإسلام بأعناقنا، وأوعية المال التي نخرج منها زكواتنا؟.

ولماذا لا نعرف طبيعة الدنيا التي نعيش فيها، والاساليب التي يتبعها خصومنا لكسب معاركهم ضدنا؟.

إنه لا فقه مع العجز عن فهم الكتاب ومع العجز عن فهم الحياة نفسها..

وبعض المشتغلين بالحديث يستوعب تدبر القرآن، ودراسة دلالاته القريبة والبعيدة، ويستهل سماع حديث ما ثم يختطف الحكم منه فيشقي البلد والعباد.

قلنا: إنه لا خلاف بين المسلمين في العمل بما صحت نسبته لرسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ وفق أصول الاستدلال التي وضعها الأئمة، وانتهت إليها الأمة...

إنما ينشأ الخلاف حول صدق هذه النسبة أو بطلانها... وهو خلاف لباد من حسمه، ولابد من رفض الافتعال أو التكلف فيه..

فإذا استجمع الخبر المروي شروط الصحة المقررة بين العلماء فلا معنى لرفضه وإذا وقع خلاف محترم في توفر هذه الشروط أصبح في الأمر سعة، وأمكن وجود وجهات نظر شتى، ولا علاقة للخلاف هنا بكفر ولا إيمان، ولا بطاعة أو عصيان..

وقد وقع لي وأنا بالجزائر أن طالبا سألني: أصحيح أن موسى عليه السلام فقأ عين ملك الموت عندما جاء لقبض روحه، بعدما استوفى أجله؟ فقلت للطالب وأنا ضائق الصدر: وماذا يفيدك هذا الحديث؟ إنه لا يتصل بعقيدة، ولا يرتبط به عمل! والأمة الإسلامية اليوم تدور عليها الرحى، وخصومها طامعون في إخماد أنفاسها! اشتغل بما هو أهم وأجدى!.

قال الطالب: أحببت أن أعرف هل الحديث صحيح أم لا؟ فقلت له متبرما: الحديث مروي عن أبي هريرة، وقد جادل البعض في صحته.

وعدت لنفسي أفكر: إن الحديث صحيح السند، لكن متنه يثير الريبة، إذ يفيد أن موسى يكره الموت، ولا يحب لقاء الله بعدما انتهى أجله، وهذا المعنى مرفوض بالنسبة الى الصالحين من عباد الله كما جاء في الحديث الآخر «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه». فكيف بأنبياء الله؟ وكيف بواحد من أولى العزم؟.. إن كراهيته لموت بعدما جاء ملكه أمر مستغرب! ثم هل الملائكة تعرض لهم العاهات التي تعرض للبشر من عمى أو عور؟ ذاك بعيد..

قلت: لعل متن الحديث معلول، وأيا ما كان الأمر فليس لدي ما يدفعني الى إطالة الفكر فيه..

فلما رجعت الى الحديث في أحد مصادره ساءني أن الشارح جعل رد الحديث إلحادا! وشرع يفند الشبهات الموجهة إليه فلم يزدها إلا قوة... وهاك الحديث أولا:

عن أبي هريرة عن رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ قال: «جاء ملك الموت الى موسى ِ عليه السلام ِ فقال له: أجب ربك، قال: فلطم موسى ِ عليه السلام ِ عين ملك الموت، ففقأها، قال: فرجع الملك الى الله تعالى، فقال: إنك أرسلتني الى عبد لك لا يريد الموت وقد فقأ عيني، قال: فرد الله إليه عينه، وقال: أرجع الى عبدي فقل له: ألحياة تريد؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور، فما وارت يدك من شعر فإنك تعيش بها سنة، قال: ثم مه؟ قال: ثم تموت، قال: فالآن من قريب، رب أمتني من الأرض المقدسة رمية بحجر».

قال رسول الله ِ صلى الله عليه  وسلم ِ «والله لو أني عنده لأريتكم قبره الى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر»(22).

قال المازري: وقد أنكر بعض الملاحدة هذا الحديث وأنكر صوره، قالوا: كيف يجوز على موسى فقء عين ملك الموت؟.

قال: وأجاب العلماء عن هذه الشبهة بأجوبة:

أحدها: أنه لا يمتنع أن يكون موسى ِ صلى الله عليه وسلم ِ قد أذن الله تعالى له في هذه اللطمة، ويكون ذلك امتحانا للملطوم، والله ِ سبحانه وتعالى ِ يفعل في خلقه ما شاء، ويمتحنهم بما أراد!!.

والثاني: أن هذا على المجاز، والمراد أن موسى ناظره وحاجه فغلبه بالحجة، ويقال: فقأ فلان عين فلان إذا غابه بالحجة، ويقال: عورت الشيء إذا ادخلت فيه نقصا.

وعلق المازري على الرأي الثاني بقوله: وفي هذا ضعف لقوله ِ صلى الله عليه وسلم ِ فرد الله عينه، فإن قيل: أراد حجته كان بعيدا.

والثالث: أن موسى ِ صلى الله عليه وسلم ِ لم يعلم أنه ملك من عند الله، وظن أنه رجل قصده يريد نفسه (اي يريد قتله) فدافعه عنها، فأدت المدافعة الى فقء عينه، لا أنه قصدها بالفقء، وهذا جواب الإمام أبي بكر بن خزيمة وغيره من المتقدمين، واختاره المازري والقاضي عياض.

قالوا: وليس في الحديث تصريح بأنه تعمد فقء عينه، فإن قيل: فد اعترف موسى حين جاءه ثانيا بأنه ملك الموت.

فالجواب: أنه أتاه في المرة الثانية بعلامة علم بها أنه ملك الموت فاستسلم بخلاف المرة الأولى.

نقول نحن: هذا الدفاع كله خفيف الوزن، وهو دفاع تافه لا يساغ!!

ومن وصم منكر الحديث بالإلحاد فهو يستطيل في أعراض المسلمين. والحق: أن في متنه علة قادحة  تنزل به عن مرتبة الصحة.

ورفضه أو قبوله خلاف فكري، وليس خلافا عقائديا.

والعلة في المتن يبصرها المحققون، وتخفى على أصحاب الفكر السطحي.

سمعت كلاما حادا ممن يرون أن موسى فقأ عين ملك الموت حقا، وأن هذا غير مستغرب.

وقبل أن أذكر ما عندي أثبت هنا حديث أحمد عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه! قلنا: يا رسول الله كلنا نكره الموت! فقال رسول الله: ليس ذلك كراهية الموت! ولكن المؤمن إذا حضر ِ احتضر ِ جاءه البشير من الله تعالى بما هو صائر اليه فليس شيء أحب إليه من أن يكون قد لقى الله تعالى، فأحب لقاء الله!!... قال: وإن الفاجر أو الكافر إذا حضر ِ احتضر ِ جاءه «النير» بما هو صائر إليه من الشر أو ما يلقى من الشر فكره لقاء الله فكره الله لقاءه».

والحديث المذكور يتجاوز أحوال الصحة المعتادة، وانغماس الناس في معايشهم يزرعون ويصنعون ويتجرون، فإن إقبالهم على الحياة لا نكر فيه، ونزول الموت هنا قد يوصف بأنه معصية! وما تقوم الدنيا وينشأ عمران إلا من هذا الشعور بالحياة وحبها.

على أن المؤمن قد ينبذ الحياة الدنيا في ساعة فداء ينصر بها دينه ويلقى بها ربه، فهو وإن انغمس في شئون الدنيا لا ينسى أبدا دينه، ولا ينكص عن لقاء ربه.

وحديث أحمد بن حنبل يتجاوز هذه الظروف كلها ليشرح اللحظات الأخيرة من عمر المتوفى وهو في فراش المرض، أو وهو على أبواب الآخرة، وقد شرع ملك الموت يسترد الروح ليعود بها الى بارئها.

في هذه الأويقات الحرجة تجيء البشرى التي يطير بها المؤمن فرحا، أو الأنباء التي ينوء بها الفاجر كمدا..

فلننظر على ضوء هذه الحقائق الى حديث فقء موسى لعين ملك الموت.. إن الملك قال لموسى: أجب ربك.. يعني أن عمرك انتهى، فاستعد لتسليم روح والعودة الى ربك!!.

أفي هذه العودة ما يضايق موسى؟ قال المدافعون عن الحديث: موسى كسائر البشر يكره الموت! ونقول: كراهية الموت مفهومة في الأحوال العادية للناس العاديين، ولا معنى لها بعد انتهاء الأجل، ومجيء الملك ليسترد وديعته!.

ما الذي يكرهه موسى من اللقاء الحتم؟ إن هذا الكره تحول الى جزع وغضب جعلا موسى يفقأ عين الملك كما يقال!.

يقول المدافعون عن الحديث: إن موسى فقأ الصورة التي تمثل بها الملك، لأنه جاء في صورة بشر.. ويرد ذلك ما جاء في الحديث أن الله رد إليه عينه، أفكان موسى عاجزا عن إصلاح العور في الهيئة التي تشكل فيها؟.

وقد طلب موسى أن يدفن على مرمى حجر من حدود فلسطين التي جبن قومه عن دخولها فهل هذا الطلب تفسير لحرص اليهود الآن على نقل موتاهم الى الأرض المقدسة؟.

وسمعت من قال: إن الحديث من الابتلاء بالغيب؟ والإيمان بالغيوب حق إذا كانت مستيقنة المصدر أما السياق الغامض والأسلوب المضطرب فهما موضع بحث الفقهاء ليتعرفوا الحقيقة من خبر آحاد، يتعرض للدرس والفحص سندا ومتنا...

وأخيرا فهذا الحديث وأمثاله مما لا صلة له بعقيدة أو سلوك قار في مكانه تعدوه العين الى المهم من تعاليم الإسلام العملية، فمن نبش التراب عنه، وشغل الناس به، ونسب الى الإلحاد من يتوقف فيه؟ إن أعداء الصحوة الإسلامية من وراء هذا الحراك الطائش...

وقد رفض الأئمة أحاديث صح سندها واعتل متنها فلم تستكمل بهذا الخلل شروط الصحة..

ومن أجل ذلك. استغربنا ما رواه ثابت عن أنس أن رجلا كان يتهم بأم ولد رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ فقال رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ لعلي أذهب فاضرب عنقه، فأتاه علي فإذا هو في ركى يتبرد فيها فقال له علي: أخرج.

فناوله يده فأخرجه فإذا هو مجبوب ليس له ذكر! فكف علي عنه ثم أتى النبي ِ صلى الله عليه وسلم ِ فقال يا رسول الله إنه لمجبوب ما له ذكر.

يستحيل أن يحكم على رجل بالقتل في تهمة لم تحقق، ولم يواجه بها المتهم، ولم يسمع له دفاع عنها، بل كشفت الأيام عن كذبها!.

وقد حاول النووي غفر الله لنا وله تسويغ هذا الحكم، بقوله: لعل ارجل كان منافقا مستحقا للقتل لسبب آخر! ونقول: متى أمر رسول الله بقتل المنافقين؟ ما وقع ذلك منه! بل لقد نهى عنه.

وظاهر من السياق أن الرجل نجا من القتل بعدما تبين من العاهة التي به استحالة توجيه الإتهام إليه، أفلو كان سليما أبيح دمه؟ هذا أمر تأباه أصول الإسلام.. وفروعه كلها.

إن بالحديث علة قادحة، وهي كافية  في سلب وصف الصحة عنه، وأهل الفقه لا أهل الحديث هم الذين يردون هذه المرويات.

قال  مدافعا عن هذا الخبر: لعله من باب التعزير؟ وهذا تفكير مستنكر! هل الإسلام أعطى ولي الأمر حق قتل الناس لشبهة أو شائعة؟ أبأسم التعزير تستباح الدماء على نحو طائش..؟ إننا نقتل ديننا بهذا الفهم، ونعرض سيرة نبينا للقيل والقال....

ومما يحتاج الى الفقه السليم تحريم نعى الموتى، ورفض ما تنشره الصحف الآن من إعلانات عن وفاة فلان وفلانة.. وقد جاءني بعض الطلاب يقولون: إنهم قرؤوا أحاديث تفيد ذلك، ومن ثم فهم يستنكرون الايذان بأخبار الموتى.

قلت: إن النعي المكروه ما كان استعراضا للمآثر والمفاخر، وتنويها بالأفراد والأسر، أما ما عدا ذلك فلا شائبة فيه، بل لابد منه..!

قالوا: ما رواه الترمذي وإبن ماجة غير ما تقول! عن حذيفة رضي الله عنه قال عندما احتضر: «إذا أنا مت فلا يؤذن علي أحد، إني أخاف أن يكون نعيا، وإني سمعت رسول الله ينهى عن النعي».

هكذا روي الترمذي، وأكد ابن ماجة الرواية إلا أنه قال: «كان حذيفة إذا مات له الميت قال: «لا تؤذنوا به أحدا، إني أخاف أن يكون نعيا، إني سمعت رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ بأذني هاتين ينهى عن النعي».

وعن عبد الله بن مسعود «أن رسول الله كان ينهى عن النعي، وقال: إياكم والنعي فإنه من عمل الجاهلية» قال عبد الله والنعي: أذان بالميت...

ونحن نؤكد أن النعي المحظور ما قارنه الرياء وإحياء العصبية أما الإخبار المعتاد فيستحيل كرهه.

وما أكثر الأحاديث المنتشرة اليوم بين الشباب، يستنتجون منها أحكاما سيئة، إن قبلنا سندها على إغماض  فإن متنها لايصح قبوله!.

وقد قرأت للمنذري رحمه الله في كتابه «الترغيب والترهيب» سنة عشر حديثا في سكنى الشام وما جاء في فضلها.

منها ما جاء عن زيد بن ثابت: قال رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ يوما ونحن عنده: «طوبى للشام، إن ملائكة الرحمن باسطة °نحتها عليه» وأغلب الأحاديث الستة عشر تدور على هذا المعنى، وأغلبها من رواية الترمذي والحاكم والطبراني وابن حبان وأبي داود وأحمد...

ونحن نحب أقطار الإسلام كلها ونعد أهلها إخوتنا، ونرى نصرتهم دينا، وخذلانهم كفرا، وما يروى في تفضيل بلد على آخر والترغيب في سكناه أو المرابطة فيه فهو عندما يتعرض الإسلام للخطر من قبله أ» تحدث ثغرة في حدوده تتطلب الرجال لسدها..

وذلك كما تتجمع كرات الدم البيضاء لحماية الجسم من الجراثيم الغازية، عندما يصاب بجرح، أو تنشأ به قرحة.. إن مسارعة قوات الدفاع هنا مفهومة الحكمة..

أما في حالة الجسم العادية، فموقف الكرات من جميع الأعضاء واحد ...

والواقع أن دار الإسلام الآن مهددة من ثغرات شتى، والغزاة يتواثبون حولها شرقا وغربا..

ولما كانت فلسطين جزءا من الشام فنحن نعد الفرار منها عصيانا والثبات فيها جهادا. وللمدافعين عن الإسلام في أفغانستان والقلبين، وسائر أراضيه كل الحقوق التي لعرب فلسطين، أو لأرض الشام كما جاء في الأحاديث الستة عشر...!!

كان عمر رضي الله عنه يشغل نفسه ويشغل الناس معه بالقرآن الكريم ويوصي الجيوش أن تلهج به وتعكف عليه. ومن أقضيته التي استند فيها الى القرآن وحده: ما رواه ابن إسحاق، قال: كنت جالسا مع الأسود بن يزيد في المسجد الأعظم، ومعي الشعبي. فحدث بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله  ِ صلى الله عليه وسلم ِ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة ِ وكانت قد طلقت ثلاثا ِ فأخذ الأسود كفا من حصى فحصبه به! ثم قال: ويلك تحدث بمثل هذا؟ قال عمر: لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري حفظت أم نسيت، لها السكنى والنفقة. قال تعالى «لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة».

وحديث فاطمة المذكور هو موضع خلاف بين الفقهاء، رفضه الأحناف، وقبله الحنابلة، ويرى المالكية والشافعية: أن المطلقة ثلاثا لها السكنى دون النفقة.

وملحظ الحنابلة: أن سياق الآية التي ذكرها عمر في الطلاق الرجعي لا البائن، ولمن شاء أن يدرس القضية في مصادرها، والذي يعنينا منها: هو أن «عمر» جعل ظاهر القرآن هو السنة التي تتبع!.

وإذا كنا نقدم الرأي القوي على الرواية المريبة فيما سقنا قبلا من نماذج فإن عجبنا يشتد عندما نرى من يترك النقل والفقه معا في بعض الأحكام.

اتفق المحدثون أن رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ قال: «لا تنكح الايم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن. قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت» وفي ورواية: «الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر، وإذنها سكوتها»!.

وعن ابن عباس رضي الله عنه أن جارية بكرا أتت النبي ِ صلى الله عليه وسلم ِ فذكرت أن أبها زوجها وهي كارهة!، فخيرها رسول الله».

وفي رواية: «أن فتاة دخلت على عائشة فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه يرفع بي خسيسته وأنا له كارهة! قالت عائشة: اجلسي حتى يأتي رسول الله!فجاء رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأخبرته، فارسل الى أبيها فدعاه، فجعل الأمر إليها!.

فقالت يا رسول الله، قد أجزت ما صنع أبي، ولكني أردت أن أعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء!».

ومع هذا فإن الشافعية والحنابلة أجازوا أن يجبر الأب ابنته البالغة على الزواج بمن تكره!!، ولا نرى وجه النظر هذه إلا انسياقا مع تقاليد إهانة المرأة، وتحقير شخصيتها...

وقد ذكرنا أن الأحناف أعطوا المرأة حى أن تباشر عقدها إمضاء لظواهر القرآن.. «ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا»(23).

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

عقيدة المُسلم 

السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث 

الجانب العاطفي من الإسلام 

الإسلام والطاقات المعطلة 

قذائف الحق 

فقه السيرة 

الإسلام خارج أرضه 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca