ِ المتغير والثابت في...
1 ِ ميدان الجهاد
2 ِ ميدان الشورى
ذكرنا في بعض ما كتبنا: الحديث الشريف وهو: «أنتم أعلم بشئون دنياكم» وقلنا: إن شئون الدنيا تتبع اجتهاد البشر مؤمنهم وكافرهم، وإن الأنبياء لم يبعثوا ليعلموا الناس الحرف وفنون الصناعات وأنواع الزراعات كما لم يبعثوا مهندسي معمار أو طرق وجسور، وكذلك ما بعثوا، أطباء بطون وعيون، إن صميم رسالاتهم هو شرح العقائد والعبادات والأخلاق وتزكية النفس والمجتمع، وبث التعاليم التي تحكم صلات الناس بربهم وصلة بعضهم بالبعض الآخر، وتعدهم للعودة الى الله أتقياء بررة...
وهناك ميادين أخرى تشبه ميادين الدنيا في حرية الحركة والاختراع والمنافسة! هي ميادين الوسائل التي لابد منها لتحقيق غايات دينية مقررة، ترك الشارع للمؤمنين كيفية بلوغها، ولم يذكر فيها أحكاما ملزمة!.
إن الصلاة واجبة، ولابد لأدائها من أغسال فصلها الشارع، فالوسائل هنا لابد من القيام به دون تزيد ولا انتقاص..
والجهاد واجب، ولكن أدوات الجهاد وأساليبه ليس لها قالب معين تصب فيه! فإذا تغيرت الوسائل من السيف والرمح الى المدافع والصواريخ تغيرت معها الأحكام القديمة وتحول رباط الخيل الى إنشاء المطارات والحصون الحديثة، وإلى إنشاء معاهد العلوم الكيماوية والذرية والفلكية... الخ.
قديما كان الرجل يشتري سلاحه من ماله الخاص، ويتعهد صيانته ويترب عليه! فإذا سمع النداء خرج راجلا، أو خرج معه فرسا الذي ارتبطه في سبيل الله، فإذا استشهد خلف أيامي ويتامى! وإذا جرح تحمل مداواة نفسه!.
ونظام الغنائم ِ في مثل هذه الأحوال ِ لابد منه، بل هو العدالة المفروضة..
وقد وردت نصوص كثيرة تشرحه وتحدد أنصبته!.
أما اليوم فقد تغيرت الظروف تغيرا جذريا، فالدول تجند الأفراد تجنيدا عاما، يأتيها الشاب فتطعمه وتكسوه وتضع بين يديه سلاحه الذي اشترته له، وتعده للمعركة أتم إعداد، فإذا جرح داوته، وإذا قتل كرمته وتولت الإنفاق على أهله وولده...
وهو طول حياته يأخذ مرتبا حسنا، قد يتنامى مع اختلاف الرتب التي يتقلب فيها... وهذا النظام أمسى ضرورة لا محيص عنها، ولا يمكن ترك الدفاع لرغبات التطوع أو لظروف الأفراد! إن ذلك يجعل الأمم تداس في زحام الأحياء وبطش الأقوياء!.
ومع الأنظمة الجديدة يتغير نظام الغنائم تغيرا تاما،! وتنشئ الدولة تعاليم جديدة لمعاقبة مجرمي الحرب، ومعاملة المحسن والمسيء.
وعى ضوء ما ذكرنا نفهم ما رواه البخاري «قسم رسول الله ِ الغنائم ِ يوم خيبر للفرس سهمين(89) وللراجل سهما»..
ومع أن الاختلاف رفضوا الحديث، وقدموا عليه حديثا آخر وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام «أعطى الفارس سهمين والراجل سهما(90)» فنحن نرى القضية كلها منتهية، لأن دور الخيالة والرجالة انقضى وأضحى كسب الحرب منوطا بأجهزة أهم وأدق، تعمل فيها المدرعات والطائرات...
وكذلك ينتهي العمل بمبدأ «من قتل قتيلا فله سلبه»
ويجوز للدولة أن تمنح جوائز خاصة لمن أبلوا بلاء حسنا..
ونعرض هنا لقوله تعالى: «واعلموا انما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير»(91).
ونسارع الى القول بأن القرآن الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن نصوصه باقية إلى آخر الدهر، لا ينسخها شيء!!.
ونتساءل ما معنى هذه الآية؟ هل ثمانون في المائة من الغنائم يقسم على الجيش، ويوزع الخمس الباقي على مصارفه المذكورة في الآية؟ وكذلك يرى أغلب الأئمة..!
ونحن نرجح رأى الإمام مالك رضي الله عنه، الذي يرى التخميس أحد الصور التي تقوم بها الدولة، ولكنها غير ملزمة به إذا رأت المصلحة في غيره، فالأمر إليها تنظر في الغنائم نظرة أوسع...
ويستشهد مالك على مذهبه بأن الرسول ِ عليه الصلاة واسلام ِ وزع غنائم حنين فأعطى الطلقاء عطاء ما توقعه أحد، كادت قلوب الأنصار تحزن منه! حتى شرح لهم الحكمة مما صنع..!
ونضم الى هذا الدليل وغيره ِ مما استدل به مالك ِ ما صنعه عمر بن الخطاب في الأراضي المفتوحة، فقد رفض تقسيمها أخماسا على الفاتحين، واكتفى بإعطائهم مرتبات من الضرائب المفروضة عليها...
وجمهور العلماء يدخل القضية في باب المصالح المرسلة، ولا ريب أن مسلك عمر كان أرشد وأجدى على الإسلام وأمته.
إن الوضوء وسيلة للصلاة لا مجال للرأي فيها لأن الشارع ضبطها بنص محكم، أما أدوات الجهاد ووسائله فلم يضبطها الشارع أو يضع لها إحصاء، ومن ثم كان العقل مرجعها الأول...
ولا حرج علينا أن ننقل أحث الأسلحة من شرق أو غرب، ولا حرج أن يدربنا عليها الإخصائيون المهرة من أي لون وملة، ويبقى أن نستخدمها وفق قواعد الشرف التي سنها الإسلام!.
والشورى مبدأ إسلامي عظيم! لكن وسائل تحقيق الشورى وضبط أجهزتها لم يتقرر لدينا، ويظهر أن هذا مقصود لاختلاف البيئات والمستويات الحضارة، بل إننا لاحظنا أن أمة واحدة رفيعة الحضارة غيرت وسائل الشورى فيها عدة مرات حسب تجاربها ومنافعها.
وما حث في فرنسا خلال أقل من نصف قرن نموذج لذلك التغيير..
والشورى في دولة الخلافة برزت في صور شتى، وليس المهم أي طراز نستمسك به؟ بل المهم أن نوفر الضمانات والأساليب التي تجعل الشورى حقيقة مرعية، فيختفي الفرد المستبد، وتموت الوثنيات السياسية، ويترجح الرأي الصحيح دون عوائق، ويتقدم الرجل الكفء دون أحقاد...
هل يمكن ذلك في غيبة العقائد والأخلاق؟ هذا مستحيل! لقد نقل الشرق الإسلامي صورة الديمقراطيات الغربية في مرحلة هابطة من تاريخه، صرعته فيها مواريث جاهلية، وخدعته تقاليد استعمارية سفيهة، فماذا حدث؟ تم تزوير الانتخابات على نحو مذهل، وشقت الوثنيات السياسية طرقها وسط هالة من تأييد شعبي مكذوب!.
ولو أن بعثة من النقاد والرواد زارت مزبلة التاريخ لوجدت في رغامه عددا من زعماء العرب والمسلمين، قتلوا الألوف المؤلفة لتكون لهم أمجاد ولتهتف بأسمائهم بلاد! وهم مع هذه الفرعنة زعماء الشعب المحبوبون...
يؤسفنا أن الشورى أينعت ثمارها في أقطار وسعة وراء دار الإسلام.
ونحن نطلب الشورى، ونريد اعتبار الوسائل المؤدية لها فروضا عينية على أساس من القاعدة الفقهية «ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب».
ويتقاضانا ذلك وضع تفاسير صحيحة لأحاديث الأمر والنهي وتغيير المنكر ومقاومة مرتكبي الكفر البواح، وتوضيح الفروق الدقيقة بين المعارضة المشروعة والثورة التي تنقض بنيان المجتمع، أو بين النقد الواجب، والخروج المسلح...
من خصائص «الديمقراطية» الحديثة أنها اعتبرت المعارضة جزءا من النظام العام للدولة! وأن للمعارضة زعيما يعترف به ويتفاهم معه دون حرج! ذلك أن مالك السلطة بشر له من يؤيده وله من ينقده، وليس أحدهما أحق بالاحترام من الآخر...
والواقع أن هذه النظرة تقترب كثيرا من تعاليم الخلافة الراشدة، إن علي بن أبي طالب لم يستبح من عارضوه، أو يحشد الجموع لضربهم، بل قال لهم: ابقوا على رأيكم ما شئتم على شرط ألا تحدثوا فوضى ولا تسفكوا دما، أي أن الرجل العظيم يريد معارضة بناءة لا هدامة، ولا يرى أن الاعتراض على شخصه منكر!.
وعبارة علي رضي الله عنه للخوارج هي «كونوا حيث شئتم، وبيننا وبينكم ألا تسفكوا دماء حراما، ولا تقطعوا سبيلا، ولا تظلموا أحدا! فإن فعلتم نفذت إليكم بالحرب!».
قال عبد الله بن شداد: فوالله ما قتلهم حتى قطعوا السبيل وسفكوا الدم الحرام.
قال الصنعاني: فدل ذلك على أن مجرد الخلاف على الإمام لا يوجب قتال من خالفه، وبهذا التفكير الصائب فسر الحديث الشريف«من خرج عن الطاعة، وفارق الجماعة. وما فميتته ميتة جاهلية» أي كأهل الجاهلية إمام له.
ذلك كله ما لم يجنح الى الثورة المسلحة، فإن جنح إليها فله حكم آخر، وعن عبد الله بن عمر قال رسول الله ِ صلى اله عليه وسلم ِ: «من حمل علينا السلاح فليس منا»..
وقد تكون للديمقراطية الحديثة مثالب في أنها توفر الحرية للطاعة والفسق، والإيمان والكفر!.
ولكن هذه المثالب تختفي عندما يوضع في صلب الدستور أن الإسلام دين الدولة وأن الشريعة المصدر الأوحد للقوانين، وأن ما خالفها يسقط من تلقاء نفسه!.
ولولا غلو الغلاة من أصحاب العقائد، وعدوانهم على مخالفيهم في الرأي ولو كان هامشيا ما اتسعت دائرة الحرية الى حد قبول المتناقضات وإقرار الرذائل والشهوات..
بيد أن هناك سؤالا لا نوارب في الإجابة عليه: هل محاربة الإسلام ذاته تحت عنوان محاربة التطرف لون من الديمقراطية؟ هناك سلطات في العالم العربي والإسلامي تكره كل اكره ما أنزل الله، وتثور ثائرتها إذا رأت فتاة مستورة الرأس والأذرع، وترفض بغضب كل صيحة لإلغاء الأحكام التي جلبها الاستعمار العالمي عندما طوانا تحت رايته! فهل هذه ديمقراطية! أم أنها امتداد للإذلال القديم وللغارة الصليبية على العالم الإسلامي؟.
إن هناك من يريد قتل الشعب باسم الشعب، ووأد الحرية باسم الحرية، وفي مزبلة التاريخ ِ كما قلنا آنفا ِ زعماء من هذا القبيل المحقور، فعلوا بالمسلمين الأفاعيل..!!
وهناك من رجال الدين من يمشي في مواكبهم رابا في دنياه، زاهدا في أخراه، مستوجبا لعنة الله...!
إن للغايات الجليلة وسائل نبيلة تعين على إدراكها، ومن غير هذه الوسائل يصعب أن تقوم شورى صحيحة كما يصعب أن يقوم جهاد نزيه ناجح!.
ويستطيع أولو الألباب أن يحددوا الغايات الثابتة والوسائل المتغيرة، والفقهاء في الكتاب والسنة أقدر الناس على ذلك...
على أن هناك استدراكا حول ما ذكرنا من شئون الدنيا، وتجدد الوسائل.
صحيح أن الناس أعلم بشئون دنياهم، وبما يقرب لهم ما يصبون إليه من أهداف عظام..
لكن المهارة في الدنيا خطيرة الآثار، وكذلك الخبرة الإدارية الواسعة! ويوم يكون الملاحدة مكرة مهرة خبراء أذكياء، ويكون المؤمنون سذاجا أغرارا فإن مستقبل الإيمان على ظهر الأرض ضائع يقينا..
إن بعض الأتقياء يستكثرون حفظ النصوص ومطالعة الآثار على حين تراه في شئون الحياة غفل الذهن خالي الصحيفة، فماذا يكسب الدين من هذا الشخص؟.
لقد نجحت خرافات وسبقت أوهام لأن وراءها من أحسن خدمتها بقدراته وخبراته! على حين جمدت رسالات الله، وساءت بها الظنون لأن أتباعها أنصاف أذكياء وأنصاف عاملين.. ولا نطيل في هذه القضية فطالما خضنا فيها...
وإنما ألفت النظر في عجالة سريعة الى فشل المتدينين في عرض آرائهم الدينية وتزيينها في القلوب، بل إن الدعاية الدينية تكاد تكون مهزومة في ميادين الإعلام..
والأمر لا يحتاج الى استيراد مواد من الخارج! إنه يحتاج الى استحياء الملكات الخامدة في نفوس المؤمنين، وهي ملكات خمدت من طول تزويق الظاهر، ونسيان الباطن..
إنني ألقى ناسا يزعمون أنفسهم أقطابا، وهم فقراء الى المبادئ الأولى في تربية النفس، وإخلاص القلب ونشدان وجه الله ِ وما أبرئ نفسي بل أسأل ربي المغفرة ِ إننا عندما نصدق نخترع ما لا يخطر ببال لخدمة الحق، ونقتحم آفاقا ما عرفها الأولون، ونكسب معارك كثرت فيها هزائمنا من قبل..