وننتقل الى المساكن، وأسلوب المعيشة داخلها.. إن الله سبحانه امتن على الناس بأن جعل لهم بيوتا يأوون إليها ويستريحون فيها «والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم..»(56).
وظاهر من السياق أن البيوت نعمة تستوجب الشكر، وأن بناءها عادة وعبادة معا، وهل يستغني البشر عن البيوت؟.
من أجل ذلك استغربت ما رواه الشيخان عن خباب بن الأرت وهو «إن أصحابنا الذين سلفوا ومضوا لم تنقصهم الدنيا، وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعا إلا التراب... ثم يقول: إن المسلم يؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب»!!.
وكلام خباب رضي الله عنه عليه مسحة تشاؤم غلبت مرضه الذي اكتوى منه، ولا يجوز أن نعد البناء رذيلة، فقد يكون فريضة!.
والأصل الذي نرجع اليه في مسالكنا كلها: هو القصد الطيب المصاحب للعمل، أو النية الطيبة الباعثة على العمل، فإن كانت النية حسنة فالعمل صالح، وتتحول فيه العادات الى عبادات.
ويظهر أن كثيرا من الناس جعل من المباني إعلانا عن العظمة، واستطالة على الآخرين. بدل أن يجعلها مواطن استجمام وتهيؤ للعمل في أرجاء الحياة ويظهر ذلك في قول الله لثمود: «واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عادة وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتوا الجبال بيوتا فاذكروا آلاء اله ولا تعثوا في الأرض مفسدين»(57)!.
ولو بنينا ناطحات سحاب وعمرنا غرفاتها بالتسبيح والتحميد لتقبل الله منا! أما بناء دار صغيرة، والتقلب داخلها بطرا وكبرا فذاك ما لا خير فيه، وهذا ما نفسر به حديث أنس أن رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ قال: «النفقة كلها في سبيل الله إلا البناء فلا خير فيه»..
والواقع ان هناك حضارات بادت ومدائن دمرت لأن مبانيها كانت ضجيجا لا تتبين فيه شكرا لله ولا أثارة من تقوى!.
وفي هذه الأمم الجاحدة يساق قوله تعالى: «أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون»(58)؟.
ثم قوله لمن جاء من بعدهم: «... وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال»(59).
وقد قرأت جملة أحاديث تكاد تجعل البناء جريمة! وهي تفهم على وجهها الصحيح داخل النطاق الذي رسمناه هنا، ولا ضرورة لذكرها..
سمعت نقدا لاذعا لما كتبته عن آداب المساكن يحملني على إيراد الأحاديث التي دونها صاحب «تيسير الوصول الى جامع الأصول» تحت عنوان كتاب البنيان.. لقد أصبحت هناك ضرورة لذكرها، فلأنقلها كالمة، ولأترك دلالتها تنضح على النفوس.. ثم أعلق عليها بعد ذلك.
كتاب البنيان
عن ابن عمر رضي الله عنهما. قال: لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بنيت بيتا بيدي يكنني من المطر ويظلني من الشمس ما أعانني عليه أحد من خلق الله تعالى. أخرجه البخاري. وفي رواية ما وضعت لبنة على لبنة منذ قبض رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ.
وعن قيس بن أبي حازم رضي الله عنه. قال: أتينا خباب بن الارت رضي الله عنه نعوده ِ وقد اكتوى سبع كيات في بطنه ِ فقال إن أصحابنا الذين سلفوا ومضوا ولم تنقصهم الدنيا وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعا إلا التراث، ولولا أن النبي ِ صلى الله عليه وسلم ِ نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به. ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبني حائطا له فقال إن المسلم يؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب. أخرجه الشيخان.
وعن أنس رضي الله عنه. قال: قال رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ: النفقة كلها في سبيل الله إلا البناء فلا خير فيه. أخرجه الترمذي.
وعنه ِ رضي الله عنه ِ. قال: خرج رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ يوما ونحن معه فرأى قبة مشرفة. فقال ما هذه؟ قيل لفلان ِ رجل من الأنصار ِ فسكت وحملها في نفسه حتى جاء لصاحبها فسلم عليه في الناس أعرض عنه فصنع ذلك مرارا حتى عرف الرجل الغضب فيه والاعراض عنه فشكى ذلك الى أصحابه فقال والله إني لانكر نظر رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ ما أدر ي ما حدث في. فقالوا خرج فرأى قبتك فقال لمن هذه فأخبرناه فرجع الرجل الى القبة فهدمها حتى سواها بالأرض. فخرج رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ ذات يوم فلم يرها فقال ما فعلت القبة فحدثوه بما كان من صاحبها. فقال رسول الله ِ صلى الله عيه وسلم ِ: أما إن كل بناء وبال على صاحبه إلا مالا إلا مالا. يعني: ما لابد منه. أخرجه أبو داود.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ِ رضي الله عنهما ِ. قال: مر بي رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ وأنا اطين حائطا لي من خص. فقال ما هذا يا عبد الله؟ فقلت حائطا صلحه. فقال الأمر أيسر من ذلك، وفي رواية ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك أخرجه أبو داود والترمذي وصححه. «الخص» القصب.
وعن دكين بن سعيد المزني ِ رضي الله عنه ِ. قال: أتينا رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ سألناه الطعام فقال يا عمر اذهب فأعطهم فأرتقى بنا الى علية فأخرج المفتاح من حجرته، ففتح ... ِ يعني أنه كان هناك غرفة عليا...! ِ فلا حرج من بناء غرفة عليا.
القارئ لجلة هذه الأحاديث لا يفكر في بناء دارة أنيقة ولا قصر شاهق بل لعله يرى العيش في مدفن أقرب الى التقوى..
والصحيح أن هناك أحاديث ترتبط بمناسباتها وما تفهم إلا في الجو الذي قيلت فيه. ونحن في حياتنا المعتادة قد يفكر أمرؤ في الزواج ويؤخر البت لظروف عارضة، وقد ينوي بناء بيت ثم يؤخر البناء لفتن ناشبة!.
ومنطق الاستقرار غير منطق القلق، ولقد كانت المدينة المنورة تعاني الكثير من أعباء الدعوة والجهاد والحصار والدفاع، وكانت جمهرة الصحابة تشترك في السرايا والغزوات، فهي بين قتال او استعداد له..
وقد نظرت الى الترهيب من بناء القصور وزخرفتها من خلال هذه الملابسات، وإلا فالأصل إباحة الطيبات في المأكل والمسكن والمنكح، ولو أخذنا الأمر على عمومه ما بنيت مدينة ولا قامت حضارة..
وأعرف من علماء السلف المعاصرين من بني العمائر الشاهقة، وأجرها لساكينها بما يشاء من مال، وله أن يفعل ذلك، ولكن ليس له أن ينهى الناس عن البناء والتأنق فيه..!
إنني أنظر الى حرمة استعمال الجرس فأرى أن هذه الحرمة بدأت لحماية شعيرة الأذان وبعدا عن معالم النصرانية، فإذا استقر الأذان وارتفعت مآذنه فلا حرج من سماع جرس عن مزالق السكك الحديدية، أو عند الاستئذان في دخول بيت أو مع الساعة الموقظة من النوم أو في جهاز الهاتف.. إلخ.
والبيت المسلم له وظائف معروفة وآداب مقررة، ومن الخير ملاحظتها عند بنائه وإعداد مرافقه.
ولم يكن العرب في العهد الأول قد ورثوا هندسة معمارية تنسجم مع تعاليم الإسلام الجديدة بل الذي كان يتحدث أن البيوت غالبا تخلو من المراحيض! وكان الكبار والصغار والرجال والنساء يخرجون الى الصحراء لقضاء حاجاتهم..!
على أن هذا الوضع المرهق قد اختفى مع استقرار المجتمع الاسلامي وانتشار صبغته على الحياة الداخلية والخارجية!.
هناك آداب للمبيت تفرق بين الأولاد في المضاجع وتجعل لكم منهم فراشا خاصا.
وهناك آداب للاستئنذان والتلاقي تصون الهيئات والمروءات..
وهناك مظاهر دقيقة ترسي قواعد النظافة الشخصية الى جانب الوضوء والغسل..
ولا شك أن المسلمين أيام ازدهار حضارتهم كانوا أطهر أهل الأرض أبدانا وثيابا وأن استخدامهم للمياه في الأغسال المتنوعة، جعل إنسانيتهم أرقى.. أما غيرهم من الأوروبيين. فكانوا دونهم مكانة وكرامة..
وقد حرص البشر في هذا العصر على استكمال أسباب النظافة، ونحن لا نوازن بين عادات وعادات. وإنما نتعرف على مطالب ديننا، وننشئ العادات التي تنسجم معها.
وقد قرأت أن الحمام الغربي سيء لأنه يجعل المرحاض في المكان الذي يتم فيه الاغتسال، ولأنه يجبر الشخص على التبول قائما وهذا ما يحرمه الإسلام.
والإسلام لا يحرم التبول قائما، ولا مانع ليه من التنظف أولا بالورق، ثم يزداد التطهر بالماء.
وهذا يغني يقينا عما كان مألوفا من التطهر بالحجارة ثم بالماء أ» الاكتفاء بالماء وحده..
الإسلام دين الفطرة السليمة، وكل ما يسمو بالجسد ويوفر له السناء والجمال مطلوب.
ونحن نفرض تعاليم دينا على الناس كلهم عندما ننشئ باسمه حضارة للإنسان الذي يحترم المبني والمعنى أو الشكل والموضوع لقوله تعالى: «من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن لنحيينه حياة طيبة. ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون»(60).