وأمام ادعاء البعض أن مثل هذا العمل هو مجرد بدعة.. فلابد عندئذ من طرح هذا السؤال: هل العمل الإسلامي الجماعي مشروع؟ وما دليل مشروعيته؟
أولا- الدليل من القرآن الكريم
· الدعوة إلى الله تعالى هي وظيفة الرسل، قال تعالى: )ولقد بعثنا في كل أمة رسولا، أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت( .
· وإن هذه المهمة انتقلت إلى الأمة المسلمة من بعد الرسل، قال تعالى: )كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله( .
· وإن الدعوة إلى الله هي واجب كل مسلم ومسلمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) .
فالمسلم القائم على أمر الدعوة الذي تمنعه ظروفه من أن يجاهد الظلم والمنكر بيده أو بلسانه.. يلجأ إلى أضعف الإيمان فيجاهده بقلبه، وهذا النوع من المجاهدة لا يعني مطلقا مجرد الإنكار القلبي والاستكانة بعد ذلك.. بل يعنى أن يتحوّل هذا الإنكار إلى فكرة يبثها المنكر بقلبه بين أقرانه، يجمّع عليها جميع المنكرين بقلوبهم، حتى يتكوّن منهم تيار غالب يقوّى أفراده بعضهم بعضا، بحيث تصبح لهم قوة مادية يستطيعون بها أن ينكروا بألسنتهم أو بأيديهم. وهؤلاء هم الذين يكوّنون الجماعة المسلمة، هدفها: تجميع القوى المتناثرة التي تؤمن بالتغيير ولكنها لا تستطيع منفردة القيام به.. فتجمّع قواها لتصبح تيارا غالبا وقوة مادية تتغلب على المنكر وأهله.
(والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الخصيصة الأولى التي تميزت بها الأمة المسلمة. قال تعالى: )كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله() .
قدم ربنا عز وجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الذكر على الإيمان. فالإيمان مشترك بين الأمم الكتابية جميعا.. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فضيلة هذه الأمة) .
· وهذا هو معنى النداء الرباني: )ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون( .
قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: (والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهِذا الشِأن، وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه. فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).
· وهو معنى قوله تعالى: )واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون( .
قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: (ولا تفرقوا أي أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة. ولقد ضمنت لهم الآية العصمة عند اتفاقهم) .
· وهو معنى قوله تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم( . قال ابن عباس رضي الله عنه في تفسير هذه الآية: (يد الله مع الجماعة) .
· وهو معنى قوله تعالى: )واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا( . أي إن لم يوال بعضكم بعضا كما يفعل أهل الكفر حدثت الفتنة، ووقع الفساد لتناصرهم وتخاذلكم، واجتماعهم وتفرقكم.
· وهو معنى قوله تعالى: )قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني( .
قال ابن القيم في تفسير هذه الآية: قال الفراء: (أنا، ومن اتبعني يدعو إلى الله كما أدعو).
إن الخطاب الإلهي للأمة المسلمة خاصة في التكاليف الشرعية وفي إقامة شريعة الله على الأرض لم يكن إلا خطاباً جماعياً )يا أيها الذين آمنوا(.
· ومن الشبهات التي تثار حول مشروعية العمل الجماعي: الفهم الخاطئ للآية الكريمة: )يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم( .. ولقد ردّ ابِن تيمية هذه الشبهة فقال:
قوله تعالى: )عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم( لا يقتضي ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا نهياً ولا إذناً. كما في الحديث المشهور عن أبي بكر رضي الله عنه أنه خطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب) .
ومن الشبهات أيضا: أن البعض ينصرف عن العمل الجماعي خوفاً من بطش الحكومات.. وهو يرى ما تفعله هذه الحكومات بأبناء الحركات الإسلامية من قتل وسجن وتشريد.. أما الصابرون المحتسبون فيتذكرون دائماً قول النبي صلى الله عليه وسلم: (سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله).
ثانيا- شواهد السنة
· الحديث عن زيد بن ثابت مرفوعا قال: (ثلاث لا يفل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم) .
· والحديث عن حذيفة بن اليمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أن تلزم جماعة المسلمين وإمامهم) .
· وحديث الحارث بن الحارث الأشعري مرفوعا: (وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهن: السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإن من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) .
· وحديث معاذ بن جبل: (إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم، يأخذ الشاة القاصية والناحية وإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة والعامة) .
· وكان منهاجه عليه الصلاة والسلام في تشييد صرح دولة الإسلام أنه حرص لأول وهلة على الظفر والانحياز إلى جماعة تؤيده وتؤازره وتعينه على أمره، وكان يقول للناس في المواسم - وهو يعرض نفسه عليهم- : (هل من رجل يحملني إلى قومه لأبلغ رسالة ربي، فإن قريشا منعوني أن أبلغ رسالة ربي) وما زال كذلك حتى قيض الله له رجالا من الأوس والخزرج حملوه إلى المدينة وبذلوا المهج والأرواح لنصرة دعوته(.
والاقتداء به في منهج الدعوة واجب كالاقتداء به في سائر التكاليف الشرعية الأخرى {واتبعوه لعلكم تهتدون { .
ثالثا- آثار السلف
· عن جابر بن سمرة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في خطبته المشهورة التي خطبها بالجابية: (عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة) .
· وروى محمد بن سيرين عن أبي مسعود الأنصاري أنه وصّى من سأله لما قتل عثمان رضي الله عنه: (عليك بالجماعة فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة) .
· وقال الشافعي: (ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أُمر بلزومها، وإنما تكون الغفلة في الفرقة) .
· وفي تأصيل شرعية العمِل الجماعي المنظم يقول الإمام ابن تيمية: (وأما لفظ الزعيم، فإنها مثل الكفيل والقبيل والضمين، قال تعالى: )ولمن جاء به حöمل بعير وأنا به زعيم( فمن تكفل بأمر طائفة فإنه يقال هو زعيم. فإن كان تكفل بخير كان محمودا على ذلك، وإن كان شرا كان مذموما على ذلك.
وأما رأس الحزب فإنه رأس الطائفة التي تتحزب، أي تصير حزبا. فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وإن كانوا قد زادوا في ذلك أو نقصوا، مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل والاعتراض عمن لم يدخل حزبهم سواء على الحق أو الباطل، فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله، فإن الله ورسوله أمرا بالجماعة والائتلاف، ونهيا عن التفرقة والاختلاف، وأمرا بالتعاون على البر والتقوى، ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان) .
· وهذا المعنى وعاه الصحابة والسلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين وعيا كاملا، فلم يكتفوا بالدعوة الفردية، وإنما أسسوا الجماعات للدعوة إلى الله، وعملوا عملا جماعيا.
منهم الصحابي هشام بن حكيم بن حزام القرشي رضي الله عنه، قال الزهري: (كان يأمر بالمعروف في رجال معه) فهو قد كوّن جماعة آمرة، ودلل على أن الأمر بالمعروف لا بد له من عصبة، ومتى كانت عصبة كانت دعوة.
· ولقد استنكر السلف على من اعتزل العمل الجماعي بحجة الفتنة.
يروي التابعي الكوفي عامر الشعبي، أن رجالا خرجوا من الكوفة، ونزلوا قريبا يتعبدون، فبلغ ذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فأتاهم، ففرحوا بمجيئه إليهم، فقال لهم: ما حملكم على ما صنعتم؟ قالوا: أحببنا أن نخرج من غمار الناس نتعبد. فقال عبد الله: لو أن الناس فعلوا مثل ما فعلتم فمن كان يقاتل العدو؟ وما أنا ببارح حتى ترجعوا.
· وهذا عبد الله بن المبارك الداعية المجاهد.. ينكر على رفيقه الزاهد العابد الفضيل بن عياض.. اعتزاله ومجاورته في مكة.. وتركه الجهاد.. فبعث إليه يقول:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب
من كان يخضب جيده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
رابعا- العمل الجماعي عند الدعاة المعاصرين
· يقول الداعية سيد قطب (رحمه الله):
إن نقطة البدء الآن هي نقطة البدء في أول عهد الناس برسالة الإسلام.. أن يوجد في بقعة من الأرض ناس يدينون دين الحق، فيشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.. ومن ثم يدينون لله وحده بالحاكمية والسلطان والتشريع، ويطبقون هذا في واقع الحياة.. ثم يحاولون أن ينطلقوا في الأرض بهذا الإعلان العام لتحرير الإنسان.
· ويقول الإمام المودودي (رحمه الله): (إن إقامة الإمامة الصالحة في أرض الله، لها أهمية جوهرية وخطورة بالغة في نظام الإسلام، فكل من يؤمن بالله ورسوله ويدين دين الحق، لا ينتهي عمله إلا بأن يبذل الجهد المستطاع لإفراغ حياته في قالب الإسلام.
ثم إذا لم يكن من الممكن تحقق هذا المقصد الأسمى إلا بالمساعي الجماعية، لم يكن بد من أن تكون في الأرض جماعة صالحة تؤمن بمبادئ الحق، وتحافظ عليها، ولا تكون لها غاية في الحياة إلا إقامة نظام الحق وإدارة شؤونه بغاية من الاهتمام والعناية. ولعمر الحق انه ولو لم يكن على وجه الأرض إلا رجل واحد مؤمن، لما جاز له أن يرضى على نفسه بتسلط نظام الباطل. ولا يكون أمامه إلا طريق واحد. وهو: أن يدعو الناس كافة إلى منهاج الحياة الذي يرضى به الرب تعالى فإن لم يجب لدعوته أحد، فإن قيامه على الصراط المستقيم، واستمراره في دعوة الناس حتى يلقى ربه خيرñ له ألف مرة من أن يتنكب الصراط الحق ويهتف بنعرات تهش لها وتفرح بها الدنيا المتسكعة في بيداء الضلالة والغواية) .
البشير الإبراهيمي يغادر الجزائر ليستقر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة فيلحق به صديقه عبد الحميد بن باديس فيسأله:
من يحرر الجزائر إذا بقيت هنا؟
ومن يقاتل العدو إذا اعتزلتم.. صرخة مؤمنة في وجوه الهاربين من الميدان لعلها تعيدهم إلى الكفاح.. فلا بد من تحرك ومبادأة وغدو ورواح.. وليس بالقعود والتمني يصل المسلم إلى الغاية المرجوة.
· الداعية الإسلامي شكيب أرسلان (رحمه الله) كتب في مجلة (المسلمون) يخاطب أبناء فلسطين: (تأتيني كتب كثيرة من المغرب وجاوا ومصر وسورية والعراق وفلسطين، مقترحاً أصحابها عقد مؤتمر إسلامي أو انتخاب خليفة وما أشبه ذلك، ويكون جوابي دائما: يجب أن نؤسس من تحت. يجب أن نربي الفرد).
ثم يتابع فيقول: أما أن نعقد مؤتمراً مجموعاً من ضعفاء ليس لهم إرادة مستقلة وهم لا يقدرون أن ينفذوا قراراً، فما فائدة ذلك؟ أتريد أن نجمع أصفاراً) ؟
· أما حسن البنا الذي عاش في فترة عصيبة من حياة الأمة المسلمة.. سقطت فيها الخلافة.. وعاث المستعمر فسادا في بلاد المسلمين.. : لم يكن أمامه إلا أن يؤسس حركة إسلامية.. تجتمع فيها القوى الإسلامية.. تستعيد ثقتها بنفسها وبدينها.. وتعمل على تحرير الأوطان.. وإقامة دولة الإسلام.
إن أول ما نبه إليه هو: وجوب الجد والعمل، وسلوك طريق التكوين بعد التنبيه، والتأسيس بعد التدريس. ثم شرح ذلك فقال: إن كل دعوة لا بد لها من مراحل ثلاث:
· مرحلة الدعاية والتعريف والتبشير بالفكرة، وإيصالها إلى الجماهير من طبقات الشعب.
المنطلق- محمد أحمد الراشد، ص- (172-173).
· ثم مرحلة التكوين وتخير الأنصار وإعداد الجنود وتعبئة الصفوف من بين هؤلاء المدعوين.
· ثم بعد ذلك تأتي مرحلة التنفيذ والعمل والإنتاج.
وكثيرا ما تسير هذه المراحل الثلاث جنباً إلى جنب، فالداعي يدعو، وهو في الوقت نفسه يعمل وينفذ كذلك.. ولكن لا شك في أن الغاية الأخيرة، أو النتيجة الكاملة، لا تظهر إلا بعد عموم الدعاية وكثرة الأنصار ومتانة التكوين.
خلاصة الأمر
1- إن هذا الدين ليس مجرد وصايا نظرية يؤمن بها المسلم.. ومن ثم يترك سبيل إدارة المجتمع للآخرين. إن طبيعة الإسلام أن ينشئ تجمعا عضويا حركيا يؤمن بعقيدة الإسلام.. ويتحول من فوره إلى جماعة تبذل الوسع لإقامة شرع الله. وإذا كانت إقامة الإسلام واجبا.. فالجماعة المسلمة التي هي وسيلته.. واجب كذلك، على قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
2- والجماعة الإسلامية المطلوبة.. هي جماعة راشدة، مستسلمة لربها، تقوم بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مؤتلفة ذات شخصية متميزة، لها هدف محدد، ويحكمها نظام واضح ومحدد.. قال تعالى: )ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون( .
جاء في تفسير المنار: (إن الأمة أخص من الجماعة، فهي الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم، ووحدة يكونون بها كالأعضاء في بنية الشخص الواحد).
3- والاعتصام بالجماعة.. عصمة من الاجتماع على ضلالة.. قال ابن مسعود رضي الله عنه: (عليكم بالجماعة فإن الله لا يجمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة)...وعصمة من الفشل والتنازع )ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم( .
4- والجماعة لا بد منها، أمام هذا الحشد الهائل لأعداء الدين.. وأمام هذه التجمعات التي تحارب الإسلام بإمكانات كبيرة.
ومهما أوتي الفرد من قدرة فإنه لا يستطيع النهوض بتبعات الدين وتكاليفه ليبلغ بها الأهداف المرجوة والآمال المبتغاة.