الشورى في الإسلام
1- الشورى في حياة المسلمين
تعد الشورى من القيم الإنسانية والاجتماعية التي جاء بها الإسلام، واهتم بها اهتماما شديدا، فمنذ فجر الدعوة الإسلامية، والمسلمون في مكة أفراد مضطهدون مطاردون، أنشأ القرآن منهم مجتمعا متعاونا متكافلا تضم أفرادَه روابطُ الأخوة والتضامن، وهي: الإيمان بالله وعبادته سبحانه (بإقامة الصلاة)، والتعاون بتبادل المشورة، والتكافل في الإنفاق، قال تعالى: )والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون(، وبذلك جعل الشورى أحد أركان التضامن الاجتماعي، وكرمها بأن جعلها عنوان سورة (الشورى) وهي من السور المكية.
أما النص الثاني بشأن الشورى فقوله تعالى: )فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظِا غليِظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر( .
من هاتين الآيتين الكريمتين يظهر مدى اهتمام القرآن الكريم بتقرير مبدأ الشورى، وفرضها منذ بداية الدعوة في مكة، باعتبارها منهج بناء المجتمع المسلم، وقاعدة النظام الاجتماعي في الإسلام، ثم أعاد تأكيد ذلك المبدأ في المدينة بعد أن أصبح للمسلمين دولة، فجعلها أساس نظام الحكم أو النظام الدستوري.
2- معنى الشورى
ومعنى الشورى: ألا ينفرد الإنسان بالرأي وحده في الأمور التي تحتاج إلى مشاركة عقل آخر أو أكثر، فرأي الاثنين أو الجماعة أدنى إلى إدراك الصواب من رأي الواحد، كما أن التشاور في الأمر يفتح مغاليقه، ويتيح النظر إليه من مختلف زواياه، بمقتضى اختلاف اهتمامات الأفراد، واختلاف مداركهم وثقافتهم، وبهذا يكون الحكم على الأمر مبنيِا على تصور شامل، ودراسة مستوعبة، فالإنسان بالشورى يضيف إلى عقله عقول الآخرين وإلى علمه علوم الآخرين.
والشورى هي (منهاج الإدارة في صنع واتخاذ القرار وهي عكس الاستبداد بالرأي، لما تسمح به من تنوع في الآراء التي تعرض قبل حسم الأمر) .
فالشورى مبدأ يتنافى مع الاستبداد، ويتعارض مع الارتجالية.
وهي دعوة للأصلح في كل الأمور.. تهم الفرد والجماعة والدولة سواء بسواء... فهي تربية للأفراد.. ومنهاج للجماعات.. وركن أساس في النظام السياسي في الإسلام...
وإذا كانت الشورى لازمة للفرد في حياته... ولرب الأسرة في بيته... وللرجل المصلح في مسيرته.. فهي للقائد ألزم من هؤلاء جميعا.
(ولقد أثبتت التجارب الكثيرة: أن مكان الداء في جسم هذه الأمة هو في موضع القيادة منها، وكانت الأمة لا تنهض إلا إذا نهض بها قادتها. وكانت الرقابة على هذه القيادة أمرا لابد منه لضمان حسن سير هذه القيادة، ورحم الله أبا بكر رضي الله عنه فإنه كان واعيا لهذه الناحية، وقد دعا لها في أول خطبة له بعد أن بويع بالخلافة، قال:
(يا أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم.
إنها دعوة منه إلى الأمة بأسرها أن تراقب فيه طاعة الله وأن تأخذه عليها إذا ما خرج عن دائرتها) .
ولم يكن ذلك قول أبي بكر وحده... بل هو قول جميع الخلفاء الراشدين المهتدين بهدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم. من هذا الهدي قالت الأمة للفاروق: (لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بحد سيوفنا)... وعندما انتهر أحدهم القائلَ... لم يرض عمر بل قال: (لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نقبلها).
هكذا بسطت الشورى القضية.. وعرّفت كل فريق بحقوقه وواجباته، وأقامت الأمة شاهدة على قيادتها، وألزمت الجميع حدود المصلحة.. (وحيثما تدور المصلحة فثم شرع الله ودينه)..
· أما في حياة الفرد فقد وجه الإسلام المسلم إذا أراد أن يقدم على أمر من الأمور المهمة، التي تختلف فيها الوجهات، وتتعارض الآراء والرغبات، ويتردد فيها المرء بين الإقدام والإحجام، أن يستعين بأمرين يساعدانه على اتخاذ القرار الأصوب.
أحد هذين الأمرين: رباني، وهو استخارة الله تعالى، وهي صلاة ركعتين يعقبها دعاء مضمونه أن يختار الله له خير الأمرين في دينه ودنياه، ومعاشه ومعاده.
والثاني: إنساني، وهو استشارة من يثق برأيه وخبرته ونصحه وإخلاصه، وبهذا يجمع بين استخارة الخالق واستشارة الخلق، وقد حفظ المسلمون من تراثهم: (لا خاب من استخار ولا ندم من استشار) .
· وفي حياة الأسرة يدعو الإسلام إلى أن تقوم الحياة الأسرية على أساس من التشاور والتراضي، وذلك منذ بداية تكوين الأسرة.
ولهذا رفضت نصوص الشريعة أن يستبد الأب بتزويج ابنته -ولو كانت بكرا- دون أن يأخذ رأيها، وأوجب التوجيه النبوي أن تستأذن البكر وإن كانت تسحيي... بل رغّبت السنة آباء البنات أن يشاوروا أمهات بناتهن في أمر زواجهن، أي يشاور الرجل زوجته عند تزويج ابنتهما، وفي هذا جاء الحديث الذي رواه الإمام أحمد: (آمروا النساء في بناتهن).
وبعد بناء الأسرة ينبغي للزوجين أن يتشاورا فيما يهم الحياة المشتركة بينهما، وفيما يهم كل واحد منهما على حدة، وفيما يهم حياة ذريتهما ومستقبلهما. ولا يجوز أن يستهان برأي المرأة هنا، كما يشيع عند بعض الناس، فكم من امرأة كان رأيها خيرا وبركة على أهلها وقومها.
وما كان أحصف رأي خديجة وموقفها في أول ساعات الوحي، ودورها في تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم... وكذلك رأي أم سلمة يوم الحديبية... ومن الروائع القرآنية التنبيه على ضرورة التشاور والتراضي بين الزوجين فيما يتصل برضاعة الأولاد وفطامهم ولو بعد الانفصال بينهما. يقول الله تعالى: )والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين، لمن أراد أن يتم الرضاعة، وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف( إلى أن قال: )فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما( .
· وفي حياة المجتمع والدولة المسلمة، فقد جعلها القرآن من المكونات المهمة للجماعة والدولة المسلمة.
3- الشورى بين الحق والواجب
(لقد امتاز الإسلام عن جميع مذاهب الأرض أنه جعل كلمة الحق والصدع بها حقا لكل مسلم بل واجبا على كل مسلم، ولقد كان مما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم به العهد على أصحابه (أن يقولوا الحق لا يخافون في الله لومة لائم) .
ولنستمع إلى رأي الشيخ محمد أبي زهرة وهو يعلق على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ندم من استشار ولا خاب من استخار) قال رحمه الله:
(إن هذا الخبر المأثور يدعو إلى أمرين:
أولهما: تخير الأمور، عند الإقدام على العمل، فمعنى استخار تخير الأمر ودرسه من كل وجوهه وتعرف وجه الخير فيه، والطريق إلى الوصول إليه، ويجب أن يتعرفه من كل نواحيه فيتعرف الغايات والثمرات، والولوج فيه والخروج منه إن لم يجد في أثناء التنفيذ الطريق معبدا، والسبيل ممهدا.
وإذا كان قول الحق واجبا لتتم الشورى، وإن ذلك واجب على الآحاد، فإنه يجب على أولياء أمور المسلمين ثلاثة أمور:
· أن يعرضوا الموضوعات العامة لأخذ الرأي فيها، ويستحثوا ذوي الفكر أن يبدوا آراءهم، وإن سكتوا دعوهم للقول، وحرضوهم عليه، ووضعوا بين أيديهم المعلومات التي تمكنهم من أن يبدوا آراءهم على بينة ونور من الحق..
· أن يشجعوا القول المخالف، كما يريدون القول الموافق فإنه لا يقتل الشورى إلا الرغبة في الموافقة.
· أن يختاروا بطانة صالحة.
والمعنى الثاني للشورى: هو أن يبدي كل مستشار رأيه حرا مختارا ينطق به ويؤيده ويدعو إليه ويجادل عنه، غير وان ولا مقصر، ولا يجامل ولا يمالئ) ..
4- حدود الشورى في الإسلام
وحدودها ما جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة، فلا اجتهاد ولا شورى في موطن النص.. إلا إذا كان اجتهادا في فهم النص وتفسيره.. وكان الصحابة يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة عن القضايا التي تعترضهم.. هل هي وحي من عند الله.. وعندها السمع والطاعة والتنفيذ الصارم..
أم هي الرأي والمشورة.. أو الحرب والمكيدة.. وعندها تسمع الرأي والرأي الآخر، تسمع الموافقة والمعارضة.. ورسول الله يقبل كل ذلك منهم.
(والعبادات من الأمور التي لا مجال فيها لرأي أو مشورة.. فلا يجوز إثبات شيء منها إلا بنص، وذلك أن الله لا يعبد إلا بما شرع هو سبحانه وتعالى. وهذا أيضا شأن كيفياتها وحركاتها وسكناتها وكل عمل في العبادات ليس عليه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فهو مردود على فاعله، (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) .
أما الأمور التنظيمية التي لم يرد فيها نص قاطع والتي تمس مصالح المسلمين في شؤونهم العامة والخاصة وعلاقتهم مع الغير:
كالأمور السياسية التي تحكم علاقات الدولة المسلمة أو الجماعات الإسلامية مع الآخرين.. سلما أو حلفا أو حربا..
والأمور الإدارية التي تنظم أوضاع المسلمين.. وتحدد أولوياتهم.. وتختار قياداتهم..
والأوضاع الاقتصادية التي تنص على الموارد والمصارف.. ووجوه الصرف..
والرقابة الذاتية التي يقوم بها جميع المسلمين في تسديد الحاكم إذا أخطأ وإرجاعه إلى الجادة إذا انحرف.. وعزله إذا شذّ..
ونشر الإسلام في الأقطار.. وأجهزة التبليغ.. وما إلى ذلك من الوسائل الحديثة التي تجدّ في حياة المسلمين.. كل هذا إذا لم يرد فيه نص قاطع فمرجعه إلى الشورى.
وكان عمر رضي الله عنه يقول: (لا خير في أمر أبرم من غير شورى).
ويؤكد ذلك أبو بكر رضي الله عنه فيقول: (استشيروا القرآن، وألزموا الجماعة، وليكن الإبرام بعد التشاور، والصفقة بعد طول النظر)..
5- أهل الشورى
وإذا كانت الشورى على مثل هذه الأهمية القصوى في حياة المسلمين فمن هم أهل الشورى هؤلاء الذين يتخذون مثل هذه القرارات الحاسمة؟ من هم ومن يختارهم، وما مؤهلاتهم وما أعدادهم؟
إذا تتبعنا وقائع الشورى في المجتمع المسلم الأول في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين فماذا نجد؟
· نجد الرسول صلى الله عليه وسلم يستشير جميع المسلمين في الخروج لقتال المشركين يوم أحد.
· ونجده صلى الله عليه وسلم يحرص على معرفة رأي الأنصار في ملاقاة المشركين في غزوة بدر.. فهم يوم بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا حتى نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف أن تكون الأنصار لا ترى عليها نصره إلا ممن زحمه بالمدينة من عدوه. وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو في بلاده. فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشيروا عليّ أيها الناس.
قال سعد بن معاذ رضي الله عنه: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله.
قال: أجل.
قال: لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك .
· ونجده يستشير السعدين (سعد بن معاذ وسعد بن عبادة) فقط في محاولته مصالحة غطفان على ثلث ثمار المدينة ليرجعوا بقومهم عن المدينة في محاولة منه لتفريق الأحزاب التي تآمرت على المسلمين من داخل المدينة ومن خارجها.
· ونجده يستشير الناس جميعا في قضية الإفك.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أشيروا عليّ معشر المسلمين في قوم أبنوا أهلي ورموهم، وأيم الله ما علمت على أهلي من سوء، وأبنوهم ممن؟ والله ما علمت عليه إلا خيرا).
· ونجده يستشير عليا وأسامة بن زيد فقط في شأن فراق عائشة بعد أن قال أهل الإفك فيها ما قالوا.
· ونجده صلى الله عليه وسلم يستشير جميع الناس يوم الحديبية فيقول: (أشيروا أيها الناس عليّ، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت)؟
· ونجده يستشير نوفل بن معاوية الديلي فقط في أمر حصار الطائف.. فقد حاصرها المسلمون طويلا ولم يتمكنوا من فتحها.. وقد أشار عليه نوفل فقال: ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك.
· ونجد أبا بكر رضي الله عنه الصديق يستشير الناس في حرب فارس والروم.
· ونجد الفاروق عمر رضي الله عنه يستشير الناس في اختيار الأمراء، وقسمة أرض الفتح، وتولية الخليفة من بعده.
· ونجد عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يستشير الناس جميعا حتى النساء والعامة في أيهم يختارون للخلافة من بعد عمر..
من هذه الحوادث وغيرها كثير نتبين أن:
(أهل الشورى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم هم كبار الصحابة من السابقين الأولين الذين امتحنوا وجربوا فحازوا على الثقة. ثم بعد الهجرة أضيف إليهم زعماء الأنصار.. ثم برز في عهد الخلفاء الراشدين عنصران آخران: هما عنصر من الذين قاموا بأعمال جليلة في الشؤون العامة وفي الدعوة إلى الدين.. وعنصر من الذين نالوا شهرة عظيمة بين الناس من حيث علم القرآن والتفقه في الدين.
ونستطيع أن نميز -في هذه المرحلة- ثلاث طبقات من أهل الشورى:
1- مسائل فنية خالصة يؤخذ فيها برأي الفنيين المختصين.
2- مسائل تشريعية عامة يؤخذ فيها برأي أهل الشورى.
3- مسائل أكثر عمومية وشمولا: مثل إعلان الحرب والصلح والتحالفات واختيار الخليفة وغير ذلك من القضايا تحتاج إلى معرفة رأي الناس جميعا) .
6- شروط أهل الشورى
· جاء في الحديث الشريف: (المستشار مؤتمن).
· واشترط الإمام الماوردي فيهم: العدالة الجامعة لشروطها، والعلم في شؤون الحكم، والرأي والحكمة.
· وكذلك فقد اشترط الإمام النووي فيهم: صفة الشهود كالإسلام والحرية والتكليف وألا يكون متهما في شهادته. ومن الشروط كذلك أن يتمتعوا برضا الأمة وثقتها .
7- اختيار أهل الشورى؟
· في عهد النبي صلى الله عليه وسلم: كان السابقون الأولون الذين استجابوا للدعوة قبل غيرهم هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأهل مشورته..
ولم يكن هؤلاء بحاجة إلى انتخاب فقد كانوا معروفين زكتهم أعمالهم ومواقفهم.
· وفي عهد الخلفاء الراشدين.. كان للخليفة مجلس محدد في المدينة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.. وكان للوالي في الأمصار مجلس استشاري آخر.
· أما في العصور التي جاءت بعد ذلك.. عندما توسعت رقعة الدولة الإسلامية فلم يعد بد من إيجاد وسائل أخرى لاختيار أهل الشورى.
1- الإمام حسن البنا والأستاذ المودودي يرون أن الانتخابات البرلمانية النزيهة هي من الطرق المعقولة والممكنة في اختيار أهل الحل والعقد.
2- والفقيه الدستوري مصطفى كمال وصفي يرى أن اختيار أهل الشورى يتم عن طريق ظاهرة التدرج الاجتماعي.
3- والفقيه الدستوري الدكتور محمد رأفت عثمان يرى أن تشكيل مجالس الشورى يتم عن طريق التعيين من قبل رئيس الدولة.
وإذا كانت ظاهرة التدرج الاجتماعي غير ممكنة في عصرنا الحاضر.. كما أن أسلوب التعيين من الأساليب المرفوضة.. فإن نظام الاختيار الذي يراه الإمام حسن البنا والإمام المودودي هو من أكثر الآراء العلمية التي يمكن أن تأخذ بها الحركة الإسلامية أو الدولة الإسلامية. ولقد ذكر الإمام حسن البنا: (أن الإسلام لا يأبى هذه النظم ما دامت تؤدي إلى اختيار أهل الحل والعقد، وذلك ميسور إذا لوحظ في أي نظام من نظم تحديد الانتخاب صفات أهل الحل والعقد وعدم السماح لغيرهم بالتقدم للنيابة عن الأمة) .
8- المرأة وأهل الشورى
بقيت مسألة هامة وهي هل يجوز أن تشترك المرأة في مجالس الشورى؟ وأن تكون عضوا في جماعة أهل الحل والعقد؟
وهي مسألة توصلنا بالطبع إلى حقوق المرأة السياسية.. التي اختلف الفقهاء حولها.. فمنهم من لا يرى لها مثل هذه الحقوق.. ومنهم من يرى أن الإسلام قرر للمرأة كامل حقوقها السياسية باستثناء رئاسة الدولة..
والمتتبع لآيات القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، وللواقع التاريخي، يجد أن الأدلة أرجح إلى جانب الفريق الثاني الذي يقول بأن المرأة كالرجل لها كامل الحقوق السياسية. ولنسرد هنا بعض الأدلة.
أولا- من القرآن الكريم
1- )ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف( . وهذا يعني المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات.
2- )ولقد كرمنا بني آدم( . والتكريم هنا يشمل المرأة والرجل على السواء.
3- )والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمِِرون بالمعِروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله( . وهل السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية إلا أمرا بمعروف ونهيا عن منكر.
ثانيا- من السنة المطهرة
1- (إن الرسول صلى الله عليه وسلم أقر للمرأة الحقوق السياسية بأن أجاز لها الأمان في السلم والحرب، فقد قبل أمان أم هانيء لأحد الكفار يوم فتح مكة، فقال: (قد أجرنا من أجرت يا أم هانيء).
2- إن النبي صلى الله عليه وسلم بايع وفد الأنصار في العقبة الثانية وكان من بينهم امرأتان. وفي هذه البيعة شاركت المرأة بالعهد السياسي على نفسها ومالها بالدفاع عن مبادئ الإسلام ورسوله وهذا يعني اشتراكها في الحقوق السياسية.
3- عمل الرسول صلى الله عليه وسلم بإشارة زوجه أم سلمة يوم الحديبية) .
والجدير بالذكر أن هناك مجموعة من الأحاديث يستشهد بها من لا يعطي للمرأة أي حق سياسي وهي بين حديث موضوع أو ضعيف.. مثلا:
(شاوروهن وخالفوهن)، (يقول عنه الألباني.. لا أصل له مرفوعا).
(طاعة النساء ندامة)، (يقول عنه الألباني انه موضوع).
(هلكت الرجال حين أطاعت النساء)، (يقول عنه الألباني أنه ضعيف).
ويروون عن عمر: (خالفوا النساء فإن في خلافهن البركة)، (يقول عنه الألباني انه ضعيف).
ثالثا- من الواقع التاريخي
1- فقد روي عن تولية عمر رضي الله عنه لأم الشفاء حسبة السوق، والحسبة من الولايات العامة.
2- قامت عائشة على رأس جيش محارب بلغ ثلاثة آلاف رجِل من مكِة إلى البصِرة تطِالب بدم عثمان، وإعادة الأمر شورى، مجتهدة في إصلاح ذات البين. وكان وضعها وضع رئيس الدولة الفعلي، فقد كانت المرجع الأول والأخير في جميع الشؤون الدينية والسياسية خلال فترة رئاستها للجيش.
3- إن النساء اشتركن في كثير من الشؤون العامة، كما حدث في بيعة العقبة الثانية، وموقف فاطمة رضي الله عنها من خلافة أبي بكر، ومعارضة المرأة لعمر في مسألة الصداق، ودور نائلة زوج عثمان بن عفان رضي الله عنه في الفتنة، واستشارة النبي صلى الله عليه وسلم لزوجه أم سلمة في الحديبية، واستشارة عبد الرحمن بن عوف للنساء في الاقتراع لاختيار الخليفة الجديد.
هذه الشواهد من القرآن والسنة المطهرة والوقائع التاريخية دليل على جواز مشاركة المرأة في الحياة العامة وسياستها. ودليل على منحها الحقوق السياسية وهي تشمل بالطبع حقها في الانتخابات وعضوية مجلس الشورى، وكذلك باقي الولايات العامة إلا ما استثناه النص وهي (الإمامة العظمى).
وإذا كان الإسلام قد أقر للمرأة بهذه الحقوق.. يصبح من الضروري لها أن تطالب بهذا الحق، وعلى الجماعات الإسلامية أن تعمل على إعطائها إياه.. ضمن الوسائل التي تحفظ المصلحة الإسلامية من أية مفاسد قد تنشأ عن سوء التطبيق .
9- لا قرار بغير شورى
معظم المناقشات التي جرت في أوساط الإسلاميين في السنوات الأخيرة حول موضوع الشورى.. كانت تدور حول محور إلزامية الشورى: أي هل يلتزم الأمير في الجماعة الإسلامية بقرار مجلس الشورى.. أم أنه يستأنس بهذا الرأي ولا يلزمه؟ أو بالعبارة الشائعة: هل الشورى ملزمة للأمير أم معلمة؟
ونحن نعتقد أن هذه القضية مع أهميتها.. ليست هي الأساس، بل أن قضية وجوب الشورى.. وعدم جواز أن يصدر قرار بغيرها هي الأهم في نظرنا.
إن آية )وشاورهم في الأمر( لم تأت على سبيل الخيار أو الندب، وإنما وردت على سبيل الإلزام.
كما أن آية )وأمرهم شورى بينهم( تعتبر صفة لازمة لجميع المؤمنين لا يمكن لأحد منهم أن يشذ عنها.
والشورى في الإسلام مبدأ إلزامي لا يجوز العدول عنه.. وكل حكم لا يتخذ الشورى مبدأ له، لا يكون حكما إسلاميا لمخالفته هذا المبدأ الأساسي من مبادئ التشريع الإسلامي.
وذهب القرطبي في تفسيره إلى أن من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب.
الرسول يستشير
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه في شؤونه الخاصة وفي شؤون الدولة العامة:
· ففي غزو بدر:
شاورهم في الخروج ابتداء..
وشاورهم عندما خرجت قريش تدافع عن عيرها..
وشاورهم في المنزل يوم بدر..
وشاورهم في أسارى بدر..
· وفي غزوة أحد
شاورهم في كيفية محاربة العدو، هل يخرج إليهم أم يبقى متحصنا في المدينة..
· وفي غزوة الأحزاب
أخذ بمشورة سلمان الفارسي فحفر الخندق..
واستشارهم في مصالحة غطفان على ثلث ثمار المدينة.
· وفي سبي هوازن
استشارهم في إطلاق السبي بعد دخول هوازن في الإسلام.
· وفي الحديبية
استشارهم بقتال المشركين عندما علم بأنهم مانعوه البيت، واستشار زوجه أم سلمة عقب صلح الحديبية.
· وفي حصار الطائف
استشار نوفل بن معاوية في استمرار الحصار أو الرحيل..
· كما استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في قضاياه الخاصة (مثل حادثة الإفك) وفي القضايا العامة الأخرى.. حتى قالت عنه عائشة: ما رأيت رجلا أكثر استشارة للرجال من رسول الله .
· وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشار عليه بالرأي مخالفا لرأيه فيأخذ به، فقد بعث رسول الله أبا هريرة يبشر الناس بأن من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فخشي عمر أن يتكل الناس فقال للنبي: فخلهم يعملون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فخلهم يعملون.
· ويبدأ أبو بكر رضي الله عنه حياته السياسية بالشورى:
ينتخبه المسلمون شوريا..
وأكد مبدأ الشورى في أول خطاب سياسي له بعد انتخابه.
ويتخذ قراره بحرب المرتدين بعد استشارة واسعة للصحابة.
· أما في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد (تقدم النظام الاستشاري غاية التقدم،، بحيث أصبح هذا النظام الجوهر الأساسي لنظام الحكم.. فأنشأ مجلس الشورى من كبار القوم من المهاجرين والأنصار. وكانت طريقته المتبعة لعقد اجتماع المجلس، أن يؤذن للصلاة -جامعة- فيجتمع الناس ويصلي بهم عمر رضي الله عنه، ويصعد المنبر، ويطرح المسألة.. وكان القرار يصدر بالأغلبية.. هذا فيما يتعلق بالأمور الهامة، وهناك أمور أكثر أهمية كان يُعقد لها اجتماع عام وتتخذ فيه القرارات بالإجماع.
وكان هناك مجلس آخر مؤلف من كبار المهاجرين تبحث فيه الأمور الإدارية العامة والشؤون اليومية، وكان عمر رضي الله عنه يرفع إلى هذا المجلس الأخبار والتقارير التي ترد إليه من الأقاليم والمقاطعات يوميا) .
فقد استشار عامة الناس في ذهابه بنفسه إلى العراق على رأس جيش لنجدة المثنى بن حارثة أم يبقى في المدينة..
واستشار المجلس في اختياره للولاة وقواد الجيش..
واستشارهم في تنظيم مرافق الدولة.
واستشارهم في قضية أرض السواد.
واستشارهم في حد الخمر، وفي قتال الفرس، وفي قضية إملاص المرأة.
واستشارهم في طاعون عمواس.
واستشارهم في اختيار الخليفة من بعده.
· وكذلك حرص عثمان رضي الله عنه، وعلي كرم الله وجهه علِى تطبيِق مبِدأ الشِورى، كمِا حِرص الصحابة، وأصحاب الرأي على إبداء آرائهم واعتراضاتهم، في جميع الحالات التي مرت بالدولة.. وكانت تحتاج للشورى والمراجعة.
من هذه الوقائع نستنتج بأن الشورى واجبة وأنه لا قرار بغير شورى.. وأن الحاكم المسلم أو الأمير المسلم الذي يفرط بالشورى.. يكون قد فرّط في شيء أساسي من واجباته..
وهناك رأي آخر
وليس معنى ذلك أنه لا يوجد من يخالف هذا الرأي.. بل إن بعضهم تبنى أن الشورى ليست واجبة على ولي الأمر.. وإنما هي للندب والاستئناس.. واستشهدوا على ذلك، بعدة حوادث منها:
1- صلح الحديبية وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد الصلح مع قريش بدون شورى.
2- وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشاور المسلمين في قتال بني قريظة.
3- وأن أبا بكر رضي الله عنه أنفذ جيش أسامة دون أن يستمع لرأي الصحابة المعارض.
4- وأن أبا بكر قام بحرب المرتدين دون شورى.
5- وأن عمر رضي الله عنه قاسم ولاته نصف أموالهم بغير شورى.
6- وأن عليا بن أبي طالب رضي الله عنه لم يشاور الصحابة في بعض المسائل.
وسنناقش هذه القضايا جميعا، وسنبين إن شاء الله أن الأمة المسلمة التي كرّمها الله بالإسلام والإيمان فكانت خير أمة أخرجت للناس، وكانت الشورى صفة أساسية تلازم الفرد فيها، وتلازم الحاكم، وتلازم الدولة، حتى أصبحت سمة أساسية من سمات المسلمين.. هذه الأمة لم تنحدر، إلا يوم تحولت من شورى ورحمة إلى ملك عضوض يفرض ويستبد.. ولم تجمد الجماعات إلا عندما جمدت قناعاتها بالشورى.. وتقلص معها تفاعل الشورى بين القاعدة والقيادة.
وهذا المعنى هو الذي عناه الحسن البصري رضي الله عنه عندما قال: (أفسد أمر هذه الأمة اثنان: عمرو بن العاص يوم أشار على معاوية برفع المصاحف، والمغيرة بن شعبة حين أشار على معاوية بالبيعة ليزيد، ولولا ذلك لكانت شورى إلى يوم القيامة) .
فعندما اكتفى معاوية برأي عمرو بن العاص في معركة صفين.. واكتفى برأي داهية آخر في قضية ولاية العهد.. وعطّل الشورى على أوسع نطاق يوصله إلى الصواب.. عندما فعل ذلك تحولت الدولة الإسلامية من خلافة راشدة على منهاج النبوة إلى ملك عضوض.. وشتان بين الرشاد.. وبدايات الفساد.
كانت الشورى هي المقياس.. فإذا سئل سيدنا علي رضي الله عنه.. لماذا لم يستقم أمر الدولة في زمانه كما استقام أيام أبي بكر وعمر.. قال: يومها كنا نحن المستشارين.. وأنتم اليوم مستشارونا.. فعندما تدنى مستوى الشورى، تدنى بالتالي مستوى الدولة ذاتها.
10- هل يلزم قرار الشورى الأمير؟
بقيت النقطة الهامة التي يتحدث عنها الكثيرون.. بل ويحصرون فيها حديثهم:
· هل يتخذ القرار بأغلبية أصوات مجلس الشورى.. وعلى الأمير تنفيذه سواء وافق رغبته أم عارضها؟
· أم أن قرار مجلس الشورى لا يلزم الأمير في شيء.. أخذه إن أراد وتركه إن أراد؟
ولنستعرض بعض الوقائع التي اختلف الفقهاء فيها لنتبين وجه الصواب في هذه المسألة.
صلح الحديبية
(ففي هذه الحادثة يرى الدكتور حسن هويدي (حفظه الله) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خالف الأكثرية في عدة مواقف:
1- قال المسلمون: ( والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم).
فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: اكتب باسمك اللهم.
2- قال المسلمون: (سبحان الله كيف يُرد إلى المشركين وقد جاء مسلما)؟ ورده رسول الله.
3- أمرهم بالنحر والحلق فما قام منهم أحد.
4- إبرام شروط الصلح المشهورة التي تبدو وكأن فيها حيفا عليهم.
ويرى الدكتور حسن الهويدي أن الحادثة واضحة كالشمس في استعمال القائد حقه، في أمر يراه صوابا وإن خالف رأي الأكثرية، وذلك دليل قطعي على عدم إلزامية الشورى.
فإن قال قائل إن ذلك بوحي: قلنا لم يكن ذلك بوحي، فإن كان يريد سورة الفتح، فما نزلت إلا بعد قفولهم من الحديبية) .
أما القول الآخر الذي يراه الكثيرون فهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفذ هذا الصلح بأمر من الله تعالى.. ومعلوم أن ما فيه نص من الله فليس من مواطن الشورى.
ففي رواية البخاري لحادثة صلح الحديبية أن ناقة الرسول صلى الله عليه وسلم بركت قبل مكة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد حبسها حابس الفيل. ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها.. بل إن عمر بن الخطاب عندما اعترض على الصلح قال له رسول الله:
(إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري) وفي رواية لابن كثير: (أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني).
فإذا أمضى رسول الله صلح الحديبية بأمر من الله.. فلا مجال للشورى أساسا في مثل هذا الموقع...
أسرى بدر
(يرى الدكتور عبد الحميد متولي أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأخذ برأي أصحابه في حادثة أسرى بدر، وإنما أخذ برأيه الذي كان يشاركه فيه أبو بكر) .
وفي رواية مسلم للواقعة: (فلما كان من الغد جئت (أي عمر) فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان.. فقال رسول الله أبكي للذي عرض عليّ أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة).
وواضح من الحديث الصحيح أن كثيرين غير أبي بكر شاركوا رسول الله هذا الرأي. وهناك أحاديث صحيحة أخرى تؤيد ذلك . وهو بالتالي يسقط حجة من يقول بأن الرسول صلى الله عليه وسلم انفرد مع أبي بكر بالرأي.
جيش أسامة
يرى الدكتور حسن هويدي (حفظه الله) أن هذا الحادث في وضوحه وصراحته، وأهميته لا يحتاج إلى تعليق، فهو شاهد بألفاظه وعباراته، وتشبيهاته على عدم إلزامية الشورى.
والذي يرجع إلى قصة جيش أسامة يدرك أن أبا بكر لم ينكر حق الصحابة في إبداء رأيهم ولكنه ذكرهم أن القضية هي عدم جواز نقض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أمر بإنفاذ الجيش فاقتنعوا بحجته وانقادوا لرأيه وحينئذ فقط بعث جيش أسامة.
قتال أهل الردة
يرى بعض المؤلفين أن أبا بكر انفرد برأيه في قتال المرتدين، وأنه خالف الجميع في ذلك.. وتكفينا في رد هذا الرأي رواية البخاري (فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة، إذ كان عنده حكم رسول الله في الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة وأرادوا تبديل الدين وأحكامه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: من بدل دينه فاقتلوه) .
ففي الحديث الصحيح الذي رواه كل من البخاري ومسلم والذي ذكره عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله).
بيّن أبو بكر رضي الله عنه للصحابة هذا النص الواضح تراجعوا عن موقفهم وأيدوه.. وها هو عمر -قائد المعارضة في هذه المسألة- يقول: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه، فعرفت أنه الحق.
حادثة أرض السواد
يرى بعض الكتاب أن عمر خالف أكثرية الصحابة ولم يقبل أن يوزع أرض السواد في العراق على الفاتحين. والروايات الكثيرة التي ذكرها القاضي أبو يوسف في كتاب (الخراج) ود. محمد سليم العوا في كتابه (في النظام السياسي للدولة الإسلامية) ود. سليمان محمد الطماوي في كتابه (عمر بن الخطاب) وأبو يعلى الفراء في كتابه (الأحكام السلطانية) وغيرهم تؤكد أن عمر رضي الله عنه لم يفعل ما فعله في أرض السواد إلا بعد موافقة أغلبية أهل الشورى.. فلا عبرة للآراء في أثناء المناقشة.. ولكن العبرة للآراء في نهايتها..
الشورى بين الشكل والموضوع
والأمر المثير للدهشة أن كلا الفريقين -الذين يقولون بإلزامية الشورى والذين لا يرون ذلك- كلاهما يستشهد بالحوادث نفسها.. ويستنتج منهِا ما يدعم رأيه ويخالف الآخرين.. وعلى هذا الأساس يقول الأستاذ سيد قطب وهو يعلق على آية )وأمرهم شورى بينهم(:
وأما الشكل الذي تتم به الشورى فليس مصبوبا في قالب حديدي، فهو متروك للصورة الملائمة لكل زمان ومكان، لتحقيق ذلك الطابع في حياة الجماعة الإسلامية.
وهو الموقف ذاته الذي دفع الإمام المودودي لأن يقول:
(ما هي منزلة المجلس التشريعي - أهل الحل والعقد - الحقيقية في الإسلام؟
· هل هو مستشار لرئيس الدولة، وله أن يقبل مشورة أعضائها أو يردها إن شاء؟
· أم هو مقيد بما تتفق عليه آراء أغلبيتهم أو إجماعهم؟
فالذي يبينه الله تعالى في القرآن في هذا الباب أن المسلمين ينبغي لهم أن يقطعوا أمورهم بالمشاورة فيما بينهم )وأمرهم شورى بينهم(، وقد أمر الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم - وهو رئيس الدولة الإسلامية - بمشاورة المسلمين فقال: )وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله) فهاتان الآيتان توجبان المشاورة على رئيس الدولة وتأمرانه بأنه إذا عزم على شيء بعد المشاورة فعليه تنفيذه متوكلا على الله تعالى. ولكنهما لا تكفيان للقطع في المسألة التي نحن بصددها الآن. وكذلك ما وجدت حكما قاطعا في هذا الباب في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. غير أن العلماء قد استنبطوا من عمل الصحابة في عهد الخلافة الراشدة أن رئيس الدولة هو المسؤول الحقيقي عن شؤون الدولة وعليه أن يسيرها بمشاورة أهل الحل والعقد، ولكنه ليس مقيدا بأن يعمل بما يتفقون عليه -كلهم أو أكثرهم- من الآراء. وبكلمة أخرى أنه يتمتع بحق الاعتراض (الفيتو) بإزائهم.
ولكن هذا الرأي - في صورته المجملة هذه- كثيرا ما يسبب سوء الفهم عند الناس في هذا الزمان، إذ هم يحاولون فهمه بالقياس إلى أحوالهم وأوساطهم الحاضرة ولا ينظرون إلى ذلك الزمان ولا الوسط الذي أخذنا هذا الرأي من أعمال الأمة فيه. فما كان أهل الحل والعقد في عهد الخلافة الراشدة منقسمين إلى أحزاب متفرقة، وما كانوا يحضرون مجالس الشورى بعد أن يعقدوا مؤتمراتهم الحزبية ويضعوا لهم خطة العمل والسياسة.. بل كانوا كلما دعوا للمشاورة يأتون المجلس بقلوب ملؤها الإخلاص.. ولكنه ما دام لا يمكننا أن ننشئ في البلاد مثل هذه الروح والعقلية ونقيم فيها مثل ذلك المجلس للشورى، فلا مندوحة لنا من أن نجعل الهيئة التنفيذية تابعة لآراء أغلبية أعضاء المجلس التشريعي).
فهذا أبو الأعلى المودودي قائد ومؤسس حركة إسلامية كبرى في شبه القارة الهندية يرى بعد التجربة أنه لا بد من إلزام الأمير برأي أغلبية أصوات مجلس الشورى.
وهذا الإمام حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين يقول: (ومن حق الأمة الإسلامية أن تراقب الحاكم أدق المراقبة، وأن تشير عليه بما ترى فيه الخير، وعليه أن يشاورها وأن يحترم إرادتها وأن يأخذ بالصالح من آرائها وقد أمر الله الحاكمين بذلك، فقال: )وشاورهم في الأمر( وأثنى به على المؤمنين خيرا، فقال: )وأمرهم شورى بينهم( ونصت على ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين المهديين من بعده: (إذا جاءهم أمر جمعوا أهل الرأي من المسلمين، واستشاروهم ونزلوا عند الصواب من آرائهم).
وإذا كان البعض قد وجدوا في عبارة (ونزلوا عند الصواب من آرائهم).. فرصة لتحويل رأي البنا.. فإن الإمام الشهيد الذي أسس دعوة الإخوان المسلمين وضع مع إخوانه الأوائل نظام هذه الجماعة الذي ينص صراحة وبلا لبس أو غموض بأن قرار أغلبية مجلس الشورى ملزم للأمير.. أو للحاكم المسلم..
وهذا عبد القادر عودة أحد أعلام الفقه السياسي الإسلامي في العصر الحديث يقول: (ليس من الضروري أن يجمع أهل الرأي على رأي واحد.. وإنما الرأي ما اتفقت عليه أكثرية المشيرين بعد تقليب وجوه الرأي ومناقشة المسألة المعروضة من كِل وجوهها.. وربما صح عقلا أن يأتي رأي الأكثرين خاطئا ورأي الأقلين صوابا.. ولكن هذا نادر.. والنادر لا حكم له).
ويذهب الشيخ يوسف القرضاوي في هذه المسألة مذهبا أقوى وأرسخ فيقول: (والقيادة الشرعية هي التي تتخذ الشورى قاعدة لها، وهي التي تنزل عن رأيها إلى رأي الأكثرية من أنصارها ورجالها، وإن الاستشارة من غير التزام برأي المشيرين، ولو كان جمهور الأمة وأهل الحل والعقد فيها، يجعل الشورى شبه مسرحية يضحك الحاكم المتسلط بها على الناس ثم ينفذ ما في رأسه هو)!
وهذا الرأي الذي قال به مؤسسو الحركات الإسلامية وفقهاؤها في العصر الحديث، كما يحمل فقها سياسيا، فهو يحمل وعيا حركيا، وتجربة واقعية.
وهو رأي مستوحى من التوجيهات النبوية ومن مواقف الصحابة رضوان الله عليهم فقد:
1- نزل الرسول صلى الله عليه وسلم عن رأيه إلى رأي الأكثرية التي رأت قتال المشركين خارج المدينة.
2- وقال صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: (لو اتفقتما علي رأي ما خالفتكما).
3- ما ذكره ابن كثير في تفسيره عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العزم في قوله تعالى: {فإذا عزمت فتوكل على الله} فقال: (مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم).
4- أن عمر جعل الشورى في ستة من كبار الصحابة اعتبرهم أهل الحل والعقد في الأمة، وجعل القرار النهائي كما تراه أغلبيتهم، وإذا تساوت الأصوات اختاروا مرجحا من الخارج هو عبد الله بن عمر، وإن لم يرضوا به، فالثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف.
5- أن أهل الشورى في التراث الإسلامي يسمون (أهل الحل العقد) فإذا لم يكن رأيهم ملزما، فماذا يحلون؟ وماذا يعقدون؟
6- أن عامة الفقهاء يرجحون (قول الجمهور) إذا لم يوجد مرجح آخر.
7- كان بعض الصحابة رضوان الله عليهم يتوقعون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يوصي بالخلافة من بعده لمن يختاره. وكثيرون يعتقدون أنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك قاصدا أن يترك الموضوع يتشاور بشأنه المسلمون، ويختاروا عن طريق الشورى من يشاءون للخلافة تأكيدا لمبدأ الشورى كأساس لنظام الدولة والمجتمع. وقد كان هذا هو ما تم فعلا يوم السقيفة... في نظرنا أن امتناع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصية بالخلافة لمن يختاره، وعمن يرشحه للحكم من بعده إنما قصد به أن تكون آخر توجيهاته صلى الله عليه وسلم هذه الإشارة الضمنية إلى واجب الأمة في وضع النظم الاجتماعية والسياسية بطريق الشورى على أساس الأصول المقررة في الكتاب والسنة.
11- من ثمرات الشورى
· يذكر لنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فوائد الشورى فيقول: (في المشورة سبع خصال، استنباط الصواب، واكتساب الرأي، والتحصن من السقطة، وحرز من الملامة، ونجاة من الندامة، وألفة القلوب، واتباع الأثر).
· والشورى توزيع للمسؤولية، فلا تقع نتيجتها مهما كانت على كاهل واحد بعينه، بل يتقاسمها الجميع، فلا يتلاوم الناس ويتنافرون ويتشاجرون إن كانت نتيجتها سيئة.
· وهي خير وسيلة للكشف عن الكفاءات والقدرات، وبها يظهر الأكفياء وتستفيد الأمة من كفاءاتهم.
· وبها يتدرب المستشار على المساهمة في الحكم والإدارة، يستفيد من التجارب وجودة الرأي والتفكير من خلال ممارسته للشورى.
· والرجوع للشورى من الأمور التي تضمن سلامة الجماعة من التصدع والشقاق، بشرط أن تكون في أهلها من ذوي العلم والرأي، فهم أهل المعرفة بمواطن المصلحة والمفسدة.
والتنازل لرأي الجماعة بعد تداول الرأي وتمحيصه لا يترك سبيلا للخلاف، وقد أرشد إلى التشاور رب العزة في قوله: )فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين(.
· وعلى القيادة تحري الصواب فيما لا نص فيه، بما يحقق مصلحة الجماعة بالضوابط الشرعية، بل عليها أن تبذل الجهد للوصول إلى أصوب الرأيين، وأهون الضررين، وأرجح المصلحتين، وقد قيل: إن العاقل هو الذي يعرف الخير من الشر، أما الحكيم فهو الذي يعرف خير الشرين إن كان في الشر خير.
· فتنوع أساليب العمل وتعدد وجهات النظر، يثمر قوة في البنية الفكرية، ووعيا في التناول والمعالجة، واحتفاء بالرأي، وتلمسا للحق، وانقيادا به، وتغدو الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.
12- الشورى والنجوى
ناقش المفكر الإسلامي الأستاذ جمعة أمين هذه النقطة واستشهد برأي الأستاذ سيد قطب في تفسيره لسورة المجادلة وخلص إلى القول: (يبدو أن بعض المسلمين ممن لم تتطبع نفوسهم بعد بحاسة التنظيم الإسلامي، كانوا يجتمعون عندما تحزب الأمور ليتناجوا فيما بينهم، ويتشاوروا بعيدا عن قيادتهم، الأمر الذي لا تقره طبيعة الجماعة الإسلامية، وروح التنظيم الإسلامي التي تقتضي عرض كل رأي وكل فكرة، وكل اقتراح على القيادة ابتداء، وعدم التجمعات الجانبية في الجماعة، كما يبدو أن بعض هذه التجمعات كان يدور فيها ما قد يؤدي إلى البلبلة وما يؤذي الجماعة المسلمة، ولو لم يكن قصد الإيذاء قائما في نفوس المتناجين ولكن مجرد إثارتهم للمسائل الجارية وإبداء الرأي فيها على غير علم قد يؤدي إلى الإيذاء وإلى عدم الطاعة ولذلك ناداهم الله بصفتهم التي تربطهم به... )يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون، إنما النجوى من الشيطان ليحْزُنَ الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون(.
أما حيث تكون هناك مصلحة في كتمان سر، أو ستر عورة، في شأن عام أو خاص، فلا مانع من التشاور في ستر وتكتم، وهذا يكون عادة بين القادة المسؤولين عن الجماعة، ولا يجوز أن يكون تجمعا جانبيا بعيدا عن علم الجماعة، فهذا هو الذي نهى عنه القرآن، وهو الذي يفتت الجماعة أو يوقع في صفوفها الشك وفقدان الثقة، وهو الذي يدبره الشيطان ليحزن الذين آمنِوا ووعِد الله قاطع في أن الشيطِان لن يبلغ بهذه الوسيلة ما يريد في الجماعة المؤمنة، لأن الله حاميها وكالئها، وهو شاهد حاضر في كل مناجاة، وعلام بما يدور فيها من كيد ودس وتآمر، وقد وعد الله بحراسة المؤمنين، فأي طمأنينة بعد هذا وأي قياس).
13- الشورى والاستشارة
ثمة تفرقة مهمة للغاية بين الاستشارة والشورى، فالاستشارة هي طلب الرأي أو المشورة ممن يكون محل ثقة من الطالب. وطالب الاستشارة هو وحده صاحب الحق في اتخاذ القرار في المسألة التي يطلب فيها الرأي.
أما الشورى فهي الوسيلة الجماعية التي تصدر بها الجماعة أو الأمة قرارا في شأن من شؤونها العامة.
والاستشارة غير واجبة، والرأي فيها ليس ملزما.
أما الشورى فهي واجبة وملزمة.
14- الشورى والديمقراطية
بعض الأدبيات الإسلامية تنظر بعدم ارتياح إلى الديموقراطية. فالديموقراطية هي حكم الشعب لأجل الشعب وبواسطة الشعب..
ومتى كان الشعب هو صاحب الكلمة في التشريع؟
ونحن لا نريد أن نبدّل في دين الله، ولا أن نلوي عنق النصوص لتطابق أفكار الغرب أو الشرق،.. فنقول بالديموقراطية الإسلامية، والليبرالية الإسلامية، والاشتراكية الإسلامية، كما فعل آخرون.. بل نريد أن ننظر للقضية نظرة جادة وواقعية.. فالعالم اليوم تسوده أنظمة ديموقراطية وأنظمة ديكتاتورية.. ديموقراطية تدعّي أنها تعلي من قدر الإنسان.. وديكتاتورية تسحقه.
فأين موقعنا نحن من ذلك؟
بل إذا أردنا أن نعرف النظام الإسلامي بلغة عصرية واضحة فماذا نقول؟
وهل يمكن أن ننظر للديموقراطية نظرة أكثر عمقا في إطار فهمنا للشريعة.. باعتبارها مدخلا للخلاص من الظلم والاستبداد والتبعية، وأداة لتخطي العسكرتاريا الحاكمة؟
للإجابة على هذا السؤال.. نستعرض السمات الأساسية للدولة الإسلامية وهي:
1- الولاية للأمة.
2- المجتمع مكلف ومسؤول.
3- الحرية حق للجميع.
4- المساواة بين الناس من الأصول.
5- الآخر له شرعيته.
6- الظلم محرم ومقاومته واجبة.
7- القانون فوق الجميع.
أما الديموقراطية فهي نظام يقوم على:
1- رعاية حقوق الإنسان.
2- رعاية الحريات.
3- التعددية السياسية.
4- الانتخابات البرلمانية.
5- تعدد الأحزاب،
6- القبول بالمعارضة،
7- إعطاء المرأة حقوقها السياسية،
8- احترام الأقليات الدينية والعرقية.
9- تدوال السلطة.
10- التعايش السلمي بين الدول والجماعات والأحزاب.
وان أي دراسة جادة للأمر ستتوصل إلى ما توصل إليه الفقيه الدكتور يوسف القرضاوي.. فقال: الغريب أن بعض الناس يحكم على الديموقراطية بأنها منكر حرام، أو كفر بواح، وهو لم يعرفها.. فهل الديموقراطية التي تنادي بها شعوب العالم، والتي تكافح من أجلها جماهير غفيرة في الشرق والغرب، والتي وصلت إليها الشعوب بعد صراع مرير مع الطغاة، أريقت فيها دماء وسقط فيها ضحايا بالألوف، بل الملايين، كما في أوروبا الشرقية وغيرها، والتي يرى فيها كثير من الإسلاميين الوسيلة المقبولة لكبح جماح الحاكم الفردي، وتقليم أظافر التسلط السياسي، الذي ابتليت به شعوبنا المسلمة، هل هذه الديموقراطية منكر أو كفر كما يردد بعض السطحيين المتعجلين؟
لا تحل حراما ولا تحرم حلالا
إن الديمقراطية هي أفضل صيغة ابتكرها العقل الإنساني للإدارة السياسية للمجتمع.. والديموقراطية التي نقبلها ونعتبرها مقابلا للشورى، أو ترجمة معاصرة لها، هي تلك التي لا تحل حراما، ولا تحرم حلالا.
رسائل الإمام البنا، ص- 319.