· يتصور بعض الناس أن صدور الأمر من ولي الأمر والاستجابة له بالسمع والطاعة هو تعطيل للشورى. وهذا التصور غير صحيح وبالتالي فإن ما بني عليه غير صحيح كذلك. والصحيح أن كل ولي أمر لعمل من الأعمال ما دام يفقه دينه ويعرف ما أحل الله وما حرم -وقيادات العمل الإسلامي من هذا الصنف- لا يجوز له أن يصدر أمرا لمن يليه من الناس إلا بعد أن يطرحه على بساط الشورى ليسمع فيه رأي أهل العلم والاختصاص والخبرة. ويجري فيه حوارا ومناقشة ومدارسة. ثم يؤخذ فيه الرأي بعد إيضاح أبعاده كلها بحيث تحسم الشورى التوجه فيه إلى أي احتمال، (فإذا انتهى الأمر إلى هذا الحد، انتهى دور الشورى وجاء دور التنفيذ... التنفيذ في عزم وحسم.. ولا مجال بعدها للتردد والتأرجح ومعاودة تقليب الرأي من جديد. فهذا مآله الشلل والسلبية والتأرجح الذي لا ينتهي.. وإنما هو رأي وشورى وعزم ومضاء) .
· وقد يتصور البعض أن الإسلام كفل حرية الرأي، وأن الأمة أو الجماعة الإسلامية لا يمكن أن تتقدم إلا في ظل قبول الرأي والرأي الآخر.. وهذا تصور صحيح.. ولكن الخطأ يقع -في بعض الأحيان- في التطبيق.. فحق الأفراد في إبداء آرائهم في تصرفات الخليفة أو الأمير سواء كان أمير سفر أو حج أو أمير جماعة إسلامية له حدود وآداب وضوابط هي:
1- أن يكون قصد صاحبه بذل النصح الخالص للمسؤول، في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الدين النصيحة قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) .
فلا يجوز للفرد أن يقصد في بيان رأيه في تصرفات المسؤول التشهير به أو تكبير سيئاته، أو انتقاصه، أو أن يجرّئ الناس عليه. أو نحو ذلك من المقاصد الباطلة التي لا يراد بها وجه الله ولا الخير للمنصوح ولا المصلحة للجماعة.
2- أن يكون بيان المسلم لرأيه في تصرفات المسؤولين على أساس من العلم والفقه، فلا يجوز أن ينكر عليهم في الأمور الاجتهادية، لأن رأيه ليس أولى من رأيهم ما دام الأمر اجتهاديا.
· وقد يتصور البعض أن الطاعة أنواع.. وأن الطاعة الشرعية الواجبة هي للخليفة ولجماعة المسلمين فقط.. وهذا تصور خاطئ.. فكل أمر اجتهادي يصدره الحاكم أو مسؤول، فيه مصلحة للناس.. فالطاعة فيه واجبة..
إن جلب المصالح ودفع المفاسد في المجتمع المسلم لا يمكن أن يتحقق إلا بطاعة، وما لم تجلب المصالح ضاع الناس وما ينفعهم، وما لم تدفع المفاسد عن الناس أصاب الناس كثير من الضرر. ولنا أن نتصور ما قيمة الأمر بلا طاعة وما هي فائدته أو إيجابيته؟ ولنا أن نتصور جماعة بغير طاعة من أفرادها لقيادتها، كيف تكون هذه الجماعة وكيف تصل إلى تحقيق أي هدف من أهدافها.
· وليحرص المسلم الملتزم على الطاعة.. فالفتنة هي البديل. والمؤمن قد تخفى عليه مقدمات الفتنة فلا يحس بها إلا حين تقع، ذكر الحافظ بن حجر ما أخرجه الإمام أحمد والبزار من طريق مطرف بن عبد الله قال: (قلنا للزبير - يعني في قصة الجمل- يا أبا عبد الله ما جاء بكم؟ ضيعتم الخليفة الذي قتِل - يعني عثمان- بالمدينة، ثم جئتم تطالبون بدمه -يعني بالبصرة-؟ فقال الزبير: إنا قرأنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم )واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة( ، لم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت) .
نعم.. إن أشخاص الفتنة قد لا يحسون بأنها فتنة إلا حين يرون نتائجها فيقفون ويأسفون ولكن بعد فوات الأوان.
(قد يتصور الفرد في الجماعة أن عملا ما جيد ونافع فيسارع إليه خلافا لسير الجماعة ومقتضيات هذا السير، فيقع الاضطراب ويحصل الضرر من حيث أراد ذلك الفرد النفع، وقد يكون هذا الفرد حسن النية والقصد راغبا في الأجر، ولكن نتائج الأعمال في الدنيا مبنية على المقدمات والأسباب التي تتبعها النتائج والمسببات) .
إن السوء واحد، صحت النية أم فسدت.. يقول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الوحي قدانقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه وليس إلينا من سريرته، ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة) .
· وقد يبدو للفرد أحيانا أن الأمر المطلوب منه تنفيذه ليس له مبرراته الكافية أو دوافعه، فلا يجوز أن يكون ذلك سببا في عدم تنفيذ الأمر وطاعته. فالقيادة مسؤولة أولا، وهي عادة أكثر إلماما بالظروف المحيطة والدوافع والمبررات بما لا يتوفر لكثير من الأفراد.وحينما تنتهي الجماعة إلى رأي فعلى الجميع الالتزام به توحيدا للكلمة والتوجه. ولا يجوز لصاحب الرأي المخالف أن يتحدث بعد ذلك عن رأيه داخل الصف، حتى لو أثبتت التجربة أن رأيه الذي لم يؤخذ به كان الأصوب فلأن يجتمع الصف على الصواب خير من أن يتفرق حول الأصوب. ففي الاجتماع على الصواب يمكن أن نصل إلى الأصوب، أما لو حدث الافتراق فلن يكون هناك اجتماع على صواب، ولا على أصوب.
وها هو فضيلة المرشد الرابع الأستاذ حامد أبو النصر عندما قررت الجماعة الدخول بتحالف انتخابي مع حزب الوفد عام 1976، يقول: أرسلت من بلدتي رسالة طويلة إلى الأستاذ المرشد عمر التلمساني أرفض فيها هذا التحالف مبررا الرفض بأسباب كثيرة عندي، منها تاريخ حزب الوفد مع جماعة الإخوان المسلمين..
وتوقعت من الأستاذ عمر رداً على هذه الرسالة يأتيني عن طريق الاتصال المباشر بي، أو عن طريق أحد الأخوة الكبار المسؤولين في الجماعة.. وجاء الرد فعلا.. ولكن عن طريق شاب صغير من الإخوان وجدته يطرق بابي في بلدتي (منفلوط) ويقول لي جئتكم برسالة من الأستاذ المرشد عمر التلمساني يقول لك فيها لقد اتخذت الجماعة قرارا فالزم ويقول عليه رحمة الله: (فالتزمت ودعتني الجماعة إلى المشاركة في الدعاية في الحملة الانتخابية فشاركت بكل ما أستطيع) .
إنما الطاعة بالمعروف
غير أن الطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، مقيدة بألا تكون في معصية الله إذ ليس لأحد (حاكم أو أمير أو والد أو معلم أو أي صاحب ولاية على غيره)، ليس لأي واحد من هؤلاء أن يطاع في معصية، جاء في الحديث عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا طاعة لأحد في معصية الله تعالى، إنما الطاعة في المعروف) .
وفي الحديث عن علي رضي الله عنه قال: (بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فاستعمل رجلا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه فغضب وقال: أليس أمركم النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني؟، قالوا: بلى، قال: اجمعوا لي حطبا، فجمعوا فقال: أوقدوا نارا، فأوقدوها، فقال: ادخلوها، فهمّوا، وجعل بعضهم يمسك بعضا ويقولون: فررنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من النار، فما زالوا حتى خمدت النار، فسكن غضبه، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، والطاعة في المعروف) .