وللإخلاص دلائل وعلامات.. تظهر على سلوك الداعية:
· فهو يخاف من الشهرة
خصوصا إذا كان من أصحاب المواهب.. في الأثر عن الحسن قال: (خرج ابن مسعود يوما من منزله، فاتبعه ناسñ، فالتفت إليهم فقال: علام تتبعوني؟ فوالله لو تعلمون ما أغلق عليه بابي ما اتبعني منكم رجلان).
وقال الفضيل بن عياض: إن قدرت على ألا تُعرف فافعل، وما عليك ألا تُعرف؟ وما عليك أن يُثنى عليك؟ وما عليك أن تكون مذموما عند الناس إذا كنت محمودا عند الله تعالى؟
والشهرة في ذاتها ليست مذمومة، فليس هناك أشهر من الأنبياء والخلفاء الراشدين.. ولكن المذموم أن يحرص عليها صاحبها.. فيجري الناس حوله من أمامه ومن خلفه، وهو يشعر أنه يستحق ذلك ويطلب المزيد..
· ويتهم نفسه بالتفريط في جنب الله
عن السيدة عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: ) والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة( ، قالت عائشة رضي الله عنه: هم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون أن لا يُقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات.
أما أولئك المعجبون بعملهم، المتحدثون عن مآثرهم، الذي يحبون أن يحمدوا بما فعلوا أو لم يفعلوا.. فبينهم وبين الإخلاص مدى بعيد.
· ويحرص على العمل بصمت
عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن يسير الرياء شرك، وإن من عادى لله وليا، فقد بارز الله بالمحاربة. إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يدعوا ولم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كل غبراء مظلمة) .
· ولا يهمه أن يعمل جنديا أو قائدا
المهم عنده حسن أداء العمل ونجاحه. شعاره قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة) .
قدوته في ذلك سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه، سيف الله المسلول الذي لم يفتر نشاطه يوم كان قائدا لجيوش المسلمين أو جنديا تحت إمرة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه.
· وأن يكون من أولئِِك الذيِِن يسعون إلى مرضِاة الله ولو أسخط كل الناس (فمن أرضى الله في سخط الناس، رضي الله عنه وأرضى الناس عنه، ومن أرضى الناس في سخط الله، سخط الله عليه وأسخط الناس منه)، قال تعالى: )إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب( .
فليتك تحلِو والحيِاة مِريرة وليتك ترضى والأنِِِِام غضاب
ولِيت الذي بيني وبينك عِامر وبينِِي وبين العالمين خِِراب
إذا صح منك الودّ فالكل هيِِن وكل الذي فِوق التِِراب تِراب
· وأن يكون من هؤلاء الذين يصبرون ويصابرون
مهما اشتدت المحنة.. أو طال الطريق.. يعملون لمرضاة ربهم.. ونجاح دعوتهم..
والداعية المخلص هو الذي إذا ضاقت به الأمور يعض على أصل شجرة حتى يدركه الموت وهو متمسك بدينه ملتزم بدعوته، )قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين( .
والداعية المخلص.. يبذل الخير ولا يرى لنفسه في ذلك فضلا، ولا يمنّ على أحد، )بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين( .
· ومن الإخلاص أن يحب الداعية أخاه لا يحبه إلا لله.. وأن يكره من يكره لأنه عدو لله ورسوله..
إن الحياة لا يسود فيها الحق، وينتشر الخير، وتعلو كلمة العدل، وتخفق أعلام الفضيلة، بتجار المبادئ الذين لا يعملون إلا ليغنموا ويستفيدوا في الدنيا، ولا بالمرائين الذين لا يعملون إلا ليراهم الناس ويسمعوا بهم ويتحدثوا عنهم ويشيروا إليهم بالبنان، بل ينتصر الحق والخير والفضيلة بالمخلصين الذين يعتنقون المبادئ مؤثرين لا متأثرين، مضحين لا مستفيدين معطين لا آخذين.
إن أمراض القلوب التي تشوب الإخلاص وتفسد النية أفتك بأصحابها من أمراض الأجسام، فهي تحبط الأجر وتبعد بصاحبها عن طريق الدعوة الصحيح، وهي موجودة فينا ولكننا نقاومها بالإيمان وبالتقوى، والأمر يحتاج منا إلى يقظة وانتباه ودوام مراجعة للنية وخلوصها من أي شائبة من أمراض القلوب.
سهام القدر ودعوات السحر
وعندما تشتد الخطوب ويتكالب أعداء الدين (في الداخل والخارج) على المسلمين، وتضيق عليهم الأرض بما رحبت، وتضيق عليهم أنفسهم، ويعلمون أن لا ملجأ من الله إلا إليه.. عندها يحتاجون إلى دعوة صالحة صادقة مثل دعاء أولئك النفر الذين آواهم المبيت إلى غار، فانحدرت صخرة فسدت عليهم الغار.. فقالوا: إنه لا ينجيكم إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم.. فانفرجت الصخرة قليلا مع دعاء أولهم.. وزادت انفراجا مع دعاء الثاني.. ودعا الثالث وقال: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة.
على الدعاة المخلصين الصادقين أن يستعينوا على أمورهم بسهام القدر.. ودعاء السحر.. وبالصدق بالقول والعمل.. لعل الله يفرج عنهم وعن إخوانهم ما هم فيه.