يقول الإمام حسن البنا في (الأخوة) الركن التاسع من أركان البيعة ما يلي:
(وأريد بالأخوة: أن ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة. والعقيدة أوثق الروابط وأغلاها، والأخوة أخت الإيمان، والتفرق أخو الكفر، وأول القوة قوة الوحدة، ولا وحدة بغير حب، وأقل الحب سلامة الصدر، وأعلاه مرتبة الإيثار )ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون( .
والأخ الصادق يرى إخوانه أولى بنفسه من نفسه، لأنه إن لم يكن بهم فلن يكون بغيرهم، وهم إن لم يكونوا به كانوا بغيره، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا )والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض( ، وهكذا يجب أن نكون).
بين يدي الموضوع
ليست هناك دواع معقولة تحمل الناس على أن يعيشوا أشتاتا متناكرين. بل إن الدواعي القائمة على المنطق الحق والعاطفة السليمة تعطف البشر بعضهم على البعض، وتمهد لهم مجتمعا متكافلا تسوده المحبة، ويمتد به الأمان على ظهر الأرض. )يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير( .
وكل رابطة توطد هذا التعارف، وتزيح من طريقه العوائق، فهي رابطة يجب تدعيمها، والانتفاع بخصائصها، وليس الإسلام رابطة تجمع بين عدد قل أو كثر من الناس فحسب. ولكنه جملة الحقائق التي تقرر الأوضاع الصحيحة بين الناس وربهم. ثم بين الناس أجمعين.
ومن ثم فأصحاب الإسلام وحملة رسالته يجب أن يستشعروا جلال العقيدة التي شرح الله بها صدورهم، وجمع عليها أمرهم، وأن يولوا التعارف عليها ما هو جدير به من عناية وإعزاز.. إنه تعارف يجدد ما درس من قرابة مشتركة بين الخلق، ويؤكد الأبوة المادية المنتهية إلى آدم، بأبوة روحية ترجع إلى تعاليم الأديان الملخصة في رسالة الإسلام، وبذلك يصير الدين الخالص أساس أخوة وثيقة العرى، تؤلف بين أتباعه في مشارق الأرض ومغاربها، وتجعل منهم، على اختلاف الأمكنة والأزمنة، وحدة راسخة الدعامة سامقة البناء، لا تنال منها العواصف الهوج.
وهذه الأخوة هي روح الإيمان الحي، ولباب المشاعر الرقيقة، التي يكنها المسلم لإخوانه، حتى إنه ليحيا بهم ويحيا لهم، فكأنهم أغصان انبثقت من دوحة واحدة، أو روح واحد حلّ في أجسام متعددة.
وقد يغفل الإخوان في كثير من الأحيان عن المعنى الحقيقي لهذه الأخوة. يتصورونها مجرد مشاعر وعواطف وردية تجمع بين أفرادهم، فتزيدهم قربا ومودة وتعاطفا.. والأمر (في الحقيقة) أكبر من ذلك وأعمق، (فالإيمان والأخوة هما القاعدتان المتلازمتان الضروريتان للجماعة المسلمة كي تستطيع أن تضطلع بالأمانة الضخمة التي ناطها الله تعالى بها، وأخرجها للوجود من أجلها).
الإيمان بالله وتقواه ومراقبته في كل لحظة من لحظات الحياة،
والأخوة في الله، التي تجعل من الجماعة المسلمة بنية حية قوية صامدة، قادرة على أداء دورها العظيم في الحياة البشرية، وفي التاريخ الإنساني.
في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) .
وكل تجمع إسلامي قام عبر التاريخ.. وعمل على إعادة تحكيم الإسلام في واقع الحياة.. فإن أول عدته هو هذا الإيمان وهذه الأخوة..
(ولقد تميزت جماعة الإخوان المسلمين عبر مسيرتها الطويلة بالأخوة الصادقة في الله، إلى حد إن لم يكن إيثارا، فهو أقرب شيء إلى الإيثار فعلا وواقعا، ولعل هذا من أهم الأسباب التي ساعدت الجماعة على الصمود في وجه أعتى المحن والمؤامرات التي نزلت بها. لقد ظن البعض أنه يستطيع أن يوهن هذه الجماعة أو ينال منها، فتحطم هذا البعض وبقيت الجماعة صامدة شامخة بفضل إيمان أبنائها وأخوتهم الصادقة في الله) .