مداد دافق ودماء تتوقف:
لم تنل أي قضية عربية في القرن العشرين ما نالته قضية فلسطين من مداد وأوراق ودماء وقرارات ووعود وتنصلات وإخلاف، ولا تزال هذه القضية شاغل الناس بعد أن كثر فيها صب المداد ونضب بل توقف تقديم الدماء، إن مداد الكاتبين والمعلقين والمحللين للاتفاقات السرية والعلنية، والعهود والمواثيق التي يقدمها المسئولون في الشرق الأوسط بضمانة أمريكية روسية أو أمريكية أوروبية – إن هذا المداد ساعد في تسكين عامة الناس، الذين فرحوا بسراب السلام بعد أن منتهم حكوماتهم بالمن والسلوى، والعسل والحلوى، ثم بعد سنوات لم يجدوا في حلوقهم إلا مذاق الحنظل، ومرارة الصبارº لأنهم أدركوا أن واقع الحال ينبئ عن وهم كبير أسفرت عنه مفاوضات السلام، وينبئ كذلك عن خداع عظيم من جانب الصهاينة الذين يعدون ثم يخلفون، ويعاهدون ثم يغدرون، ويوثقون عقودهم ثم ينقضون.
عاش عامة الناس في وهم كبير أملا في عهد جديد تجف فيه الدماء، وتسيل فيه الخيرات في البلاد، فما وجدوا بعد أن أمن الإسرائيليون على دمائهم وأنفسهم إلا الشر والبلاء، وملاحقة الشرفاء، واعتداء اليهود واجترائهم على كل من يقف في طريقهم فهدموا البيوت وتوسعوا في المستوطنات، وقتلوا الفلسطينيين، وأقاموا الأنفاق تحت المسجد الأقصى في محاولة لهدمه، وتهيئة لإقامة هيكلهم مكانه – ولو بعد حين.
ولم تكن تصرفات إسرائيل تخفى على نفر من الذين نكبوا في فلسطين، لأن الطبيعة اليهودية التي تتلون تلون الحرباء، لم تعد تخفى على الفاهمين حتى لو غطى اليهود جلودهم بأنواع من الثياب وألوان من الطلاء.
فأبان الفاهمون زيف دعوى السلام وحركوا جماهير الفلسطينيين في غزة والضفة فيما عرف بالانتفاضة، وظهرت منظمات جهادية تعمل على ترويع الصهيونيين وتعكر صفوهم من حين إلى حين، فما كان من إسرائيل إلا أن لانت قناتها، وبدأت في السر محادثاتها التي تفتقت عن إعلان مدريد سنة 1991 ثم اوسلو سنة 1993 وظهرت السلطة الفلسطينية، وكأنها حامية حمى فلسطين من دون المسلمين، والمتصرف الوحيد في كل ما يدور حولها مع إسرائيل التي انتهزت بدورها الفرصة السانحة كي تنفرد بهذه السلطة وسط ضغوط عالمية لتأخذ منها صكاً ممهوراً بإنهاء هذه القضية مقابل أمرين:
ثمن بخس:
1- إرجاع غزة بعد أن أذاق أهلها إسرائيل الويلات نتيجة ما قاموا به من اضرابات واحتجاجات، وانتفاضة عارمة، وإنزال ضربات فدائية موجعة بإسرائيل، وإرجاع جزء من الضفة الغربية لا يزيد حتى الآن عن 40% تخضع أجزاء قليلة منها للسلطة إداريا وسياسياً، وأجزاء تخضع إداريا فقط للسلطة، ومساحة الأرض التي ستحصل عليها السلطة في النهاية إذا قيست بكامل الأرض الفلسطينية التي اغتصبها العدو لا تساوي شيئاً يذكر..
ونظرة سريعة على الأرقام تبين ما نقول: ففي سنة 1916م كانت أملاك اليهود(241.000) دونم من مساحة فلسطين التي تبلغ (27.027.031) دونماً كانت الدولة تملك منها سنة 1918 (12.000.000) دونم ويملك العرب (13.673.32) دونماً، ويملك اليهود (650) دونماً، أي أن اليهود كانوا يملكون سنة 1918م 2.5% فهل ما ستحصل عليه السلطة بعد التنازلات الكثيرة يصل إلى 2.5% من مجموع أراضي فلسطين المغتصبة؟ إن الإجابة الواقعية خير من كل كلام، حيث أن مساحة فلسطين كما تم تسجيلها في عهد الانتداب البريطاني – هي 281.200 كم2 ، وقد أعطت هيئة الأمم المتحدة إسرائيل 54% من هذه المساحة وأعطت الفلسطينيين 46% عند إقرار التقسيم سنة 1947م، وهو ما رفضه الفلسطينيونº لأن الأرض التي كانت تحت أيديهم حين ذاك تزيد عن هذه المساحة كثيراً، وفي سنة 67 استولت إسرائيل على كامل التراب الفلسطيني، ووضعت يدها على الضفة وغزة ومساحتها 5700كم2، وحديث السلام يدور حولهما فقط دون غيرهما من الأرض، فإن الأخذ والرد والاتفاقات والوساطات الدولية والتلكؤ الإسرائيلي والتنازل الفلسطيني يدور كله حول 18% من مساحة فلسطين المغتصبة.
ورغم الطنطنة والدعاية والصور "والفلاشات" للتوقيع على الاتفاقات بحضور عدد من الزعامات فإن كل ما حصلت عليه السلطة من الأرض الفلسطينية لا يعدل أبدا التنازلات الكبيرة والخطيرة التي قدمتها.
ويستمر مسلسل التمدد الإسرائيلي في الاستمرار، فتعلو كل يوم في أراضي الضفة مستوطنات جديدة تعلن تحدياً جديداً للعالم الإسلامي، وتحتمي بالتصريحات الرسمية لباراك الذي أعلن: "لا" لإيقاف المستوطنات، فما المقابل في جانب السلطة؟
حراسة السلطة للأمن الإسرائيلي:
2-قيام أجهزة الأمن في السلطة الفلسطينية باختراق الجماعات المناهضة لاتفاق اوسلو وتوجيه ضربات قاصمة إليها بغية تصفية وجودها التنظيمي والسياسي والعسكري حسبما ورد في مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها في 17 من كانون أول/ديسمبر سنة 1997م بين أجهزة الأمن الإسرائيلية والفلسطينية بإشراف وكالة الاستخبارات المركزية، على حد قول الكاتبة "تانيارا ينهارت" المنشور في نشرة "ذي آذر فرونت" في عددها الصادر في 22 من نيسان/ابريل سنة 1998م.
وقد تمت تصفية عدد من الناشطين في حماس منهم:
محي الدين الشريف ويحيى عياش وعادل عوض الله وعماد عوض الله ود. فتحي الشقاقي – الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي.
وتم تحديد إقامة الشيخ/ احمد ياسين في بيته بعد تفتيشه ومنعه من الخروج حتى لصلاة الجمعة بعد قطع الاتصال التليفوني عنه، واعتقل من أعضاء حركة المقاومة الإسلامية حماس ما يقارب 1000 شخص، وأمر اللواء غازي الجبالي – قائد الشرطة في غزة – في 2/11/1998 بإطلاق النار على أي رجل ناشط من شباب المقاومة يقترب كثيراً من (المواقع الإسرائيلية) وبهذا تبنى رجال السلطة مشروع الأمن الإسرائيلي وليس الفلسطيني، وخاصة بعد قيام المخابرات المركزية الأمريكية بتدريب ضباط الأمن الفلسطينيين في قاعدة سرية بولاية نورث كارولينا ( على حد قول صحيفة نيويورك تايمز في 23/10/1998) وقالت الصحيفة المذكورة: أن هدف التدريب هو رفع الكفاءة المهنية لأولئك الضباط وتعزيز ثقة إسرائيل بهم..
وقد تمثلت هذه الثقة الإسرائيلية في إلغاء السلطة للميثاق الوطني الفلسطيني، وجمع الأسلحة من الفلسطينيين، واعتقال المطلوبين لإسرائيل، وتقليص قوات الشرطة الفلسطينية، ووضع خطة مفصلة لمكافحة (الإرهاب) الذي لا يعني غير الجماعات التي تقوم بأعمال فدائية داخل إسرائيل، والعناصر المعارضة للاتفاقات الاستسلامية التي تقوم بها السلطة الفلسطينية، ومعنى ذلك إسكات كل صوت معارض لأي اتفاق يتم وأي تنازل يحدث مهما كانت خسائره جسيمة، وفي مقابل ذلك فان للمستوطنين الإسرائيليين الحرية الكاملة في التسلح وقتل الفلسطينيين، وهدم بيوتهم، وللأحزاب الإسرائيلية كذلك حرية مطلقة في ممارسة كافة أشكال النقد والمعارضة للاتفاقات فضلاً عن حريتها في المطالبة بطرد الفلسطينيين.
في ضوء الاتفاقات المتتالية، التي يعدل لاحقها منها وينسخ حاضرها ماضيها، يتم تكريس الاستيطان في الضفة الغربية بحيث يصبح كتلة جغرافية متواصلة بعد أن كان نقاطاً معزولة في الفضاء العربي،وتتحول التجمعات السكانية العربية إلى نقاط منعزلة لا رابطة بينها.
ضرب الحركات الفدائية:
وهذه الاتفاقات الأمنية التي تربط حسن سلوك السلطة الفلسطينية لدى واشنطن وتل أبيب بمدى المجهود الذي تبذله على صعيد التعاون والتنسيق الأمني، والوقوف بقوة في وجه أي عمل فدائي استشهادي تقوم به حماس أو حركة الجهاد الإسلامي – لم تكن تتم إلا بمباركة ومساعدة من بعض الأنظمة العربية، ولعل هذا الرضا بالقضاء على كل صوت أو عمل يعارض الاتفاقات الجارية كان الدافع الأول وراء ما حدث لقادة حماس الذين صدر الأمر باعتقالهم، وإغلاق مكتب حماس في الأردن بحجة مخالفته للقوانين الأردنية، وأنها تستغل لنشاطات وأعمال تنظيمية غير أردنية وغير مشروعة!!
نعم لقد أصبحت الأعمال الجهادية ضد العدو المغتصب غير مشروعة، وأصبح الصوت الرافض للتنازلات الفلسطينية المتوالية، والمعبر عن مشاعر ملايين المسلمين في الأرض غير مشروع، ومن ثم فإن نصيبه التضييق الحركي والتشويه الإعلامي، وملاحقة أفراده بالاعتقال، ووضع قادته تحت القبضة القوية حتى ينشغلوا بأنفسهم عن غيرهم، ويستريح منهم عدوهم الإسرائيليº لأن إخوانهم كفوا أيديهم وشلوا حركتهم، وأودعوهم بطون السجون مع اللصوص والمجرمين والقتلة وتجار المخدرات والمشبوهين، مع أن مكانهم ينبغي أن يكون في العلياءº لأنهم هم الذين يرفضون الخنوع والخضوع للضغوط الأمريكية الصهيونية، التي لا تريد من احد أن يعكر صفو الاتفاقات أو الاعتراض على التنازلات.
لقد شددت القبضة على كل منتم لحماس، خاصة بعد سنة 1996م، التي تبلورت فيها بشكل واضح التخاذلات من جانب السلطة الفلسطينية، وظهرت محاولات فدائية وبدا أن هناك استعداداً للفداء والاستشهاد وهو ما لا تريده إسرائيل، ومن ثم عقدت مؤتمرات أمنية حضر بعضها كلينتون تحت زعم محاربة الإرهاب، ولم يكن المعنى بها أولا وأخيرا إلا مقاومة كل تحرك من أي جانب إسلامي ضد ما تقوم به إسرائيل، التي قامت حكومتها علنا بارتكاب مذبحة قانا، وقام أفرادها بمذابح شتى منها مذبحة الحرم الإبراهيمي، وقامت منظماتها اليهودية بأعمال إرهابية تنفذها ضد الأراضي والأهالي والمنشآت والأماكن المقدسة دون أن تقول أي جهة أن هذا إرهاب!!
تحذير ونذير :
والذي حدث ويحدث لحماس هو رسالة إنذار لكل جهة أو مؤسسة أو جماعة يخطر على بالها أن تعارض أي تنازل -وان كبر حجمه- في المرحلة القادمة، مرحلة مفاوضات الحل النهائي التي من المتوقع أن تبدأ قريباً لتحسم قضايا (القدس، والدولة، واللاجئين، والمستوطنات، والحدود، والمياه) وهي قضايا لابد فيها من تنازلات كثيرة من جانب السلطة بعد ظهور التشدد في لاءات باراك – التي تترجم عن سياسة الحكومة الإسرائيلية وهي: لا للعودة إلى حدود سنة 1967م، ولا لتقسيم مدينة القدسº لأنها ستبقى عاصمة أبدية لإسرائيل، ولا لإيقاف المستوطنات، ولا لعودة اللاجئين، وهي كلها قضايا مهمة تتعلق بمصير الفلسطينيين أولا، وبالوضع العام في دول المنطقة ثانياً، ولقد بدأت مرحلة التفاوض على الحل النهائي بداية خاطئة حيث قبلت السلطة أن تتفاوض على هذه القضايا المهمة المعلقة، قبل أن توقف إسرائيل الاستيطان، وقبل إكمال المرحلة الانتقالية، وهذه بداية التنازلات إزاء التشدد الإسرائيلي الذي لم يقف عند حد تصريحات باراك، بل ظهر بوضوح على الأرض المحتلة حيث أقام باراك من المستوطنات في ثلاثة اشهر ما فاق به سابقه نتنياهو في كل ما أقامه من مستوطنات طيلة مدة حكمه، وصادر ألف هكتار من أراضي قرية إذنا جنوب الخليل لتحويلها إلى حقل تدريب.
تنازلات السلطة آتية لا شك فيها خاصة فيما يتصل بالقدس وعودة اللاجئين، مما يستفز مشاعر الشعوب الإسلامية قاطبة، وقد يثير موجة من الاستياء في الداخل والخارج، لذا لابد من إسكات جميع الأصوات المعارضة لعملية التسوية، ولجم أي تحرك ضدها، وإغلاق مكاتب حماس واعتقال العاملين فيها والقبض على قادتها بعد رجوعهم من الخارج خطوة ممهدة أو مصاحبة لتهيئة المناخ لمحادثات الوضع النهائي دون اعتراض من احد، ويؤكد ذلك أن هذه الإجراءات تمت قبل ساعات من وصول أولبرايت إلى المنطقة للمشاركة في التوقيع النهائي على اتفاق (واي 2) الذي تم التوقيع عليه في شرم الشيخ المصرية بحضور عدد من القادة العرب.
خطوة في الاتجاه المعاكس:
والمفاوضون العرب يجانبهم الصواب حين يسكتون كل رأي معارض، أو عمل من أعمال المقاومة، فلا يصبح في يدهم أي عنصر من عناصر الضغط أو القوة التي تجبر العدو على التسليم ببعض المطالب الضرورية أو على الأقل على عدم التشدد فيما يطلبه من تنازلات من جانب السلطة.
والدليل الحي المشاهد هو إصرار إسرائيل وإعلان المسئولين فيها عن انسحابها من لبنان في تموز/يوليو القادم من طرف واحد، وما كان لإسرائيل أن تفعل ذلك إلا تحت ضغط المقاومة في الجنوب حيث تخسر إسرائيل بعض الأرواح، وهي وان كانت قليلة إلا أن استمرارها يشكل نزيفاً مستمراً، وألماً دائما للحكومة الإسرائيلية مما لم تعد تحتمله، ورغم ما تقوم به من قصف شبه دائم للبنان فإن الحكومة اللبنانية تعلن أن المقاومة تمثل جزءا من الشعب اللبناني لا يمكن تحجيمه أو ضربه أو إسكاته.
ولو أن الحركات الفدائية الإستشهادية التي كانت تقوم بها حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وحركة الجهاد الإسلامي استمرت في دورها الجهادي، ولم تجد ضغوطاً قوية – وصلت إلى حد تصفية بعض عناصرها – من السلطة الفلسطينية ومن بعض الحكومات العربية لاستطاعت السلطة الفلسطينية أن تحقق – حتى عن طريق المفاوضات – لنفسها ولأبناء فلسطين كثيرا، وعلى اقل تقدير لكانت استطاعت أن تحقق ما اتفقت عليه في اوسلو.
ومنه على سبيل التذكرة : الحصول على 90% من أراضي الضفة الغربية، فهل تحقق ذلك؟ إن كل ما تم الحصول عليه من الأرض سواء كانت تحت الإشراف الكامل من السلطة أو الإشراف المشترك بينها وبين إسرائيل لم يزد بل يقل عن 40% من مساحة ارض الضفة وغزة.
إن العدو لا يعرف غير القوة العسكرية، وقد كانت قوة الحركات الفدائية سندا ودعماً لموقف المفاوض الفلسطيني الذي يلوح بأن هذا هو البديل لوقف المفاوضات ومواجهة التعنت الإسرائيلي، فإذا ما قضى على هذه الحركات الفدائية فإن المفاوض الفلسطيني جرد نفسه من كل بديل، وما عليه إلا أن يقبل –صاغراً- ما تعرضه عليه إسرائيل وإلا..
ويبدو إننا في العالم العربي لا نتعلم من دروس التاريخ، لقد كانت الحرب في فيتنام مشتعلة والمفاوضات دائرةº لأن سلاح الحرب يجعل المفاوضات حامية ومسرعة، ولكننا دأبنا على تحجيم كل عناصر القوة والبطش والتنكيل بها، منذ أن اخذ الإخوان المسلمون الذي ابلوا أعظم البلاء في حرب فلسطين –بشهادة المحايدين من الخبراء العسكريين – اخذوا من الميدان إلى المعتقل، وعلى طريقهم هذا عوملت كل حركة ناشطة صادقة في دفاعها على الدين والوطن، حتى وصل الأمر إلى حماس على النحو الذي نراه ونعرفه اليوم.
نموذج لمعاملة الآخرين:
هذا ما نفعله بالمجاهدين عندنا أما في الجانب المقابل فإن ابرز عناصر الإجرام التي قامت بمذابح ضد الفلسطينيين تولت رئاسة الوزارة الإسرائيلية، ومن لم يصل منهم إلى هذا المنصب ظل له الاحترام والتقدير، وعومل أحسن معاملة، وظل آمناً في مكانه لا تمتد له يد بإيذاء رغم انتقاده لحكومته أحيانا، وتوليه زعامة المعارضة أحيانا أخرى فها هو ذا "إرييل شارون" الصهيوني المتعصب الذي يسير على درب زعماء المنظمات الإرهابية اليهودية التي قامت بأبشع الجرائم في فلسطين لم يتوقف يوماً عن سفك دماء الفلسطينيين والعرب. لقد شارك (مع العصابات الصهيونية) التي كسبت اغتصاب الأرض في عام 1948م وشكل وحدة الكوماندوز 101 في سنة 1953، التي كانت في الحقيقة وحدة للقتل، ومن جرائمها في ذلك الوقت مذبحة كفر قاسم التي قتل فيها 48 فلاحاً فلسطينياً.
وبعد أن اثبت الرجل جدارته كقاتل أصبح مؤهلاً لكي يتولى قيادة لواء المظلات في حرب 1956 وفي ذروة حرب الاستنزاف في سنة 1970 عين قائدا للمنطقة العسكرية الجنوبية، ولان غزة كانت آنذاك تحت قيادته، فإنه قام بدور في تصفية المقاومة هناك، بعدما شكل وحدة للقتل عرفت باسم "ريمون" ونفذ هناك مشروعه لاقتلاع اللاجئين، وإعادة إسكانهم ونقل مجموعات منهم إلى رفح، وكان أول من أقام شوارع "اوتوسترادات" داخل المخيمات، الأمر الذي استدعى نقل كثيرين من أماكن سكناهم، وأدى إلى إعادة هيكلة معالم المخيمات، وهي الخلفية التي أكسبته خبرة في تدمير البنية التحتية الفلسطينية.. استفاد منها فيما بعد، وبعد أن اكتسب في غزة بجدارة صفته كقاتل، وجدناه في حرب 1973 وفي عملية الثغرة يكتسب صفة المغامر، وحين أصبح وزيراً للزراعة في حكومة مناحيم بيجين عام 1977، ألقى بكل ثقله في عملية الاستيطان لكي يبلغ بالمغامرة أقصى مدى لها، ويوظفها في خدمة التمدد الإسرائيلي أفقيا ورأسيا.
في اجتياح لبنان عام 1982 كان شارون المغامر والقاتل هناك، فقد قاد أول عملية إسرائيلية لاحتلال عاصمة عربية، ونفذ هناك اكبر مذبحة إسرائيلية خارج فلسطين "في صابرا وشاتيلا" والجريمة الأخيرة أدانته فيها لجنة "كاهان" الأمر الذي تضطره إلى الاستقالة من منصب وزير الدفاع.
ابتداء من عام 1990 عاد شارون إلى الواجهة كمهندس لحركة الاستيطان واقتلاع الفلسطينيين من أرضهم مرة باعتباره وزيرا للبناء والإسكان، ومرة بحسبانه وزيرا للبنية التحتية، ولم يتخل عن دور القاتل في أي منها، حتى أعلن صراحة بعد فشل محاولة اغتيال "خالد مشعل" رئيس المكتب السياسي لحركة حماس أن إسرائيل لن تكف عن محاولة قتله، وهو لا يزال يرفض مصافحة الرئيس ياسر عرفات بحجة انه إرهابي قاتل! "مقال فهمي هويدي: رسميا إعلان الحرب على المقاومة – المنشور في الوطن بتاريخ 7/11/1998"
شارون هذا هو الآن زعيم الليكود – الحزب الرئيس المعارض لحزب العمل، والذي فاز في الانتخابات الأخيرة برئاسة الحكومة الإسرائيلية.
أين قادة حماس بما يقومون به من أعمال ضد العدو الإسرائيلي هم في ضمير كل مسلم حريص على عودة القدس وعودة المشردين الفلسطينيين إلى ديارهم، وعودة ارض فلسطين إلى أهلها المسلمين، وان الذي يلقونه لا يليق بهم ولا ينبغي أن يمارس معهم، بل انه مخالف لأبسط المبادئ الإنسانية، ولذا فإن التخلي من جانب الحكومة الأردنية عما تفعله معهم سيجعل لها احتراماً كبيراً في قلب كل مسلم، وسيدرك المسلمون أن الحكومة لا تخضع لأي ضغوط خارجية، وأنها تعمل بصدق على السعي خطوة نحو تصحيح الأوضاع الفلسطينية المتدهورة.