لم يخطر في بالنا في أي وقت أن يتحول عرفات عما كان عليه وما عرف عنه إلى طريق الجهاد ومحاولة الاستشهاد في سبيل الله دفاعاً عن المقدسات، واستخلاصاًًًً لأرض فلسطين، التي اخذ منها الإسرائلييون كل مأخذ ... وكيف كان يخطر في بالنا مثل ذلك وسيرة عرفات معروفة منذ تصدى للنضال إلى أن فعل ما فعل في اتفاقية "واي ريفر" مروراً بمدريد وأوسلو وما سبقهما من اتفاقات سرية؟..
ثم تأكد توجه عرفات بممارساته في غزة والضفة ضد حماس والجهاد، وضد الفلسطينيين الغيورين على أرضهم وديارهم، فكل من عارضه كان السجن حليفه، وكل من وقف ضد توجهاته كان الاعتقال رفيقه .. هذه العوامل وغيرها جعلت ورود فكرة تحول عرفات إلى الجهاد أمرا مستبعداً، لكننا ما كنا نظن أن مسلسل التراجع مستمر، وان عملية التنازل لا تقف عند حد، وان التعامل مع الإسرائيليين مثل الوقوع في المعاصي والآثام يجري التصاعد فيها من الصغير إلى الكبير، ويسلم بعضها بعضاً فقد كان من نتائج "واي ريفر" أن يتم عمل تعديل وتغيير على الميثاق الوطني الفلسطيني، وقد تم ذلك بالفعل في المؤتمر الشعبي الذي انعقد في 14/12/1998م، بحضور الرئيس كلينتون، حيث أيد أكثر من ألف مشارك بينهم 450 عضوا في المجلس الوطني دعوة ياسر عرفات لتأكيد أنهم سيواصلون عملية السلام بعيداً عن العنف، وتم إلغاء أو تعديل 28 مادة من 32 مادة هم كل مواد الميثاق الفلسطيني، حيث اعتبرت كل فقرة معادية لإسرائيل لاغية أو باطلة.
وعلى هذا تكون زيارة كلينتون لغزة قد أثمرت ثمرتها التي عبر عنها الكاتب/ بلال الحسن بقوله: " أن زيارة كلينتون إلى غزة هي زيارة مهمة دون شك إذ ليس أمرا بسيطاً أن يقوم رئيس اكبر دولة "باغية" في العالم بزيارة إلى سلطة وليدة لم تتبلور هويتها بعد، ويميل أصحاب السلطة في غزة إلى القول بأن زيارة كلينتون هي مؤشر قوي على دعم أمريكا لقيام دولة فلسطينية، ولكننا لا نعتقد أن هذه الزيارة على أهميتها تعمل في هذا الاتجاه. أن زيارة كلينتون مهمة لأسباب أخرى لا علاقة لها بموضوع الدولة.
إنها زيارة مهمة بخصوص تعديل الميثاق الفلسطيني، فتأكيد التعديل بحضور كلينتون، يعني إعطاءه شهادة دولية لموقف طرف فلسطيني مندفع لكي يعلن انه لا حق له في ارض فلسطين التاريخية، طرف فلسطيني يريد تحويل ما هو سياسي راهن إلى حقيقة أزلية ثابتة، وبحيث لا يستطيع بعد ذلك أن يتراجع عن فعلته ما دام شهود الجريمة قد جاءوا بهذه القوة وبهذه الكثرة.
وهي زيارة مهمة بخصوص تنفيذ اتفاق "واي بلانتيشين" باعتباره آخر طبعة مزيدة ومنقحة من طبعات أوسلو، يتكرس فيها المفهوم القائم أن الأمن الإسرائيلي هو قاعدة التفاوض، وسيقول الإسرائيليون بعده: أن الأمن يقتضي رفض عودة اللاجئين حتى إلى أراضي الحكم الذاتي. "الشرق الأوسط في 14/1/1998م".
أن الاعتراف بحق إسرائيل في الأرض الفلسطينية التي استولت عليها، والإحساس بالعجز الكامل عن تحقيق أمل فلسطينيي الشتات بإمكان العودة إلى ديارهم وتغيير أو تبديل 28 مادة من مواد الميثاق الوطني – ينسف كل الأسس التي قامت عليها منظمة التحرير الفلسطينية، فقرارات المجلس الوطني تم تجاوزها في مؤتمر جنيف، ثم مدريد ثم اوسلو.
والعمل الفدائي المسلح لتحرير الأرض تم اعتباره منتهياً، وكل من يمارس العمل الفدائي ضد إسرائيل يعتقل. ثم بعد ذلك يتم إلغاء مواد الميثاق الوطني. فتتغير بذلك ملامح مرحلة استمرت أكثر من ثلاثة عقود، كانت في بعض سنواتها مبشرة بكفاح يجعل العدو يقدم التنازلات ويستشعر وقع ضربات مما يوحي على المدى البعيد بإمكان تحقيق شيء من النصر، أما اليوم فقد سقط السلاح ورفعت الأيدي تلوح للزائرين بالأعلام التي كانت من قبل يمزقها المتظاهرون.
رجاء ونداء:
وهذا الذي يحدث في فلسطين، يفرض على المسلمين إعادة التفكير في مستقبل القدس، لأن السلطة الفلسطينية بشكلها الحالي اضعف من أن تقدم على عمل جاد يعيد القدس إلى موقعها كمدينة عربية مسلمة يصدح فيها الأذان، ويصدع فيها الناس لأمر الرحمن (يتردد الآن أن إسرائيل تحاول أن تمنع بث صلاة الجمعة في التلفزيون من المسجد الأقصى) وإسرائيل في وضعها الحالي اشد عناداً، وأكثر إصرارا من أن تسلم في حق المسلمين هناك، وعملها هناك في إقامة مستوطنة جبل أبي غنيم، وشق نفق تحت المسجد الأقصى، وتمكن اليهود من الهيمنة على المدينة وتشكيل أغلبية بين سكانها يجعل استخلاص المدينة من أيديها بالطرق الدبلوماسية والمساعي السلمية الجهرية أو السرية مشكوك فيه..
ولا يعني هذا إننا نرضى عما حدث لتغيير مدينة القدس، فإن القلب ينكر، وان اللسان لينكر، وان اليد – إن شاء الله- سوف تنكر ذلك " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم أو من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" وفي الحديث أيضا " لتقاتلن اليهود فلتقتلنهم حتى يقول الحجر والشجر: يا عبد الله، هذا يهودي خلفي تعال فاقتله إلا شجر الغرقد، فإنه من شجر اليهود" ومهما استكثر اليهود من زراعته فإن الملحمة – لا شك – قادمة، وان اليهود لمخذولون منهزمون – إن شاء الله- والى أن يأتي ذلك الوعد الحق، فإن من حقنا بل من واجبنا أن نطرح شأن القدس على بساط البحث، وان نتخذ خطوات ايجابية ذات معالم واضحة قابلة للتطبيق في مدى زمني معلوم، تعمل على استخلاص المدينة من قبضتهم، أو تقلل من سطوتهم عليها على الأقل، وذلك اضعف الإيمان.
وإذا كان للجهود الشعبية أثر في تحقيق ذلك، خاصة إذا تضافرت وتعاونت، واتجهت كلها في اتجاه موحد، من غير أن تتضارب وتتناقض أو يسير كل منها في مسار خاص فيكون ضعفها بينا، يمكن القضاء عليه بأقل الجهود، إذا كان للجهود الشعبية شيء في ذلك فإن الجهود الحكومية لها من الأثر والمفعول ما لا تضاهيه أو تقترب منه القوى الشعبية.