الفصل السادس (الخطيئة والمتاب)
الإيمان والخطيئة
ما ذكرناه من تلازم الإيمان والعمل، لا يعني أن الإيمان يقتضي العصمة، فإن المؤمن قد يخطئ. وما يقع فيه المؤمن من خطأ أو خطيئة، لا يسلخه من الدين.
ولابد من بيان مفصل، تضم به أطراف هذا الموضوع.
عندما يكون المرء وثيق الإيمان، كثير الطاعات، طويل المراقبة لله، فان أخطاءه تقل لا محالة.
وما قد ينزلق إليه من سيئات، يعتبر غريبا على حياته غرابة الشذوذ بالنسبة إلى القاعدة. وطبيعة الخطأ من رجل هذه حاله، تجعل لسيئته صفة خاصة. فهو لا يقصدها، ولا يستريح إليها، ولا يستقر عليها.
كالسائر في طريق ما إلى هدفه لا يفكر إلا في أعماله وآماله، فإذا قدمه تخبط في حفرة غير منظورة، أو تمر بقشر فاكهة ملقاة، فإذا المسكين يهتز ويضطرب ويهوي إلى الأرض.
انه يخجل من سقطته، ويقوم منها شديد الضيق والسخط. كذلك قد تزل قدم المؤمن، وهو سائر في طريقه إلى الله، فيلّم بعمل لا ينبغي منه، ثم لا يكاد يتورط فيه حتى ينزع عنه، وهو بادي الألم، عميق الحسرة.
هذه السيئات لا تصم سيرة المؤمن ولا تهدم شخصيته. وهي من قبيل "لكل جواد كبوة، ولكل صارم نبوة".
ولما كانت خليقة الإنسان مزدوجة، يلتقي فيها عنصران: احدهما من السماء والآخر من الأرض. فان آثار هذا الاختلاط تبدو في سلوك الإنسان. وليس يستغرب على طبيعته أن تخلد إلى الأرض لحظة ما. ومن ثم جعل الله سبحانه وتعالى دائرة عفوه تتسع لهذه السقطات: (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة) (النجم:32). وعلل هذا العفو بقوله: (هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض) (النجم:32).
قال الشاعر:
ولابد من أن ينزع المرء مرة إلى الحمأ المسنون ضربة لازب
على أن هذه المزالق –كما قلنا- تعتري الإنسان وهو في طريقه إلى ربه، يؤدي واجبه، ويقيم حقوقه، ويتحرى رضوانه.
وما يصاحب هذا اللمم من ألم، وما يسبقه من غفلة، وما يعقبه من دهشة وغصة، ذلك كله يكشف سواده ويخفف عواقبه.
وحسب صاحبه من عقاب، دوي هذه السقطات في نفسه، وإسراعه بالإنابة إلى الله يجأر بالدعاء!! وفي مثل هذه الحالات، يساق قوله تعالى: (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون، لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين، ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون) (الزمر:32-35). (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون) (العنكبوت:7).
والمعنيون بتربية النفوس وتزكية السرائر، لا يحبون أن يقفوا طويلا عند هذه العثرات العارضة. وهمهم أن يأخذوا بيد الكابي، لكي يستطيع النهوض ويستأنف المسير، ويقبل على واجباته بنشاطه القديم أو اشد رغبة.
وتهوينهم من هذه السيئات المقترفة، لا لان هذه السيئات تافهة أو مستحسنة، بل ليخلصوا المذنب من آثارها، ويفكوه من آصارها، ويمنعوه من الارتكاس فيها والانكباب عليها.
وذاك اخطر ما يتوقع، وأول ما يحاذر الشرع منه.
وفي مثل هذه الحالات يساق قول النبي (صلى الله عليه وسلم) –فيما يحكي عن ربه عز وجل- قال: "أذنب عبد فقال: اللهم اغفر لي ذنبي. فقال الله عز وجل: أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب. فقال: أي رب اغفر لي ذنبي.فقال الله تعالى: أذنب عبدي ذنبا وعلم أن له ربا يغفر الذنب، وبأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: يارب اغفر لي!! فقال الله تعالى: أذنب عبدي فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت، فقد غفرت لك".
هذا الحديث وأمثاله مما يفتح مصاريع التوبة على كثرة العثار، وهو فيمن قدمنا من الناس. والمراد منه حفز الهمم إلى الصالحات، والتقصي عن دائرة الجريمة، مهما حدث من الإنسان ورفع أنظار البشر إلى أعلى، كلما نكسها الشيطان.
وليس المراد منه –البتة- ما يفهمه سفهاء العامة من تحقير الجرائم، وتهوين السيئات، وإغراء العصاة بالجرأة على المخالفات واستباحة الحرمات.
فهذا المعنى نقض لحقيقة الرسالة الهادية، وتجاهل وقح لآلاف الأحاديث المرهبة عن ارتكاب الذنوب. والتفريط في الأعمال الصالحة –بناء عن فهم معوج لهذه الأحاديث- هو ضلال مبين.!
وليست الخطايا كلها من هذا القبيل، ولا الذين يقعون فيها جميعا من هذا الصنف. فهناك حالات من النزق والسفاهة، تغوي ذويها بارتكاب الدنايا، وقد لا ينزعون منها على عجل. على أن الإيمان في نفوس هؤلاء يعاني – لا ريب- أزمات عنيفة.
وبقاؤه أو انتهاؤه، مرهون بمدى ما يصل إليه العاصي من بعد عن الله، واستمراء للخطايا. ومهما عصى المسلم، فهو بين توبة سريعة تطهره، أو توبة مضمرة يستنيم إليها، ويرتبط بالإسلام على أساسها.
ومصاير أولئك الذين يتدنسون بالمعاصي، ويرجئون المتاب منها –مع الإحساس بالخزي وتوقع العقاب- مجهولة!.
لان إلحاح المعاصي على القلب قد يزهق الإيمان، ويرد المسلم إلى الكفران. كما يلح المرض الخبيث على الجسم، فينزع منه الروح ويتركه جثة بالية.
وأيا ما كان الأمر، فان رباط المعاصي بالإيمان واه.. ونستطيع أن نقول: انه باق، إلا يوم يقترف الجريمة مفتخرا، أو يترك الفريضة مستهزئا. فإنه يومئذ ينسلخ عن الإسلام ويحكم بارتداده.
وليس يتصور هذا في مؤمن.
فان المؤمن إذا لم يكن ذا عزيمة في الخير، فلن يكون ذا عزيمة في الشر، تجعله يبارز الله بالمعصية، وهو وقح صفيق!
وقد بين الله في كتابه أن المعصية التي تقع من الموسومين بالإيمان، إنما تصدر عن جهال: (أي: عن طيش، وضعف، وغلبة، وشهوة، وضعة همة): (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب، فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما، وليست التوبة للذين يعملون السيئات، حتى إذا حضر احدهم الموت قال: إني تبت الآن، ولا الذين يموتون وهم كفار) (النساء:17-18).
(كتب ربكم على نفسه الرحمة انه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فانه غفور رحيم، وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين) (الأنعام:54-55).
إن صلة الطاعات والمعاصي بالإيمان لا يجوز نكرانها. فالأولى أغذية ينمو بها ويزدهر. والأخرى سموم يضعف بها ويذوي.
وقد أبان الله عز وجل انه ما من شخص يدعي الإيمان إلا فحصت نفسه بألوان التكاليف، وبليت بمراتب شتى من الجهاد، جهاد الشبهات، وجهاد الحياة والمبادئ.
ولابد أن يجتاز الشخص هذا الامتحان، ليحكم بعدئذ بنجاحه أو سقوطه. ولن يترك الإنسان سدى. ولن يغلب العصاة ربهم بإيمان مزعوم وكفران مكتوم.
والتكاليف التي شرع الله لعباده هي الطليعة الأولى للفتن التي تقتحم النفس، وتكشف دخائلها.
ولن تزال هذه الفتن تسبر أغوار الإيمان، ومدى صلابته، ومدى استعداد صاحبه للنعيم أو الجحيم، أو لهما معا، حتى يرجع الإنسان من حيث بدأ، إلى الله. (الم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون؟ ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين! أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا؟ ساء ما يحكمون) (العنكبوت:1-4).
ومصير المرء لا يحدد بمعصية واحدة ولا طاعة واحدة. فالأجل طويل والتكاليف متجددة، والأمر اعقد من أن نصدر بصدده حكما عاما. وفي الحديث: "تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا، فأي قلب اشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب انكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تعود القلوب على قلبين: قلب اسود مُربادّا كالكوز مجخيا (مكبوبا) لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما اشرب من هواه. وقلب ابيض فلا تضّره فتنة ما دامت السموات والأرض".
وهذا الحديث يبين: أن المعاصي منازل ومزالق، يسلم بعضها إلى بعض، وان الإيمان يتأثر بما يعرض للقلب من أحوال. فهناك قلوب أقفرت منه تماما –بإدمان المعاصي وإتباع الفتن- وهناك قلوب بين طريقها إلى البوار لمّا تقفر بعد، وتوشك أن تضل. وهناك قلوب بين طريق الخير، وطريق الشر، تتأرجح ناحية اليمين أو الشمال، والحديث يشبه عرض الفتن على القلوب شيئا فشيئا، كعرض عيدان الحصير، على الخيوط التي تنتظمها شيئا فشيئا.
وقسم القلوب عند عرضها عليها قسمين:
قلب إذا عرضت عليه فتنة اشربها، كما يشرب الإسفنج الماء، فتنكت فيه نكتة سوداء، فلا يزال يشرب كل فتنة عرضت عليه حتى يسود وينتكس، وهو معنى قوله "كالكوز مجخيا" أي منكوسا. فإذا اسود عرض له من هذه الآفات مرضان خطيران، يتأديان به إلى الهلاك:
احدهما:اشتباه المعروف عليه بالمنكر، فلا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا. وربما استحكم فيه هذا المرض حتى يعتقد المعروف منكرا والمنكر معروفا.
وثانيهما: تحكيم هواه في ما جاء به الشارع، وانقياده لهذا الهوى: حيثما ترامى به.
أما القلب الآخر، فهو ابيض أشرق فيه نور الإيمان، فإذا عرضت عليه الفتنة انكرها وردها، فازداد نورا وإشراقا.
وفي أحوال الإيمان مع الفتن والمعاصي ورد –كذلك- عن النبي (صلى الله عليه وسلم): "إن العبد إذا اخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وان عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه".
وهو الران الذي قال الله فيه: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون. كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون. ثم أنهم لصالوا الجحيم) (المطففين:14-16).
بين التوبة والمعصية
من حقائق التربية النفسية أن الإنسان خطاء، وان الغلط مركوز في طبيعته، يجري في عروقه مع الدماء، وان الله لم يكلف أحدا بالعصمة المطلقة!! إنما كلف الإنسان إذا اخطأ أن يثوب إلى رشده.
وإذا بدرت منه زلة أن يراجع تفكيره. وإذا زلقت قدمه، فكبا، أن ينهض من كبوته، وان يزيح عنه ما علق به، ثم يستأنف طريقه إلى غايته المنشودة.
ويظهر أن نفس الإنسان كجسمه، كلاهما يحتاج إلى تطهير دائم. لان كليهما ينضح من داخله، ويتعرض من خارجه، لما يضطره إلى مداومة الغسل ومتابعة النظافة..!
ففي البدن غدد وأجهزة دائبة الإفراز. وجو الأرض التي يحيا عليها يكسوه أبدا بالغبار والاكدار. فكان لابد –لعافية الجسد- من إزالة هذه الأدران كلها. والنفس الإنسانية كذلك، تهفو إلى السيئات، وتنزع إلى الشرور، وتتعرض في مخالطتها الآخرين إلى ضروب من الفتن والمغريات المحرجة.
وهي بحاجة إلى توبة متجددة متكررة، تمسح عنها هذه الاكدار، وتمحو هذه الآثار. مثلما يحتاج الجسد إلى أنواع الغسل وضروب المطهرات. والى هذا يشير القرآن في قوله: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) (البقرة:222).
وقد كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يجدد التوبة إلى الله، بين لحظة وأخرى، ويقول: "توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة".
ومدح القرآن الأنبياء بهذا المعنى: فقال –عن سليمان عليه السلام- (نعم العبد إنه أواب) (ص:30). ووصف المؤمنين بأن الله ينقذهم من اوضار الشهوات، وظلمات الأهواء ومفاتن الحياة، ساعة بعد ساعة، لأنهم –ما داموا أحياء- معرضون لها في كل حين.
وهذا ما يوحي به نظم الآية الكريمة: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) (البقرة:257).
على أن الأخطاء الصادرة من الناس تتفاوت تفاوتا كبيرا. فما يعتبر صوابا يصح صدوره من إنسان، يعتبر خطأ لا يسوغ صدوره من إنسان آخر.
ويختلف الرزقان والفعل واحد إلى أن يرى إحسان هذا لذا ذنبا
وهذا معنى عبارة المتصوفة: "حسنات الأبرار سيئات المقربين".
والغرض من سوق هذه الحقيقة، أن نحسن الانتفاع بها في ميدان التربية النفسية، انتفاعا نعالج به غلطات العصاة، وأخطاء المتهورين.
إن القالة الخبيثة التي شاعت بين المسلمين، توهمهم انه لا يضر مع الإيمان معصية، لا اصل لها، وهي –فضلا عن أنها أفسدت حضارتهم ، وأسقطت دولتهم- أضرت بالإيمان- كوازع خلقي وحصانة اجتماعية- ابلغ الضرر.
وقبل ذلك أضرت بالإيمان، كفكرة تنير العقل، ويقين يملأ الصدر، فمحقته محقا. ولسنا نزعم أن كسب سيئة يرد المؤمن كافرا في طرفة عين، فقضية الإيمان اخطر من ذلك!.
ولكننا نؤكد أن القلب إذا أحدقت به السيئات، وترادفت عليه الفتن، وطال عليه الأمد، وهو بين ظلمات معتمة، لا يخرقها بصيص من متاب.
هذا القلب ينفلت منه الإيمان رويدا رويدا، حتى يطمس بهاؤه، ويرتد صاحبه إلى جاهلية نكراء.
وانظر إلى قوله تعالى: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) (البقرة:81).
فان احاطة الخطيئة بالفاسدين، تتأتى على مر الليل والنهار، وهم يتقلبون في مهاد الخزي والعار، فهيهات أن يكون لهم إلا النار وبئس القرار.
أما تفسير كلمة "سيئة" في الآية بأنها الشرك وعبادة الأصنام، فلا معنى له، فان سياق الآية في مخاطبة أحبار اليهود ، واستعمال اللغة، واصطلاح الشارع ذلك كله ينفي هذا التأويل الذي لا مبرر له.
من مخلفات حرب الجدل
هذه صورة خلفها الجدل المحض، وثار النزاع فيها نظريا لا إثارة فيه من رعاية الواقع، أو استقراء أحوال المؤمنين على ضوء التجارب الصادقة!.
قالوا.. ثم اختلفوا في الإجابة: ما حكم المسلم الذي يصر على المعصية؟
قال بعضهم: كافر
وقال آخرون: بل مسلم، ولا تضر مع الإيمان معصية!
وقال غير هؤلاء وأولئك: بل هناك منزلة بين المنزلتين!
وانقسم المسلمون فرقا متقاتلة لهذا الاختلاف الذي يرجع في أساسه إلى التلاعب بالألفاظ، والنزوع إلى المراء، والتعلق بالجدل.
والحق أن هذا السؤال لا يجوز إيراده، فهو غلط ظاهر في فهم طبيعة الإسلام. إن كلمة "إصرار" تعني توجه الإرادة وانعقاد العزم، وتقدير النتائج المستقبلة، والسيطرة على البواعث والأساليب المقارنة للعمل.
أي: أن الإصرار مبارزة لله بالعصيان، على نحو مقرون بالتحدي وعدم الاكتراث، وذلك لا يتصور فيه مسلم قط!
نعم قد يعكف بعض الناس على معصية ما، لانهيار في إرادتهم، وجماح في شهوتهم. وهذا الانكسار في القوة الايجابية الدافعة إلى الخير، لا يسمى ما ينشأ عنه إصرار على الشر. إذ أن المسلم الذي يقارف ما لا يليق، لا ينفك عنه شعور قوي أو ضعيف، بالخزي والمعّرة.
أما يوم يصل إلى الحال التي يقبل بها على الكبائر وهو مسرور باسم، ويترك معها الواجبات، وهو مستريح هادئ، فهو اليوم الذي يتبخر فيه الدين من القلب، ولا يبقى له بالإسلام سبب ولا نسب.
وهذا الشعور المفروض في المسلم –إذا سقط في كبيرة- هو نواة التوبة المعجلة أو المؤجلة التي تربط الرجل بالإيمان أي رباط.
فإذا غاض هذا الشعور، وانفصم ذلك الرباط، فأي إيمان يبقى بعد!. روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم): " مثل المؤمن ومثل الإيمان كمثل الفرس في آخيّته. يجول ثم يرجع إلى آخيته، وان المؤمن يسهو ثم يرجع". وروي: "المؤمن واه (مذنب) راقع (تائب مستغفر) فسعيد من هلك على رقعة).
والإصرار حالة تتولد بعد مراحل متطاولة، من إلف المعصية، وموت الشعور بما فيها من نكر. وجذور الإيمان –مع الولوغ في المآثم- تنقطع جذرا جذرا، ما لم تتدارك بمتاب.
والبحث في هذا الموضوع تتكون النتائج فيه بالملاحظة والاستقراء، لا بالتلاعب والمراء. وإليك طائفة من الحقائق المقررة في علم الأخلاق، تستطيع في ضوئها أن تتبين ملابسات الأعمال المنكرة، ومراتب مقترفيها، والحكم على أنواع الجرائم والمجرمين، والذي قربها أو بعدها من الإيمان والكفر.
ذكر الأستاذ محمد يوسف موسى –رحمه الله- في كتابه "مباحث فلسفية في الأخلاق" درجات التوجه والتنبيه عند الكائنات المختلفة.
فسمى امتداد جذور النبات إلى أدنى طلبا للغذاء، وامتداد الأغصان والفروع إلى أعلى طلبا للضوء والهواء، سمي ذلك "حاجة".
وسمى تطلع الحيوان إلى ما به قوام حياته، وإدراكه المحدودة لمقومات وجوده، دون شعور بالغاية المترتبة على تحصيلها، سمى ذلك "شهوة".
ثم قال: "نرتقي بعد ذلك للإنسان فنجده يسعى لما يحتاج إليه، وهو شاعر تماما به، متصور اللذة التي تعقب وجوده، والألم الذي ينتابه لفقده". وذلك ما يميزه عن الحيوان ويسمى ذلك في الإنسان "ميلا".
ويعرف " الميل بأنه توجه من الإنسان لشيء متصور بوضوح مع أدراك الغاية المترتبة عليه –وباختلاف غايات الناس اختلفت ميولهم.
هذه غايته الشهرة، وذاك غايته السيادة، وغيرهما الغنى، وهكذا.
وكل طائفة متشابهة في الميول، تدور حول غاية واحدة تسمى "عالما" ومنها تنشأ الرغبة. فإذا تغلب ميل من هذه الميول على سائر الميول المتشابهة التي تدور معه في محور واحد، وسيطر عليها، كان ذلك ما يسمى بِ "الرغبة".
فإذا فكر فيما يرغب فيه، ورآه ممكنا، وذلل ما قد يكون بينه وبين نيله من عقبات، ثم اجمع أمره عليه، ارتقى ذلك الاتجاه فسمي "إرادة".
والفرق بين الرغبة والإرادة، يتضح من أن الرغبة قد لا يتلوها العمل المثمر.. ربما رغب المرء في أمر يستحيل الحصول عليه.
أما الإرادة فلا تتكون إلا حيث يتروى الإنسان في الأمر، ويزن جميع الظروف والملابسات. ثم بعد ذلك يراه ممكنا فيعزم عليه. وبهذا يعقبها العمل الذي إذا أعتيد صار خلقا.
ويظهر من هذا الخلق عادة للإرادة –وليس مجرد الإرادة- وان الإرادة تغلّب عالم من قوى النفس على غيره.. انتهى باختصار.
فالإصرار على الكبائر –في ضوء هذه الحقائق النفسية المقررة – هو نتيجة لمقدمات طويلة، وأطوار يتولد بعضها من بعض في نظام مرتب دقيق.
فإذا علمنا أن التدنس بخطيئة عقب ميل مفاجئ، أو رغبة جامحة يوقع الإيمان في مأزق خطير، ويصيبه بجرح عميق، ما لم يندمل هذا الجرح بتوبة.
وسمعنا قول النبي (صلى الله عليه وسلم): " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، و لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن".
فكيف بإيمان ترادفت عليه هذه الجراحات الدامية، من آثار الذنوب الفاجرة! وكيف تكون حال هذا الإيمان، إذا اقترن به الميل إلى الجريمة، ثم ارتقى هذا الميل إلى رغبة، فإرادة، فعزيمة صادقة، فخلق معتاد، فإصرار بالغ!!.
هيهات هيهات أن يكون له بقاء إلا في أوهام المجادلين والعابثين بعلم الكلام. على أن للإصرار على الكبائر طبيعة يجب أن تعرف.
فهو لا يمد سحابة الشر حتى تغطي وجه الإيمان الجميل فحسب! بل يرسب بسوءاته في النفس، فيحول بينها وبين فعل أي خير، وتقديم أي بر. فليس المصر رجلا من النوع الذي قال القرآن فيه: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم) (التوبة:102).
كلا، فمعنى الإصرار على الشر أن ينابيع الخير جفت تماما في الضمير فلن ترشح بخير قط. ومن ثم استقر الأمر في علم "الأخلاق" على أن الاتجاه المائع الذي تتأرجح فيه النفس لا يسمى خلقا.
ويقول الأستاذ "محمد يوسف موسى" : "لا يصح أن نقيم وزنا للرأي القائل: بأن الخلق أمر نسبي، بمعنى انه يحكم على المرء بالميل الذي يغلب عليه.
فمن غلب عليه حب الإعطاء، وأعطى كثيرا ولم يبخل إلا قليلا، كان كريما. وكذلك الصدق والكذب وسائر الفضائل والرذائل.
لا يصح أن نقيم وزنا لهذا الرأي، ذلك انه مما لابد لملاحظته في الخلق: الرسوخ، والثبات لحالة نفسية معينة، حتى تعطي ثمرتها من الأعمال باستمرار.
ويؤيد هذا ما ذكره "ماكيزي" في كتابه "الأخلاق": .. " انه لا بد لتكوين خلق من ثبات عالم من العوالم –يعني المشاعر النفسية-. أما مجرد باعث خير، أو غرض نبيل في حياة الإنسان، فلا يكفي لجعله فاضلا".
وتطبيقا لهذه القاعدة الخلقية في محيط الإيمان، يجعلنا نجزم بان الإيمان الكامل يقتضي العمل الصالح وجوبا، وينقص الإيمان كلما نقص العمل.
فإذا لم نجد إلا شرا محضا، جزمنا بأن ظل الإيمان قد تقلص. ولذلك قلنا: أن الإصرار –بمعناه الشامل- لا يتم في نفس مؤمنة أبدا.
وإذا أحصينا النصوص الواردة، والتفاسير الصحيحة لها، وجدنا أن الشرع الشريف، يهتم بالبواعث المقارنة للعمل اهتماما شديدا، ويبني الحكم على الإيمان والجزاء، بعد التأكد من الحالات النفسية، التي لا ينفك عنها عمل والتي ينقطع العمل أو يتكرر لارتباطه بها.
قال ابن قتيبة شرحا لقوله تعالى: (وعصى آدم ربه فغوى) (طه:121).
يجوز أن يقال عصى ادم، ولا يجوز أن يقال عاص، لأنه إنما يقال لمن اعتاد فعل المعصية. كالرجل يخيط ثوبه، يقال له: خاط ثوبه، ولا يقال: هو خياط حتى يعاود ذلك مرارا ويعتاده.
فهذه معصية لا يأخذ صاحبها وصفا يسجل عليه الشر، ولو انه فعلها!! بينما يسجل الإثم وعقابه على شخص آخر لم يفعل الجريمة، ولكنه عزم عليها. فعن النبي (صلى الله عليه وسلم) : " إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل: هذا القاتل؟ فما بال المقتول؟ قال: انه كان حريصا على قتل صاحبه!".
إن للنية المصاحبة مدخلا كبيرا في الحكم على الأخطاء والخطايا. ولا نحب أن نغفل في تقديرنا لأثر المعاصي في الإيمان.
1- أن المعاصي ليست سواء في تهاوي الناس إليها وبلائهم بها، فجمهور المسلمين في بلادنا، لا يطعم لحم الخنزير مثلا، ويستغني عنه في يسر ولذة بلحوم البقر والضأن. وجمهور الفقراء، لا يلبس الحرير، ولا يتحلى بالذهب، فإذا كان لحم الخنزير أو لبس الحرير –مثلا- من المناكر التي حرمها الإسلام، فإننا نلاحظ أن طبيعة هذه المحرمات تغاير المعاصي القائمة على دسائس الشهوة الجنسية مثلا، وما أكثر التعرض لها.
2- أن هناك بيئات تعين على العصمة، وأخرى تغري بالفاحشة. وقد يوجد أقوام لا يسعون إلى الجريمة، فيبلون بمجتمع دنس يسهل لهم الانزلاق. وقد يتمنى قوم الشر، بيد أنهم يجدون الأبواب إليه موصدة في بيئة محافظة مصونة مأمونة.
3- أن درجات السقوط نفسها تتفاوت. فالذي يهوي من قمة مشرفة غير الذي يسقط وهو يسير، غير الذي يتردى في حفرة عميقة. كذلك السقوط في المعاصي. فقد قارف الشخص الذنب عن ميل عارض وفرصة مواتية. وهذا غير من يقع فيه عن رغبة ملحة، وذلك غير من يسعى إليه عن إرادة يقظة. وهؤلاء غير من يعزم على الفعل ويستمرئ العودة إليه، ويدأب على ارتكابه حتى يصير فيه خلقا.
4- أن الدنايا نفسها حلقات موصولة. فالكاذب يخون، والخائن يرتشي، والمرتشي يهدم المصلحة العامة ويبيع وطنه وشرفه ودينه لأول مساوم. والسكير يزني، والزاني يقتل، والقاتل يستحيل إلى وحش لا دين له ..الخ.
والحق أن مدلول كلمة "معصية" في أفراد الناس وأحوال الحياة، يتفاوت تفاوتا واسعا. فكما تدل كلمة "سفر" على الرحلة القريبة، والطواف حول العالم.
وكما تدل كلمة "مرض" على الصداع العارض والحمى المهلكة، كذلك تدل كلمة "معصية" على طرفين متباعدين.
لا لان المعاصي تنقسم إلى صغائر وكبائر، بل لان الكبائر نفسها –بما يكتنفها من مشاعر نفسية- ليست سواء.
ومن الخطأ الكبير أن نقول –مع المرجئة- : أن الإيمان لا تضر معه كبيرة، أو نقول –مع الخوارج- : أن الكبيرة لا يبقى معها إيمان.
ولعل دقة الظروف الملابسة للمعاصي هي التي جعلت الناظم القديم يقول:
ومن يمت ولم يتب من ذنبه فأمره مفوض لربه!!
يشير بذلك إلى قول الله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما)(النساء:48).
والآية تشير إلى أن الشرك لا يغفر. وهناك أمور مساوية للشرك، كجحود الألوهية، أو الاعتراف بها وجحود أوامرها، ورفض الانصياع لها. ومادون الشرك صنوف كثيرة قد تهبط إلى اللمم المغفور، وقد تفحش حتى تمحق الإيمان كما أسلفنا بيانه.. فلا تكون دون الشرك أبدا.
وفي الحد الفاحش من المعاصي يساق قوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين) (النساء:14). (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا) (الجن:23).
وفي الحد الأدنى يقول تبارك وتعالى:
(والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) (آل عمران:135).
هل المعصية مرض؟
في أحيان كثيرة يتجه البحث العلمي إلى اعتبار عوج السلوك وارتكاب المحظورات ظواهر لأمراض نفسية كامنة! ويفسر وقع الجرائم على أنها أعراض تستوجب العلاج الحكيم، للاضطرابات النفسية والعصبية التي تختفي وراءها ..
وعُدّ العصيان مرضا يجب التفكير في مداواته، قبل عده جريمة تستوجب القصاص من صاحبها، أمر يستحق النظر العميق على ضوء التعاليم التي جاء الإسلام بها!.
وقد تسأل: هل المعصية مرض حقا؟
والجواب أن تعابير القرآن الكريم في غير موضع واحد تبيح لنا أن نقول: نعم ففي سورة البقرة وصف النفاق بأنه مرض: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا) (البقرة:10).
ومرض القلب هنا ليس سرعة نبض ولا بطء خفقان بداهة!!
وفي كثير من الصور شاع هذا الوصف حتى لقد تكرر في سورة الأحزاب ثلاث مرات، ويدل اختلاف السياق على اختلاف المقصود به. ففي النصح لأمهات المؤمنين يقول الله عز وجل: (إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) (الأحزاب:32).
والمراد بالمرض هنا ما يتخلف في نفوس الناس من اضطراب الغريزة الجنسية اضطرابا يجعلها تطمع في غير مطمع، ويشرد زمامها حيث يجب أن تقف وتستكين! والله عز وجل يريد لنسوة نبيه (صلى الله عليه وسلم) منزلة تعلو على هواجس النفوس.
فلا عجب إذا صانهن عن آخر ما تصل إليه الأماني المحرمة للنفوس المريضة. وقد ثبت أن الشهوة الجنسية أساس لعدد هائل من الأمراض الفكرية والعصبية والخلقية!
وفي موقف الضعاف والمترددين عند هجوم الأحزاب على المدينة وإحكامهم الحصار على من فيها يقول القرآن الكريم: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) (الأحزاب:12).
وقد سبق وصف النفاق بأنه مرض. وجرثومة هذا المرض تنمو مع ضعف الشخصية وانحلالها. فترى المرء يلقى هؤلاء بوجه ورأي، ويلقى أولئك بوجه ورأي، حتى إذا مرد على ذلك أصبح أخصائيا في العيش بشخصية مزدوجة.
وقد بلي المجتمع الإسلامي الأول بحزب ضخم من المنافقين كانوا شرا عليه من الكافرين الصرحاء.
وهذه الآية قد يكون معناها: وإذ يقول المنافقون الذين في قلوبهم مرض. فهي صفات متعاطفة يكشف بعضها خفاء بعض. أو يكون الذين في قلوبهم مرض صنفا آخر من الناس، أشبهوا المنافقين في جزعهم من الأعداء، وجبنهم عند اللقاء، وشكهم في أمر الرسول (صلى الله عليه وسلم) وعاقبته فالتحقوا بهم وصاروا لذلك منهم.
والذين تظهر عليهم أعراض يعزلون مع المرضى إلى أن تتميز أحوالهم. وقد جمعت سورة الأحزاب هذه الأصناف كلها في قوله تعالى: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا) (الأحزاب:60).
وقد جاء هذا التهديد بعد أمر عام لنساء المؤمنين بالاحتشام التام في ملابسهن، مما يدل على أن المقصود بالذين في قلوبهم مرض هم الشبان المتسكعون في الطرق المتتبعون للعورات.
وتحفظا من هؤلاء انزل الله الآية السابقة: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) (الأحزاب:59).
والأمراض النفسية تتفاوت خفة وحدة، ويتفاوت معها ما ينشا عنها من مخالفة للشرع والقانون، وشذوذ عن العرف والتقاليد الفاضلة. على أن المجرم مهما كان مريض النفس فلا يمكن إخلاؤه من المسؤولية الجنائية وتركه طليقا دون أية مؤاخذة.
والإسلام ينظر إلى هذه الأحوال المرضية نظرتين مختلفتين. فهو يصنع الحدود والعقوبات التي لابد منها لصيانة المجتمع، وتدعيم أركانه، وتقرير فضائله، والمحافظة على مثله العليا، والمغالاة بقيمتها وقمع من يستهين بها.
ومن ثم فهو يجلد ويرجم، ويقطع ويقتل. ولكنه –إلى جانب هذه النظرة الصارمة- يرسل نظرة عطف إلى المجرم نفسه على حساب انه مريض. فهو يحتاط في الحكم عليه ويجعل القاضي أن يخطئ في العفو خيرا من أن يخطئ في العقوبة، ويأمر بالدعاء له، لا الدعاء عليه.
وقد حدث أن جيء بسكير إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) ليؤدب على سكره، فقال احد الجالسين: لعنة الله عليك! ما أكثر ما يجاء بك!.
فقال (صلى الله عليه وسلم): لا تلعنوه، فو الله ما علمت إلا انه يحب الله ورسوله
وفي رواية أخرى: لا تقولوا هذا، ولكن قولوا: اللهم ارحمه، اللهم تب عليه. وهذه النظرة الرحيمة هي التي أوصت بالستر على المخطئ، وإعطائه الفرصة التي يصلح بها نفسه، والتشفع له قبل أن يصل الأمر إلى القضاء، عساه يرجع عن غيه ويبرأ من علته.
وأولى الأمراض النفسية ظفرا بالرحمة والعطف في دين الله هي: الأمراض التي تصيب الإرادة الإنسانية في محاولاتها المتكررة المتعثرة أن تصل إلى الكمال المنشود.
فان المرء إذا طلب السمو بنفسه عن الدنايا، لاحقته من طبيعته الأرضية نزعات شتى قد تزله عن الخير، حتى يكاد ييأس من بلوغه، فتمرض إرادته ويضعف عزمه. وهنا يتدخل الدين بتعاليمه ليعيد إلى الإرادة صحتها وقوتها، حتى تسعى بصاحبها إلى الكمال ما دام حيا.
وفي ذلك الموضع الدقيق من علاج النفس، تساق أحاديث الرجاء وآيات الرحمة، والنصوص الكثيرة التي تفتح عيني الإنسان على آفاق بعيدة المدى من غفران الله ورضوانه، والتي لا تسد منافذ الأمل أمام نفسه أبدا. مثل قوله تعالى للعصاة: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا) (الزمر:53).
وأمثال هذه البشارات الرحبة يظنها القاصرون ذريعة إلى التقصير في العمل والاستهانة بالخطأ، وهذا مغرق في الضلال. فما قصد بهذه النصوص إلا تشجيع المجاهد لهواه على المضي في طريقه، لا تقفه عثرة ولا تلويه عقبة، ولا تنكسر عزيمته في الخير لكثرة ما اقترفت من الشر، ولا يقنط من رحمة الله –مهما صنع- ما دام يريد استئناف حياة أنقى وأفضل.
وبهذا الضوء تدرك العلاقة بين النصوص الكثيرة التي تجعل العمل كل شيء في الدنيا حينا، والتي تسوق العفو والمغفرة حينا آخر على اليسير من الأمور.
وخير ما نستصحبه في ملاحظتنا على أحوال الناس قول عيسى بن مريم عليه السلام: " لا تنظروا في أعمال الناس كأنكم أرباب، بل انظروا في أعمالكم على أنكم عبيد، فإنما الناس رجلان، مبتلى ومعافى، فاعذروا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية".
وللإسلام تعاليم ايجابية لكي يكتسب المؤمن منها صحته النفسية، وعافيته الروحية. ويخطئ من يحسب العبادات التي شرعها الإسلام ضربا من الطقوس التي تؤدى في جو من الغفلة السائدة، والفناء في مجهول غير مفهوم.
فان الفرائض الأولى في الإسلام تقوم على اليقظة العاطفية والعقلية، وقلما تحظى بالقبول إلا إذا تركت أثرا غائرا في القلب واللب! ومن ثم فالعبادات التي كلف بها المسلم أساس مكين لصحته النفسية.
والحكمة المذكورة في تشريعها أنها وقاية من الاوضار والأوزار، وانها –إذا وقع المرء في خطيئته- نظافة تغسل الروح مما لحق به من فتن وذنوب.
وكلا الأمرين –من وقاية ونظافة- سبيل العافية والبعد عن الأمراض النفسية، أي: عن المعاصي والسيئات. إن التعبد بتلاوة القرآن مثلا ليست الغاية منه ترديد الألفاظ المقدسة، بل المقصود أن يتصل الروح بالوحي لينتعش ويتطهر، ويترفع حين يناجي الله عن الإخلاد إلى الأرض وإتباع الهوى. (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) (الإسراء:82).
والتعبد بالصلاة منهاة عن الآثام، ومطردة للوساوس الصغيرة، ودواء للعصيان إذا مس المرء عارض منه. ومن الكلمات الحكيمة: "إذا لم تشغل نفسك بالخير شغلتك بالشر" وبهذا المبدأ وقى الإسلام الفرد والمجتمع من أمراض نفسية جائحة. فإن الفرد العاطل والأمة التي لا رسالة لها مرتع خصب لأخبث الأمراض العقلية والقلبية.
ولو اشتغل المجتمع المسلم بما طولب به من جهاد دائم، وما كلف به من صلوات جامعة، لما وجد متسعا من الوقت لجرائم الفراغ والتبطل، ولانحلّت عقد كثيرة من تلقاء نفسها في ميادين العمل السامي إلى الأهداف المرسومة.
وعندي أن كثيرا من معاصي الأفراد يقع قسط كبير من وزرها على الدولة، لأنها لم ترحم حيلتهم بما يصرفهم عن الموبقات. إن الأمراض النفسية التي يشرد بها السلوك الإنساني كثيرة. ولو استمعنا إلى آراء علماء النفس لما نجا احد من الاتصاف بعقدة كامنة، أو لوثة خفية، أو داء نفسي دفين.
غير أن هناك فارقا بين أن يوصم المرء بالجنون مثلا، وبين أن تصدر عنه أفعال تعد شعبة من الجنون. ويقال للإنسان –إذا صدرت عنه-: أما بك عقل؟ وقد قال الله تعالى لأحبار اليهود: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعلقون) (البقرة:44).
والأمراض النفسية تتفاوت شدة وضعفا، وهي في بدايتها غيرها في نهايتها. ومنها ما تكون الإصابة به كالوباء العام، ومنا ما يقع في حدود وظروف ضيقة. وأكثر الأمراض النفسية شيوعا ما ينشأ –كما ذكر القرآن في غير موضع- عن اضطراب الغريزة الجنسية، أو عن الشعور الايجابي أو السلبي بالذات- كما يعبر علم النفس-.
لهذه الاضطرابات النفسية أطوار ومضاعفات ليس هنا موضع بحث فيها. ومن مرض الغريزة الجنسية تتولد الجراثيم المسببة للزنى واللواط والسحاق والتعشق الخيالي والتذلل للمحبوب... الخ.
ومن مرض الشعور الايجابي بالذات ينشأ الفخر والخيلاء والتكبر وجنون العظمة. ومن مرض الشعور السلبي بالذات تتولد مركبات النقص والتلون والملق، وقد يكون الإحساس بالضعة باعثا على الكبر والفخر بشكل حاد مثير.
والإسلام –كما قلنا- يتعهد النفس بالعبادات فيحصنها ضد هذه الأمراض. ويخفف من آثارها إذا أصيبت بها. ولا يزال يعالجها حتى يشفيها أو يقارب على قدر اخذ الإنسان نفسه بالمجاهدة والتربية. ولسنا ندري من أحوال الجرائم والمخالفات إلا ظواهر يسيره. ولسنا نجرؤ على إصدار حكم عام في هذه الأمور.
وقد نستطيع تحدي مصاير الناس في الدنيا بما يظهر لنا انه إيمان، أو فسوق وكفران. أما مصاير الناس في الآخرة فإلى الله وحده.
والقول بتخليد العصاة في جهنم، أو العفو عن بعضهم والتنكيل ببعضهم الآخر إلى حين، يقترن بهذه الملابسات التي اطلنا سردها، ورفضنا إخضاع الحكم فيها للجدل والسفسطة وألاعيب المنطق القديم. وفي ذلك يقول زميلنا الفاضل الأستاذ إسماعيل حمدي من بحث طويل: العدل كمبدأ والعقاب كجزء منه، لا مناقشة فيهما إذن.
ولكن أي المجرمين ينبغي أن يتجرد له العدل؟ وأيهم يعامل بالعدل مع الرحمة؟ وأيهم هو المريض الذي تتجرد له الرحمة التامة؟ إنهم مختلفون بلا ريب.
فصور النفوس اشد تنوعا من صور الوجوه، والإرادة والوعي هاهنا أساس التنوع والاختلاف.
فامرؤ يقارف الجريمة مريدا واعيا يبصر آثارها كاملة، ويقدر على مجانبتها تماما، ويرتب وسائلها، ويهيئ ظروفها، ويستعد لمفاجآتها –غير امرىء تتسلط عليه إحدى العواطف الحادة، كالغضب او الحب أو القرابة فيتورط في جناية مندفعا إليها اندفاع المنقوص الإرادة والوعي معا.
وكلاهما غير ثابت، أعوزته أسباب القوت فسرق، أو أسباب النشأة الصالحة والتربية الضرورية فأفسد. لا حاجة بنا إلى بيان ما يستحقه كل نوع من هؤلاء، فهذا واضح كل الوضوح.
وذا كان قضاء البشر لا يأبى الرحمة على من يستحقها كاملة، ولا العدل على من يستحقه مجردا، ولا هما معا على من يستحقهما معا، لأن وضّاع القوانين، والقضاة بين الناس، لا يضعونها، ولا يحكمون وهم آلات صماء. وإنما هم بشر، فيهم ما في البشر من صفات يستوحونها.
وتظهر –حتما- فيما يضعون وفيما يحكمون، بل المفروض أنهم من أرقى البشر. فصفاتهم من العدل والنزاهة والعلم بالأنفس وتقدير البواعث والرحمة وما إليها من أرقى الصفات.
والقران يتحدث بحديثه الفياض عن صفات لله هي المثل الأعلى، من علمه المحيط بمن خلق، وعدله الناصع الذي آثره لنفسه، وأمر به الناس، ورحمته الواسعة، وإحسانه الجميل، وعفوه السمح. وهي صفات من الأدب أن نقول أنها غير عقيمة، أو غير سلبية، أو غير موقوتة بهذه الحياة الدنيا.
فنحن –بهذا القول ومثله- نقدرها حق قدرها، لأنها صفات إلهية، فهي عاملة دائبة، وهي مباركة متصلة، تتناول الدنيا والآخرة.
ومعاملة الله للناس فيما يشرع لهم وفيما يقضي بينهم، لابد أن تكون مظهرا تظهر فيه هذه الصفات، ومجالا تبدو فيه آثارها الجميلة.
فالظروف المخففة التي تقضي باستعمال الرأفة، كما يعبر رجال القانون، والبواعث المحزنة التي تثير في القاضي عواطف الطبيب الرحيم، كما يكون لها تقديرها عند البشر يكون لها كذلك تقديرها عن الله. والله أمنّ وأفضل، وله المثل الأعلى في السموات والأرض.
إن الإيمان يستلزم العمل كما يستلزم النهار الضوء. وقد يثور في رائعة النهار غبار يحجب الأفق، أو تتكاثف غيوم تملأ الأرض بالظلال. بيد أن ذلك لن يرد النهار ليلا، إذ هو عرض زائل، طال أمده أم قصر، فلن تلبث أشعة الشمس أن تغمر الأرجاء بالدفء والضياء.
كذلك نور الإيمان قد تحجبه إلى حين غيمة من شهوة عارضة، فتغيم جوانب النفس حتى لا يكاد المؤمن يرى النهج، ثم يعمل الإيمان عمله، فإذا الأمر كما قال الله تعالى: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكّروا فإذا هم مبصرون) (الأعراف:201).
أما الظلام المطبق للمعاصي الدائمة، فذلك حيث يخيم ليل الكفر، وتغيب شمس الإيمان، ويفقد المرء حاسة البصر تماما، فهو لا يعرف لله طريقا: (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا) (الإسراء:72).
إن قصة الخليقة الناجية كما مثلها أبونا آدم "خطأ ومتاب".
وقصة الخليقة الهالكة كما مثلها إبليس "جريمة وإصرار".
فاختر لنفسك ما يحلو، وليس الحساب من مغالطات المنطق والتلاعب بالنصوص، ولكنه إلى الله كفى بالله حسيبا.