
رسالة من محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين
بسمö الله، والحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولö الله ومَن والاه، وبعد..
فسوف تظلُّ صرخاتُ الأطفالö الصَّرعى في مجزرةö قانا، تلك الصرخاتُ المكتومةُ التي لم تصلْ إلى مسامعö أحدٍ، وأجسادُهُم الغضَّةُ التي مزَّقَتْهَا صواريخُ العصاباتö الصهيونية فتسربلتْ بالدم، وقسماتُ البراءةö التي اغتالتْهَا يدُ الغدرö على وجوهöهم الشاحبةö التي أضناها الحصارُ والجوعُ والخوفُ، وأشلاؤُهم التي عانَى رجالُ الإنقاذö في لملمةö بقاياها، فأفلَحُوا حينًا، وأَخفقُوا آخر، وبقاياهم التي طَمَرَتْهَا أنقاضُ المبنَى المتهدّöم في ظلمةö ليلٍ عربيٍّ حالكٍ.. ستظل صرخاتُهم وأنَّاتُهم وأشباحُهم وأشلاؤُهم تُطاردُ كلَّ ضميرٍ إنسانيٍّ حُرٍّ، وتُنغصُ هنيءَ عيشöهö في نومöهö وصَحوöهö، لتُضافَ إلى السجلّö الأسودö للعدوّö الصهيونيّö الأمريكيّö تجاهَ أُمتöنا في ديرö ياسين وكفرö قاسم، وقبية وبحرö البقرö وصابرا وشاتيلا وقانا 1996م وجنين، وغزة، وأسرانا الذين دُفنوا أحياءً في سيناءَ، وغيرُها كثيرñ.
جرائم متواصلة
لم تكُنْ مذبحةُ قانا 2006م عملاً استثنائيًّا في تاريخö الصراعö الصهيوني المدعومö أمريكيًّا ضدَّ أُمتöنَا، كل ما هنالك أنَّ قرابةَ ستين شهيدًا- معظمُهُم من الأطفالö والنساءö- سوف يُضافون إلى أكثرَ من ثمانمائةö شهيدٍ وثلاثةö آلافö جريحٍ في العدوانö الأخيرö على لبنان، وإلى ضحايا فلسطينَ منذُ بدايةö الانتفاضةö المباركةö هناك سنة 2000م فقط وهم قرابة 4500 شهيدٍ، خُمسُهُم من الأطفالö والصبيةö دونَ الثامنة عشرة، وأكثرُ من 4700 جريحٍ يتزايدون كلَّ يومٍ، فضلاً عن عشراتö الألوف من المهجَّرين، إضافةً إلى اللاجئين الفلسطينيين الذين بلغ عددُهُم خمسةَ ملايين موزَّعين على بلادö العالم، وسوف تُضافُ منازلُ أهلöنا التي دمَّرَها الغزاةُ في قانا وبنت جبيل ومارون الرأس وعيتا الشعب وسهل البقاع وضاحية بيروت الجنوبية إلى ما يزيد عن 71.000 منزل في فلسطينَ دمَّرَها تدميرًا كليًّا أو جزئيًّا منذُ عام 2000م!!
وكُلُّ هذه الدماءö والآلامö لم تَرْوö بني صهيون وحلفاءَهم في أمريكا، وما زالوا يتحرَّقون شوقًا إلى مزيدٍ من الدمö العربيّö والإسلاميّö لعله يُطفئ في دواخöلöهم أحقادَ سنينَ وقُرونٍ.
ولم يغضبْ حاكمñ!!
والمؤلم حقًّا في تلك الملحمةö الدائرةö على قدمٍ وساقٍ في فلسطين ولبنان والعراق وغيرها أنها لم تُؤرّöقْ ضميرَ حاكمٍ عربيٍّ، ولم ينتفضْ غضبًا لها مسئولñ مسلمñ، إلا مَن رَحöمَ ربّöي، بعد أن ودَّعت شرايينُهم- منذُ أمدٍ بعيدٍ- سخونةَ الدمö وفورةَ الغضبö وثورةَ الرجولةö، وباتُوا لا همَّ لهم إلا حفظُ كراسيهم، ونهبُ ثرواتö شعوبöهم، وزيادةُ أرصدةö بنوكهمº ليهنأَ بها مَن بعدَهم.. أبناؤهم ثم أحفادُهُم.
إنها الشهادة
وعزاؤنا نحنُ أن تلكَ التضحياتö لم تذهب هَدَرًا، وأنها تركتْ في عدوّöهم جُرْحًا داميًا، وألمًا ماضيًا {إöنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإöنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مöنَ اللَّهö مَا لا يَرْجُونَ} )النساء: من الآية 104)، وأنها أذلَّتْ كبرياءَهُ، ومرَّغَتْ في الوحلö غطرسَتَهُ وادّöعاءَه، وأعادتْ لأمتöنا شيئًا من عزَّتöهَا المفقودةö وكرامتöها المنشودة، وأنها- قبل ذلك وبعده- لم تكُنْ نتاجَ نخوةٍ كاذبةٍ، أو عصبيةٍ زائفةٍ، بل ذهبتْ علاماتٍ في طريقö الشهادةö المخضَّبö بالدمö {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذöينَ قُتöلُوا فöي سَبöيلö اللَّهö أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءñ عöنْدَ رَبّöهöمْ يُرْزَقُونَ* فَرöحöينَ بöمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مöنْ فَضْلöهö وَيَسْتَبْشöرُونَ بöالَّذöينَ لَمْ يَلْحَقُوا بöهöمْ مöنْ خَلْفöهöمْ أَلاَّ خَوْفñ عَلَيْهöمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} )آل عمران: 169-170).
وإننا إذْ نُعزّöي أُسَر الشهداءö لَعَلى ثقةٍ أنَّ عظيمَ التضحياتö لن يفُتَّ في عَضُدö المجاهدين، بل ستزيد من التفافö الأمةö حولهم حتى يُشرقَ فجرُ النصرö الآتي بإذن الله.
من دروس المواجهة والصمود
إننا بعدَ ما يزيدُ على عشرين يومًا من القتالö الدائرö في لبنان ونحو شهرَين من الصمودö في فلسطين أمام العدوانö الصهيوني نُركّöزُ على بعضö الدروسö المستفادة:
أولاً: عودة الإسلامö إلى قيادةö الصراع:
إنَّ الإسلامَ اليومَ يستعيدُ دورَهُ في قيادةö الصراعö ضدَّ المشروعö الصهيونيّö الغربيّö، وهو الدورُ الذي أرادُوا تغييبَه عنه منذُ أمدٍ بعيد، وبذَلُوا في سبيلö ذلك ما استطاعُوا من جهدٍ ومكْرٍ وتزييفٍ للوعي، ولقد أعلنَهَا ابنُ جوريون (مؤسسُ الكيانö الصهيونيّö وأولُ حكَّامöهö) واضحةً حين قالَ: "نحن لا نخشَى خَطَرًا في المنطقةö سوى الإسلام"، وهو ما أكَّدَهُ قائدُهُم العسكريُّ الشهيرُ موشيه ديَّان بقولöهö: "إنَّ دولَ الغربö- وعلى رأسöها الولاياتُ المتحدةُ- عليها أن تُعطيَ اهتمامًا أكبرَ لإسرائيلَº باعتبارها خطَّ الدفاعö الأولö عن الحضارةö الغربيةö في وجهö أعاصيرö الثوراتö الإسلاميةö..".
وأكَّدَ ذلك شيمون بيريز في أسلوبöهö الموصومö دائمًا بالمخادعةö والتضليلö حين قال: "إنَّهُ لا يُمكنُ أن يتحققَ السلامُ في المنطقةö ما دامَ الإسلامُ شاهرًا سيفَه، ولن نطمئنَّ على مستقبلöنا حتى يغمدَ الإسلامُ سيفَهُ إلى الأبدö".. وذلك ما عبَّرت عنه صحيفةُ (يديعوت أحرونوت) في 11/3/1978م بقولها: "لقد نجحنا بجهودöنا وجهودö أصدقائöنَا في إبعادö الإسلامö عن معركتöنَا مع العربö طوالَ ثلاثين عامًا، ويجب أن يبقَى الإسلامُ بعيدًا عن المعركةö إلى الأبدö"، ورُؤَى حكامöهم المعاصرين تسير في الطريقö ذاته.
ثانيًا: جريمة الحكام:
إننا في ذلك الإطارö نفهمُ مَدَى الجريمةö النكراءö التي ارتكبَهَا معظمُ حكَّامöنا على مدارö هذه العقودö من عُمرö الصراعö- ولا يزالونَ- حين فاصَلُوا شعوبَهُم وخاصَموا تُراثَها، فنفَّذُوا الخُّطَّةَ الصهيونيةَ الغربيةَ بمحاربةö الإسلاميين وإقصاءö الرؤيةö الإسلاميةö بكلّö سبيلٍ.
وقد أثبتت وقائعُ الصراعö أنَّ الإسلامَ المقاوöمَ- الذي كان دائمًا زادًا لحركاتö التحرُّرö الوطنيّö في الحُقبةö الاستعماريةö السابقةö- يعودُ اليومَ ليكونَ زادَ المقاومةö الواعيةö في زمنö التردّöي والهوانö العربيّö، بقدرتöهö الهائلةö على حشدö الأمةö من خلفöهö، وتحريكöها في دأبٍ وإصرارٍ نحو غاياتöها العُظمَى في التحررö والعزةö.
إنَّ المشروعَ الصهيونيَّ الأمريكيَّ- بكلّö ما يمتلكه من آلةö الحربö والدمارö- يقفُ اليومَ عاجزًا أمامَ قُدرةö مُقاتلöي حزبö الله على الصمودö على مَدَى ثلاثةö أسابيعَ من القتالö الضارöي، تمامًا، كما وقفَ عاجزًا في العقدö الأخيرö أمامَ صمودö المجاهدينَ في فلسطينَ، وهو نفسُه الذي يتجرَّعُ مرارةَ الهزيمةö كلَّ يومٍ في العراقö منذُ احتلالöهö.
إنَّ ذلكَ لا يعني بحالٍ أننا ننفöي دَوْرَ المناضلين من غيرö الإسلاميين في مقاومةö المشروعö الصهيونيّö الأمريكيّö، بل إننا لَنُقدّöرُ جهادَ كلّö الفصائلö الوطنيةö في التصدّöي لهذا المشروعö، ولكننا نؤكدُ أنَّ الدولةَ الصهيونيةَ ذاتَها قامتْ على أُسسٍ دينيةٍ وعقيديةٍ تستدعöي بالضرورةö عقيدةً مقاوöمةً وغالöبةً، وإننا لننظر اليومَ بقدْرٍ من الرّöضا إلى قُدرةö الحركاتö الإسلاميةö الوسطيةö على استيعابö قُوَى الخيرö والصمودö فöي مجتمعاتöنَا، أو التواصلö والتنسيقö معها بما يُحقّöقُ مصالحَ الأمةö.
ثالثًا: مأزق المشروع الصهيوني الأمريكي:
إنَّ المأزقَ الذي عانَاه المشروعُ الأمريكيُّ في مستنقعö العراقö فلا يستطيعُ منه نجاةً ولا يجد منه مهربًا.. يُعانيه اليومَ المشروعُ الصهيونيُّ الأمريكيُّ في لبنانَ وفلسطينَ، فلا يستطيعُ الصهاينةُ إعادةَ احتلالö غزة، ولا التوغلَ في أراضöي لبنان، وهم يعلمون أنهم إن فعلوا غَدَوا هدفًا دائمًا للمجاهدينَ، ولا يستطيعونَ ابتلاعَ هزيمتöهم والاعترافَ بها بعدما فعلَهُ رجالُ المقاومةö الإسلاميةö بهم، مöن أَسْرö جنودöهم، ومهاجمةö مواقعöهم في عُمقö الوطنö المحتلö في عمليتَين جريئتَين أصابَتا الصهاينةَ بالخöزöيö على حدّö اعترافö شلومو جازيت (الرئيسö السابقö لمخابراتöهم العسكرية).
وإننا لعلَى يقينٍ من نصرö اللهö القريبö، فإنَّ صمودَ أبطالöنا هناك يَخُطُّ مستقبلاً جديدًا للمنطقةö بحقٍّ، لن يكونَ على هوَى المشروعö الأمريكيّö الصهيونيّö الذي يُسمُّونَهُ بالشرقö الأوسطö الجديدö، والذي يُريدونَهُ خاليًا من قُوى المقاومةö والصمودö والممانعةö والصبرö، والذي يُهيّöئونَ المسرحَ العالميَّ له منذُ أحداثö 11 سبتمبر بغزو أفغانستان والعراق ثم ضرب لبنان.. وتُصوّöر لهم أوهامُهُم أنَّ حالةَ التراجعö والهوانö التي تُعانöي منها أُمَّتُنا- بفضلö أنظمتöهَا الحاكمةö- توفّöر لهم اللحظةَ التاريخيةَ المواتية.
رابعًا: هوانñ أم خيانةñ وتواطؤñ؟!
إنَّ المأزقَ الأمريكيَّ والصهيونيَّ يمتدُ ليشمل حلفاءَه وتابعيه من حكامö العربö والمسلمين الذين ارتضَوا لأنفسöهم الخöزيَ والعارَ في هذا الظرفö العصيبö، فراحُوا يُوفّöرونَ الغطاءَ للعدوانö في مراحلöهö الأُولى، راجينَ أن يُسعöفَهم سادتُهُم من الصهاينةö والأمريكانö بإزالةö قُوَى المقاومةö الإسلاميةö في فلسطينَ ولبنانَ من خريطةö الحياةö السياسيةö والاجتماعيةö في وطننا، وهم يرون فيها خطرًا على استمرارö فسادöهöم واستبدادöهöم، حتى صرَّح وزيرُ داخليةö الكيانö الصهيوني في حديثه يوم 15/7 بقوله: "لقد فُوجئْنا بالنقدö الذي وجَّهَتْهُ بعضُ العواصمö لحزبö الله، وإنَّ معظمَ الحكوماتö العربيةö تُؤيدُ ما نقومُ به ضدَّ الحزبö في لبنان، وإنَّ الحكامَ العربَ يُدركُون جيدًا أنَّ معركتَنَا ضدَّ المتطرفين الإسلاميين (كما يُسمّöيهم) في لبنان وغزةَ هي ذاتُ المعركةö التي يخوضونها في أقطارöهöم".. ووصفت الصحفُ الصهيونيةُ الصادرةُ يوم الأحد 23/7 الدعمَ غيرَ المباشرö الذي قدَّمتْهُ بعضُ الأنظمةö العربيةö لهم بأنَّهُ "شيءñ لا يُصدَّق"!!
لقد أعلنتْ هذه الأنظمةُ خبرَ وفاتöها بهذا الموقفö المشئومö، وإن حاولت تحسينَ صورتöها فيما بعد لمَّا هزَّها صمودُ المقاومةö وغضبةُ شعوبöها، وهي تؤكدُ بذلك إفلاسَها بعد فقدانها كلَّ مشروعيةٍ لبقائöها، وبعد أنْ أعلنَ أمينُ الجامعةö العربيةö أنَّ عمليةَ السلامö- الخيارُ الإستراتيجيُّ الذليلُ لتلك الأنظمة- قد ماتتْ، ولم يبقَ للأنظمةö سوى سبيلٍ واحدٍ: أنْ تُعلöنَ توبتَهَا، وتَصطلحَ مَعَ شُعوبöهَا، وإلا فإنَّ رياحَ التغييرö سوف تَجرفُهَا دونَ رحمةٍ.
خامسًا: هزيمة الجيش الذي لا يُقهر:
حاولَ الإعلامُ الأمريكيُّ والصهيونيُّ أن يُلقöيَ في رَوعö شعوبنا أنَّ جيشَ الكيانö الصهيونيّö لا يُقهرُ، مستشهöدين بحروب 48، 56، 76.. بل ساعدَهُم في ذلك كثيرñ من حكامö العربö بتصريحاتöهم المتكررةö، أنَّهُم لا يستطيعونَ مواجهةَ هذا الكيانö بالسلاحö، وشبَّهه أحدُهُم بالأسدö الذي يفترس خصومَهُ، متغافلين عن هزيمتöهö في حرب 73، وفي جنوب لبنان 2000م، واضطرارöه للانسحابö من غزة 2005م، ثم جاءت هذه المعركةُ غيرُ المتكافئةö بأي مقياسٍ ماديٍّ لتؤكدَ أنَّ هزيمةَ هذا الجيشö أمرñ ممكنñ، ليسَ بالجيوشö فقط بل بالمقاومين المؤمنين باللهö والطامحينَ إلى الشهادةö، والمُعَدّöين بالتدريبö والتسليحö بحسبö الاستطاعةöº ولذلك ندعُو إلى تدريبö الشبابö الراغبö في الجهادö في كلّö الدولö العربيةö والإسلاميةö، ليكونُوا طليعةً للجيوشö أو رديفًا لهم في معركةö التحرير والكرامة.
نداء إلى القمة الإسلامية المرتقبة
وأخيرًا فإننا نتوجَّهُ بكلمةٍ إلى القمةö الإسلاميةö في ماليزيا أن يرتفعَ أعضاؤها إلى مستوى المسئوليةö الجسيمةö في هذه اللحظةö التاريخيةö الفاصلة، وأن يُعلنوها صريحةً دونَ مواربةٍ، أنَّهُم يدعمون في صدقٍ وحسمٍ شعبَنا المجاهدَ في لبنانَ وفلسطينَ والعراقö.. {وَاللَّهُ غَالöبñ عَلَى أَمْرöهö وَلَكöنَّ أَكْثَرَ النَّاسö لا يَعْلَمُونَ} )يوسف: من الآية 21).
وصلَّى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلَّم، والحمد لله رب العالمين.