
رسالة من: محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمدُ للهö ربّö العالمين، والصلاةُ والسلامُ على أشرفö المرسلين، سيدöنا محمدٍ وعلى آلöهö وصحبöهö أجمعينَ، وبعدُ!!
فمَا أكثرَ الجöراحَ المؤلمةَ التي تُصيبُ أمةَ الإسلامö في أعزّö ما تعتزُّ به، وهو دينُها وعقيدتُها ومقدساتُها، فبالأمسö القريبö تجرَّأت تلك الصحيفة الدانمركية على صاحبö الشرفö السامöي والمقامö العالöي خöيرةö خلقö اللهö سيدöنا محمدٍ- صلَّى اللهُ عليهö وسلَّمَ- برسومö الجهلö الشنيعö والحقدö المَقيتö، وما كادَ هذا الجُرحُ تَخöفُّ آلامُهُ وتذهبُ آثارُهُ حتى جاءَ جُرْحñ آخرُ، أعمقُ غَورًا، وأشدُّ ألمًا، بهذا القولö الشائنö من بابا روما "بنديكت السادس عشر"، عنö اللهö تعالَى، وعن رسولö اللهö صلَّى اللهُ عليهö وسلَّمَ.
ولم تكن هذه الأقوال غريبة على مَن يعرفُ ماضي البابا وحاضرَه، فهو ينتمي إلى اليمينö المحافظö، ومöن ثمَّ فهَوَاه مع المحافöظöين الجدُدö في الولاياتö المتحدةö، الذينَ خطَفُوها والذين يعادون الأمة العربية والإسلامية، فهو يقدّöمُ لهم- بمثلö هذه الافتراءاتö- دعمًا سياسيًّا من جهةٍ، وقربانًا روحيًّا من جهةٍ أخرى وجميلاً، يعرفونَه له ويردونه بمزيدٍ من الرعايةö للكنيسةö الكاثوليكيةö الأقلّö عددًا والأضعفö أثرًا هناك، وهو- أيضًا- يسعَى للتقرُّبö إلى اليهودöº استمرارًا لجهودٍ سابقةٍ بذلَها إبَّانَ سلَفöهö الراحلö، وكأنَّه يعتذرُ ضمنيًّا عن جرائمö النازöيّö.
ولا شكَّ أن ما صدَرَ عن البابا لا يستحقُّ ردًّا- أصلاً- لöفَجاجتöهö وتَهَافُتöهö، ومعَ ذلكَ فقدْ أشعلَ نارَ الفتنةö، وفجَّرَ بركانَ الغضبö في أمةö الإسلامö الحيّöةö الغيورةö، ونَسَفَ مساعيَ الحوارö بينَ الثقافاتö والدياناتö، وأكدَ مقولةَ "صراعö الحضاراتö"º مما يُنذöرُ بتداعياتٍ خطيرةٍ وعواقبَ وخيمةٍ على السلم العالمي والتعايش بين الشعوب.
أما أنتö يا أمةَ الإسلامö.. فماذا أغرَى بكö الجُهَّال والحاقدين وجرَّأهم على مقدساتöكö؟!
إنَّهُ هذا الواقعُ المريرُ من الضعفö والتخلُّفö والتمزُّقö، فوجَبَ إذًا على كلّö ذي قلبٍ مكلومٍ وغيظٍ مكتومٍ أن يهُبَّ معبّöرًا عن غضبتöهö في طريقö البناءö الصحيحö والإصلاحö الجادّö والعملö المنتجö الحكيمö، بعيدًا عنö الفَوراتö اللحظيةö والتصرفاتö العشوائيةö.
هذا ما ندعُو إليه أمةَ الإسلامö عمومًا والشبابَ منها خصوصًاº لأنَّ الشبابَ- كما قالَ الإمامُ البنَّا (رحمَهُ اللهُ)- "قديمًا وحديثًا في كلّö أمةٍ عمادُ نهضتöها، وفي كلّö نهضةٍ سرُّ قوتöها، وفي كلّö فكرةٍ حامöلُ رايتöها"º وذلك لما يتمتَّع به الشبابُ من قلبٍ زكيٍّ، وفؤادٍ نقيٍّ، وشعورٍ قويٍّ، وعزمٍ فتيٍّ.
فحاوöلوا يا شبابُ أن ترتَقوا بحالöكم وترتفعوا بمستواكمº لترتفعَ بكُم أمتُكُم، وتستعيدَ عافيتَها وعزَّتَها وكرامتَها ومهابَتَها {وَلöلَّهö الْعöزَّةُ وَلöرَسُولöهö وَلöلْمُؤْمöنöينَ وَلَكöنَّ الْمُنَافöقöينَ لا يَعْلَمُونَ} (المنافقون: من الآية 8)، ولن تتحقَّقَ لكم هذه الرفعةُ يا شبابُ إلا بما أرشدَكُم إليهö ربُّكم {يَرْفَعö اللَّهُ الَّذöينَ آمَنُوا مöنْكُمْ وَالَّذöينَ أُوتُوا الْعöلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بöمَا تَعْمَلُونَ خَبöيرñ} (المجادلة: من الآية 11)، فعليكم بهاتَين الوسيلتَين "العلمö والإيمانö".
أما وسيلةُ العلمö.. فقد واتَتْكم فرصتُها ببدءö العامö الدراسيّö الجديدö، وأنتم تعرفون مكانةَ العلمö في دينöنا، ويكفي أن نتذكَّرَ أنَّ الكلماتö الأولى من الوحيö الخاتمö الخالدö ذكَرت أهمَّ وسيلتَين للتعلم "القراءة والكتابة" وذلك في قولöه تعالى: {اقْرَأْ بöاسْمö رَبّöكَ الَّذöي خَلَقَ* خَلَقَ الإöنْسَانَ مöنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ*الَّذöي عَلَّمَ بöالْقَلَمö} (العلق: 1-4) وجاء هذا الشرطُ للتعلُّم {بöاسْمö رَبّöكَ} ليكون هذا العلمُ موجَّهًا إلى ما فيهö خيرُ البشريةö وصلاحُها ونهضتُها وسلامُها، وانظروا إلى ما فعلَه العلمُ عندَ غيابö هذا الشرطö من ثقافةö غيرöنا، لقد سُخّöر للفسادö في الأرضö والظلمö والفتْكö والتخريبö، وسلُوا عن ذلكَ هيروشيما ونجازاكي وغيرَهما من ضحايا جرائمö الحروبö المجنونةö.
أيها الشباب.. استثْمöروا العامَ الدراسيَّ الجديدَ، فأقبöلوا بشَغَفٍ وهمَّةٍ لتنهلُوا من العلْمö والمعرفةö، واحرöصوا على التفوُّقö لöتنهضَ أمتُنَا من هذهö الكبوةö العöلميةö والتقنيةö والحضاريةö، ووازöنُوا بدقَّةٍ بينَ واجباتö دراسَتöكُم وواجباتö دينöكُم ودعوتöكُم وأمتöكُم، فلا إفراطَ ولا تفريطَ، وتعاوَنوا فيما بينَكم على البرّö والتقْوَى، واجعَلوا أعمالَكم وأحوالَكم تتحدثُ عنكم، وتحبّöبُ الناسَ في فكرتöكم ومنهجöكم، فعامöلوا أساتذتَكم بالاحترامö والتوقيرö، وزملاءَكم بالحسنى والمعروفö، وإخوانَكم بما تقتضيه الأُخوَّةُ الصادقةُ فيما بينكم، واشغَلوا أوقاتَكم دائمًا بكل خيرٍ، ولا تضيّöعوا لحظةً بغيرö استفادةٍ.
وأما وسيلةُ الإيمانö.. فقد جاءَ موسöمُها كذلك حينَ أظلَّنا شهرُ رمضانَ المعظَمُ بغمامö رحمتöهöº ليجدّöدَ نفوسَنا لنصوغَها صياغةً جديدةً تحقّöق فينا سنةَ ربّöنا الماضيةَ {إöنَّ اللَّهَ لا يُغَيّöرُ مَا بöقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّöرُوا مَا بöأَنْفُسöهöمْ} (الرعد: من الآية 11).
إن رمضانَ فرصةñ لإذكاءö جذوةö الإيمانö وتقويةö الصلةö باللهö وجنْيö ثمرةö التقوَى المبتغاةö من تشريعö الصيامö {يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا كُتöبَ عَلَيْكُمُ الصّöيَامُ كَمَا كُتöبَ عَلَى الَّذöينَ مöنْ قَبْلöكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183)، فاستكثöروا مما يحملُه هذا الضيفُ الكريمُ من هدايا "الصيامö، والصلاةö، والقيامö، والقرآنö، والذكرö، والدعاءö، والاعتكافö، والبذلö.. إلخ).
وهو فرصةñ لتقويةö الإرادةö، ولöمَ لا والصائمُ يمتنعُ طائعًا مختارًا عن المباحاتö الطيباتö التي لا غöنَى له- في الأصل- عنها، ومöن ثَم يتربَّى على الاستعلاءö على مطالبö النفسö وشهواتöها، فتقوَى بذلكَ إرادتُه وتُشحذّ عزيمتُه.
وهو فرصةñ لتهذيبö الخلُقº فإنَّ الصائمَ الصادقَ يحرöصُ أشدَّ الحöرصö على كفّö سائرö جوارحöه عن مخالفاتöهاº حتَّى يصحَّ صومُه ويتمَّ أجرُهº امتثالاً لقولöه- صلى الله عليه وسلم-: "من لم يدَع قولَ الزورö والعملَ به فليسَ للهö حاجةñ في أن يدعَ طعامَه وشرابَه" وقولöه- صلى الله عليه وسلم-: ".. فإذا كان يومُ صومö أحدöكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، فإن شاتمه أحدñ أو قاتلَه فليقل إني صائم إني صائم..".
وهو فرصةñ لتوطيدö الأواصرö بين المسلمين، ففي الصيامö يجرّöبُ الغنيُّ شعورَ الحرمانö الذي يقاسيْه غيرُه طوالَ العامö، فيرقُّ قلبًا ويفيضُ رحمةً ويبادرُ بمساعدةö المحتاجö وإغاثةö الملهوفö فتتوطَّد بذلك أواصرُ المحبَّةö والأخوَّةö بين أبناءö المجتمعö المسلم.
وهو فرصةñ لتحقيقö متطلباتö المواجهةö ومقوّöماتö النصرö التي أشارَ إليها ربُّنا عزَّ وجلَّ في قولöه: {يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا إöذَا لَقöيتُمْ فöئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثöيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلöحُونَ* وَأَطöيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رöيحُكُمْ وَاصْبöرُوا إöنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابöرöينَ} (الأنفال: 45- 46) ولا شكَّ أن رمضانَ يحقّöقُ هذه المتطلباتö المذكورةَ جميعَها، ومن ثم كانَ في رمضانَ أيامُ الإسلامö المجيدةُ وذكرياتُه السعيدةُ، من بدْر، وفتح مكة، وحطين، وعين جالوت، وغيرöها وغيرöها من سائرö الفتوحاتö والانتصاراتö.
فإلى العملö إلى العملö.. أيها المسلمون وأيها الشبابُ {وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتöرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} (محمد: من الآية 35).
واللهُ أكبرُ وللهö الحمدُ.. وآخرُ دعوانا أنö الحمدُ للهö ربّö العالمينَ.
القاهرة في: 28 من شعبان 2006م= الموافق 21 من سبتمبر 2006م