
رسالة من محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمدُ لله ربّö العالمين، والصلاةُ والسلامُ على أشرفö المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد..
فإنَّ آفةَ الاستبدادö هي من أعظم الآفاتö التي تُبتلى بها المجتمعات الإنسانية عمومًا، والشعوب العربية والإسلامية خصوصًا، وهي المسئولة عن تدهور هذه المجتمعات، بل إنَّ الكثيرَ من الأزماتö والمشكلاتö والكوارث، إنما تعود إلى سيطرة الرأي الواحد والفكر الواحد والحزب الواحد، والتعامل بالمنطق الفرعوني السقيم: {مَا أُرöيكُمْ إöلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدöيكُمْ إöلاَّ سَبöيلَ الرَّشَادö} (غافر: من الآية 29).
إن الاستبدادَ قرينُ الفسادö والقهرö والاستغلال، وهو نöتاجُ التخلُّفö البشري بكل مظاهرöهö، وسببñ مباشرñ من أسباب هذا التخلف.. إنه يدمر طاقات الشعوب ويقتل مواهب العلم والفكر، ويخرب الاقتصاد والحضارة، ويعمق الإحباط واليأس في نفوس الناس، ويجعل الأمل في النهوض مستحيلاً، ومن هنا تنهار الحضارات، وتفقد الأمم ريادتها وتصبح الشعوب لقمةً سائغةً في أيدي أعدائها.
إن الحقائقَ التاريخيةَ تؤكد لنا بوضوحٍ لا يقبل الشك، أن المجتمعاتö البشريةَ تتقدَّم بقدرö اعتمادöها الحريةö والشورى والديمقراطية سبيلاً للنهوض، وأساسًا للحركةö والعمل، ورؤيةً واضحةً للمستقبل، وواهöمñ مَن يتصوَّر أن الحياةَ الكريمةَ يمكن أن تنشأ في مجتمعٍ لا حريةَ فيه، وواهöمñ أيضًا مَن يتصوَّر أن النهضةَ والتقدُّم والرقي يمكن أن تكون صفةً لمجتمعٍ يئنُّ تحت سطوةö الاستبدادö والقهرö والطغيان، فلا تقدُّمَ بغيرö حرية، ولا نهوضَ بغيرö شورى ومشاركة، ولا مستقبلَ كريمًا بغير إطلاق الطاقات الكامنة لدى الشعوب واحترام الرأي الآخر.
الشورى حق المجتمع
والقرآن الكريم يؤكد لنا أنَّ الشورى حقّñ من حقوقö المجتمعö البشري، ومَعْلَمñ من معالمö نظامه الحياتي عمومًا، والسياسي على وجه الخصوص، والله- عزَّ وجلَّ- يأمر رسوله- صلى الله عليه وسلم-، وهو القائد الأعلى للأمة ورسولها ومعلمها الذي يتلقَّى الوحي من ربّöه أن يتشاور معها، بقوله عز وجل: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفöرْ لَهُمْ وَشَاوöرْهُمْ فöي الأَمْرö} (آل عمران: من الآية 159)، ويمتدح سبحانه موقف المؤمنين بقول {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (الشورى: من الآية 38).
والإمام الشهيد حسن البنا- مؤسس هذه الدعوة المباركة- يقرر أنَّ من حقّö الأمةö الإسلاميةö أن تُراقب الحاكمَ أدقَّ مراقبة، وأن تُشير عليه بما ترى فيه الخير، وعليه أن يشاورها وأن يحترمَ إرادتها، وأن يأخذَ بالصالحö من آرائها، ويقول: "إن النظامَ الإسلامي لا يعنيه الأشكال ولا الأسماء متى تحققت هذه القواعد الأساسية، التي لا يكون الحاكمُ صالحًا بدونها، ومتى طُبّöقت تطبيقًا يحفظ هذا التوازن بينها، فالحاكم مسئولñ بين يدي الله وبين الناس، وهو أجيرñ لهم وعامل لديهم".
إن المتأملَ فيما يجري على الساحةö العالميةö من أحداث، يُدرك أن الاستبدادَ السياسي هو الذي يدفع العالمَ الآن إلى حافةö الهاوية، ويجر البشريةَ بأسرها إلى أتون الصراعاتö والأزمات، ولا شكَّ في أن الحروبَ التي شنَّتها الولاياتُ المتحدة- ولا تزال- ضد شعوبٍ وأممٍ مسالمة، إنما هي صورةñ واقعيةñ مؤلمةñ لسلطانö الاستبدادö والقهرö والطغيانö الذي تُمارسه الإدارةُ الأمريكية، ولو كانت هناك حرياتñ وديمقراطيةñ حقيقيةñ واحترامñ لإرادةö الشعوب لتوقَّفت هذه الحروبُ المدمرة، التي تزهق أرواحَ الأبرياء يوميًّا وتُدمّöر الحياةَ الإنسانيةَ وتغرس الحقدَ والغلَّ والخوفَ في المجتمعö البشري عامة، فالشعوب قامت بمظاهراتٍ في كلّö مكانٍ من أجلö التصدي لقرارö الحربö على العراق وعلى أفغانستان، وطالبت بوقفö الحربö دون أن تجدَ لدى الإدارةö الأمريكيةö وحلفائها أي استجابةٍ، وهذا هو الاستبدادُ الحقيقي.
الاستبداد عانى منه الجميع..
ولا شك أننا عانينا في بلادنا الكثيرَ والكثيرَ من جرَّاء الاستبدادö والقهرö والطغيان، الذي طال علماء وفقهاء ومفكرين ودعاةً ومثقفين وكُتَّابًا وأصحابَ رأي وقادةً من مختلف المهنö والتخصصات، وعانى منه الجميع، الذين وجدوا أنفسَهُم يواجهون استبدادًا تُمارسه السلطةُ، مستخدمةً كلَّ إمكاناتö الدولةö في قهرö المجتمع، ويكفي أن نُشير إلى أن سجون مصر امتلأت عن آخرها بما يقرب من ثلاثين ألفًا من الإخوان المسلمين في ليلةٍ واحدةٍ في ستينيات القرن الماضي، أمر الحاكمُ الفردُ المستبدُّ بالقبضö عليهم والزجّö بهم في المعتقلات، وهم مَن هم علمًا وخلقًا ودينًا وتفانيًا في خدمةö الوطنö والأمة، ولو كانت لدينا في ذلك الوقت مؤسساتñ حقيقيةñ تمارس الديمقراطية، لما سكتت على هذا العدوان على الحرياتö الأساسية، وانتهاك حقوقö المواطنين المسالمين، ولو كانت لدينا مؤسساتñ ديمقراطيةñ حقيقيةñ، لما سكتت الآن عن إحالةö المدنيين إلى المحاكم العسكرية لأسبابٍ سياسيةٍ بحتة، ولمارست الضغوط على الحاكمö من أجلö احترامö القانونö والدستور، واحترام حريةö المواطنين الذين لم يرتكبوا أيَّ جريمةٍ!
إننا على يقينٍ من أنَّ أحوالنا لن تتحسن، ولن تقوى أمتنا على النهوض، وسيفُ الاستبدادö السياسي فيها يصد كلَّ موجاتö التقدُّم والرقي، ويزرع اليأسَ والخرابَ في النفوس، وينشر الإحباطَ واللامبالاة في العقول والقلوب.. يجب أن يشعر المواطن بأنَّ له قيمةً حقيقيةً، وأنَّ له رأيًا مسموعًا في قضايا وطنه ومشكلات أمته.. يجب أن يشعر المواطن بدوره في مستقبل بلده، ومسئوليته عن تقدُّمه وازدهاره، واحترام اختياراته واجتهاداته.
إن الاستبدادَ يقوى عندما تتخلَّى الشعوبُ عن حقّöها في الحريةö والديمقراطية، وعندما تُقصّöر في الدفاعö عن كرامتها وإرادتها، وعندما تستسلم لتزويرö ثوابتها واختياراتها الحرة، وعندما تشيع في حركتها مواكب النفاق والاسترزاق، وعندما يتقدَّم أهلُ الثقةö على أهلö الخبرةö والكفاءة، وعندما ينتشر الفسادُ والإفساد، هنا يجد المستبدُ فرصتَه في ممارسةö القهرö والطغيان، فتذوق الشعوبُ المرارةَ والمذلةَ والهوان.
مسئولية الأمة كلها..
ومحاربة الاستبداد والتصدي له هو مسئوليةُ الأمةö كلّöها، وفي الطليعة منها أصحاب الفكر والعقل، وأصحاب الرأي والسياسة، وأصحاب الهدف والرسالة، ولكلٍّ دوره ومسئوليته، ولكلٍّ جهده وجهاده، وخصوصًا مؤسسات المجتمع المدني، من نقاباتٍ وجمعياتٍ ومراكزَ ومؤسساتٍ وهيئاتٍ، وهي مطالبة ببذل الجهدö الحقيقي لمواجهةö الاستبدادö السياسي والضغطö من أجلö الإصلاحö الشامل، والعمل من أجلö نشرö ثقافةö الحريةö والشورى والديمقراطية، فهذا دورُها الأصيل، وواجبها الذي لا يمكن التقليل من أهميته.
إن الإخفاقَ في مواجهةö الاستبدادö، لا يبرر القعودَ عن التصدي له، ولا يسوغ الركون إلى الانهزام والضعف، بل علينا أن نصمد ونصبر ونقاوم بالكلمة واللسان والفصاحة والبيان والحركة الراشدة، في المجتمع وإعلاء ثقافة الحرية ونهج الشورى وسلوك الديمقراطية في كلّö مناحي الحياة، أملاً في مستقبلٍ مشرقٍ بإذن الله.
تحيةً لأولئك الرجالö الصامدين في وجهö الاستبدادö والتسلط والطغيان، المقاومين للعدوان على حقّö الشعوبö في حياةٍ حرةٍ كريمة، المتحملين للأذى والاضطهاد في سبيلö مستقبلö وطنهم وأمتهم، وتحيةً لأولئك الذين يدفعون ثمنَ حريةö أوطانهم من دمائهم وعرقهم وحريتهم، وتحيةً لأولئك المجاهدين الصامدين خلف الأسوارº دفاعًا عن كرامةö أوطانهم، وحرية شعوبهم ومستقبل أمتهم، فلهم الأجر من الله، والاحترام والتقدير من الأمة بأسرها.
مستقبل مشرق..
إننا نتطلع إلى مستقبلٍ مشرق، يشارك في صنعه كل أبناءö الوطن، لا يُستبَّعد منه أحد، ولا يُقصَّى عنه فريق، ولا ينفرد به تيارñ أو سلطة، ولا تقدَّم بغير حرية، ولا ازدهارَ بغير ديمقراطية، ولا إبداعَ بغير شورى، ولا صمودَ في وجه التحدياتö بغير إحساسٍ بالانتماء.
وسوف نواصل طريقنا، ونسير في دربنا الذي اخترناه، درب الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والاستفادة من كلّö وسائلö العمل السياسي السلمي لمواجهة الاستبدادö السياسي، ومناهضة الديكتاتوريةö والتسلط، ورفض الإقصاءö والتهميش لكلّö قوى الوطن الفاعلة، فالمستقبل ملكñ للجميع، ورسمه مسئوليةُ الجميع أيضًا، {وَاللَّهُ غَالöبñ عَلَى أَمْرöهö وَلَكöنَّ أَكْثَرَ النَّاسö لا يَعْلَمُونَ} (يوسف: من الآية 21).
والحمدُ لله أولاً وأخيرًا.. وصلّö اللهم على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.
القاهرة في: 10 من شعبان 1428هِ الموافق 23 من أغسطس 2007م