رسالة من محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد..
تظل نفحات شهر رمضان وبركاته تفوح على الأمة الإسلامية كل عام، حاملةً في طياتها الكثير من المعاني والواجبات العملية لنهوض الأمة وتطورها على كل المستويات، ليرسم لنا شهر الصوم مشروعًا إصلاحيًّا للفرد والأمة، ويبقى الواجب علينا أن نتعرض لهذه النفحاتº عسى الله أن يهدينا إليها ويعيننا على حسن استثمارها.
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "افعلوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات رحمة اللهº فإن لله نفحاتٍ من رحمته، يصيب بها من يشاء من عباده، وسلوا الله أن يستر عوراتكم وأن يؤمن روعاتكم".
وإن من نفحات الله المباركة علينا شهر رمضان المباركº الذي يُعد مدرسةً للأمة للتقربö إلى ربها، وتنقيةö نفوسها، ومراجعةö أهدافها وخطواتها، واغتنامُ هذه الفرصة الثمينة والهدية الربانية خيرُ زاد للسائرين على طريق الدعوة إلى الله.
إننا بحاجة ماسَّة إلى ما يمكن تسميته "فقه تغيير النفوس في رمضان"º لنستطيع أن نستثمر هذه النفحات الربانية لننطلق نحو آفاقٍ أسمى في واقع حياتنا، مغتنمين هذه النفحات المباركة في هذا الشهر الفضيل لتوجيه أنفسنا نحو الأفضل وعلاج ما بها من أسقام وعللº فتزكو بروح الإيمان، وتسمو بفيض القرآن.
ومن المعلوم أن باعث التغيير في أساسه داخليّñ، يُشرöبُ النفس الإنسانية ثقافةً وسلوكًا، حتى يصبح مهيمنًا على شئونها، ضابطًا لتصرفاتها، حاكمًا لكل تصوراتها، وهذا يتطلَّب منا الكثير من الجهد الدءوب (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس: 9، 10)º لأن المعركة الحقيقية إنما هي مع النفس قبل أن تكون مع الأعداء، وصدق الإمام البنا: "ميدانكم الأول أنفسكمº فإن انتصرتم عليها كنتم على غيرها أقدر، وإن أخفقتم في علاجها كنتم أمام غيرها أعجز"º لذا كان لزامًا العمل على إصلاحها وتزكيتها وتطهيرها.
ولقد يسَّر الله سبحانه وتعالى لنا سبل تغيير النفس في رمضانº فجعل منه نقطة انطلاق وتغيير قوية وفاصلة لتصحيح أوضاعنا كلهاº فأبواب الخير مفتحة، ونوافذ الشر موصدة "إذا جاء رمضان، فُتّöحت أبواب الجنَّة، وغلّöقَت أبوابُ النار، وصفّöدَت الشياطين، ونادى منادٍ: يا باغöي الخير أقبل، ويا باغي الشر أَقصöر" (رواه الخمسة إلا أبا داود)، وفيه دعوةñ واضحةñ لأولي الألباب لاغتنام هذا الشهر الفضيل بعدما يسَّر الله سبحانه وتعالى لنا كلَّ السبلº بفتح أبواب الجنان وغلق أبواب النار وتصفيد الشياطين.
ولكي يؤتي "فقه تغيير النفوس" ثماره لا بد من أن تتوفَّر لدينا شروط التغيير، ومنها الرغبة الحقيقية في التغيير، ومعرفة كيفية التغيير، وأن يكون التغيير عملاً لا قولاً، وإدراك أن التغيير لا يأتي من الخارج بل يأتي من الداخل (إöنَّ اللَّهَ لا يُغَيّöرُ مَا بöقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّöرُوا مَا بöأَنْفُسöهöمْ) (الرعد: من الآية 11)، ثم العزيمة الصادقة على القيام بهذا التغيير.
إن تغيير النفوس للأفضل ليس أمنيةً مجردةً، بل هو حركة على أرض الواقع، يبدأ بتخلية النفس عن النقائص وتحليتها بكل ما يطهّöرها مما يُرَى أثره في أقوالنا وأخلاقنا ومعاملاتنا ومع أهلينا وجيراننا والناس من حولنا، لتتحول نفوسُنا في رمضان وبعده إلى نفوس قرآنية تستقي من القرآن زادها.. ربانيةº لا تبتغي من وراء إصلاحها إلا وجه الله.
ومما يعين على ذلكº أن نتحلى بإرادة صلبة، وعزيمة قوية، ونبدأ ونحن مفعمون بالتفاؤل، ولنجاهد أنفسنا في بناء ذواتنا، فرمضان فرصة عظيمة لنرمّöم ذواتنا، ونشذّöب السلوكيات الذميمة في حياتنا، ونخرج من التمحور حول الذات إلى بناء علاقات إيجابية مع الآخرين.
إن أولى خطوات التغيير الحقيقي في هذا الشهر الكريم ينبغي أن ترتكز على الإخلاص التام لله والحياء منه وخشيته ومحاسبة النفسº ليكون ذلك دافعًا لنا طوال حياتنا بإذن الله، كما علينا أن نتوب توبةً صادقةً نصوحًاº فإنها واجبة في كل وقت وحين، وهي في هذه الأيام الفضيلة أوجب، ولنحرص على الإكثار من العبادة في هذا الشهر، وخاصةً قيام الليل والتهجد وقراءة القرآن وتدبره ومعايشته وتطبيقه في ذات النفس وواقع الحياة وذكر الله واستغفاره والدعاء والابتهال إليه، ولنحذر من الملهيات من حولنا حتى لا يضيع وقتنا، ولا ننسى الإكثار من التصدق والعطف على اليتامى والمساكين وإفطار الصائمين.
ولا يمكننا أن نغفل الاستفادة من الإنجازات التغييرية التي يرسّöخها رمضان في النفوسº كالتعود على اتخاذ القرار، والثبات عليه، والتركيز على الإنجاز العملي، وكسر الإلف في العادات والأفعال، وحسن تنظيم الوقت، وحسن توظيف هذه الإنجازات في حركتنا كلها.
كما علينا ألا ننسى قضيتنا الأساسية والمحورية "القضية الفلسطينية"، وأن نجعل من رمضان نقطة لتغيير المواقف السلبية منها، وأن ندعم المقاومين المخلصين في نضالهم بكل الوسائل المتاحة من تحرّöي الدعاء لهم بالنصر في أوقات الإجابة، والتبرع، والمقاطعة، وتبني مواقفهم، ونشر قضيتهم في جميع الدوائر المحيطة.
إن الإخوان المسلمين ليدعون الأمة إلى أن تستثمر هذا الشهر الكريم وهذه الفيوضات الإلهية لتقف صفًّا واحدًا في مواجهة التحديات التي تواجهها وتهدّöد هويتها العقائدية والثقافيةº انطلاقًا من استلهام عبر ودروس هذا الشهر العظيم، ولتعمل على زيادة المنجز التغييري لها على كل الأصعدة.
كما يدعون الحكام أن يتقرَّبوا إلى الله أكثر في هذا الشهر، وأن يغيّöروا ما بأنفسهم، ويتقوا الله في أنفسهم وشعوبهم، ويغيّöروا من توجههم وأفعالهم لتتسق مع المعاني السامية لهذا الشهر الكريم، ويقتدوا بأسلاف الأمة من الحكام العدول الذين قادوا الأمة إلى الانتصارات العظيمة الخالدة، كما يلزمهم أن يُعيدوا المظالم لأصحابها، ويتقوا دعوة المظلوم في هذه الأيام ويعيشوا المعاني الحقيقية لرمضان قولاً وفعلاً.
خلاصة القول
إن التغيير المنشود في رمضان تغيير عميق شاملº يبدأ من الفرد في نفسه: بالتوبة والمراقبة والإخلاص والمحاسبة والمسارعة إلى الخيرات، وفي بيته: بالقدوة والتوجيه وحسن التربية حتى يصير بيته قبلة بين البيوت (وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قöبْلَةً)، ومرورًا بمجتمعه: بالمشاركة في فعل الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونهايةً بأمته: بالاهتمام بأخبارها، والتعرف على حال الإسلام والمسلمين وتقديم يد العون لمن يحتاج، كما يمتد ليشمل كل ذلك فكرًاº فتصير الفكرة إسلامية صميمة، وسلوكًاº فتصير الأخلاق أخلاقًا محمدية، وتطبيقًا فتصير النظرية واقعًا معيشًا.
وكلمة للأحبة خلف الأسوار
استثمروا خلوتكم مع الله، وأكثروا من الصلاة والقيام والتهجد وتلاوة القرآن وتدبُّره وحفظه، وأكثروا من الذكر والدعاء، ولتكن هذه الخلوة نقطة تحوّöل في علاقتكم مع ربكم لتثرöي عملكم ودعوتكم بعدما يفك الله أسركم سالمين غانمين بإذن الله.
ومن رمضان استلهموا معنى الأمل بعد اليأس، والفرج بعد الضيق، واليسر بعد العسر، واستشعروا فرحتكم يوم تلقوا ربكم فيأجركم ويأخذ لكم ممن ظلمكم ويومئذ يفرح المظلومون.
وكلمة للإخوان..
اجعلوا من رمضان نقطة تغيير وتحوُّل في حياتكم، واغتنموا فضائل هذا الشهر، وحسّöنوا علاقتَكم بربكم تُفتح لكم القلوب المغلقة، وعمّöقوا أخوَّتكم، وكونوا كالبنيان المرصوص، وكونوا كما يُحب ربكم ويرضى، واعملوا جاهدين على زيادة رصيدكم القيمي والرسالي في هذه الأوقات الفاضلة.
واعلموا أن المسجد هو المحضن الأساسي لصياغة الشخصية المسلمة، وأكثروا من الخطى إليه تقربًا وطاعةً لله، وحقّöقوا في أنفسكم صفات المؤمنين كما وردت في القرآن الكريم، وكذا صفات عباد الرحمن كما وردت في قوله تعالى (وَعöبَادُ الرَّحْمَنö الَّذöينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضö هَوْنًا وَإöذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهöلُونَ قَالُوا سَلامًا (63) وَالَّذöينَ يَبöيتُونَ لöرَبّöهöمْ سُجَّدًا وَقöيَامًا (64) وَالَّذöينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرöفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إöنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65)... (الفرقان) (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقöينَ) (البقرة: من الآية 194).
ولا يغöب عن بالكم أن رمضان راحلñ كما رحل من قبل، وليس ثمة شك في ذلك، وإنما الشك في بقائنا للتنعم به بعد ذلك، فعلينا أن نستغلَّه قبل أن يرحل، ونكتسب منه هذا العام صورةً من صور تغيير الأنفس لما يحب ربنا ويرضى.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.. والله أكبر ولله الحمد.