رسالة من محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمد لله رب العالمينº رب كل شيء وهداه، والصلاة والسلام على سيد الدعاة وإمام الأنبياء وسيد المرسلينº سيدنا محمد بن عبد الله.. وبعد..
في ظل ما يواجه الإسلام من تحديات في شتى المجالات وعلى جميع المستويات، وما يعتري العالم من تحولات كبرى ستؤثر- بلا شك- على الدعوة والدعاةº يظهر سؤال منطقي: ما الحل وما الملجأ لنحافظ على ثوابتنا ونحقق مستهدفاتنا بدون وقوع تأثير سلبي على الدعوة أو الداعية؟
في الحقيقة أنه عندما تشتد الخطوب تتجلَّى في الأفق طاقةñ من نور الإسلام، تدعو وتذكر الناس بأنه {لا مَلْجَأَ مöنْ اللَّهö إöلاَّ إöلَيْه} (التوبة: من الآية 118)، ولا نجاة إلا باتباع هداه {فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضöلُّ وَلا يَشْقَى} (طه: من الآية 123)، وإننا لنجد في هذه الأحداث والتحديات فرصةً عظيمةً للتحلي بالربانيةº بكل معانيها ووسائلها وصورها.. خلقًا وسلوكًا وواقعًا ملموسًا.
لقد كان الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله في غاية الوضوحº عندما بيَّن حقيقةَ دعوة الإخوان المسلمين وسموَّ هدفها وغايتها ووسائلها، وأنها دعوة ربانية، وهذا ما نريد أن نؤكده ونرسّöخه في نفوسناº بحيث لا تُنسينا الدنيا- بهمومها وأوهامها- حقيقةَ دعوتنا وطبيعة رسالتنا: "أخص خصائص دعوتنا أنها ربانية عالمية: أما أنها ربانية فلأن الأساس الذي تدور عليه أهدافنا جميعًا أن يتعرف الناس إلى ربهم، وأن يستمدوا من فيض هذه الصلة روحانيةً كريمةً تسمو بأنفسهم عن جمود المادة الصمَّاء وجحودها إلى طهر الإنسانية الفاضلة وجمالها نحن الإخوان المسلمين لنهتف من كل قلوبنا: "الله غايتنا"º فأول أهداف هذه الدعوة أن يتذكر الناس من جديد هذه الصلة التي تربطهم بالله تبارك وتعالى والتي نسوها فأنساهم الله أنفسهم {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذöي خَلَقَكُمْ وَالَّذöينَ مöنْ قَبْلöكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21){ (البقرة:21)، وهذا في الحقيقة هو المفتاح الأول لمغاليق المشكلات الإنسانية التي أوصدها الجمود والمادية في وجوه البشر جميعًا، فلم يستطيعوا إلى حلّöها سبيلاً، وبغير هذا المفتاح فلا إصلاح" (رسالة دعوتنا في طور جديد).
من هنا كان عليكم أيها الإخوان المسلمون- وأنتم طليعة هذه الأمة وحاملو لواء دعوتها- التحلي بالربانية والتخلُّق بها، وتحقيقها في أنفسكمº لتحققوا صفات العبد الرباني، الذي يتعلم أمر الله ونهيَه، ويعرف شرع الله ووحيَه، فيطبقَه في ذات نفسه، ويدعو غيرَه إليه، ويقوم بعملية الإصلاح في حياة الناسº لما فيه خير الناس في عاجلهم وآجلهم، وهكذا يجب أن يكون الفرد من الإخوان المسلمين.. {وَلَكöنْ كُونُوا رَبَّانöيّöينَ} (آل عمران: من الآية 79).
إذا أردنا أن نصل إلى الربانية التي نطمح إليها فلنحققها في ذواتنا أولاًº مستشعرين قول الله تعالى: {قُلْ إöنَّ صَلاتöي وَنُسُكöي وَمَحْيَاي وَمَمَاتöي لöلَّهö رَبّö الْعَالَمöينَ (162)} (الأنعام)، وقوله: {إöنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذöينَ اتَّقَوْا وَالَّذöينَ هُمْ مُحْسöنُونَ (128)} (النحل)، وفي بيوتنا.. {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قöبْلَةً وَأَقöيمُوا الصَّلاةَ وَبَشّöرْ الْمُؤْمöنöينَ} (يونس: من الآية 87)، وفي مجتمعنا بتحقيق الخلق الفاضل الذي ينهض بالأمة إلى الخيرية التي رسمها لها ربها {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرöجَتْ لöلنَّاسö تَأْمُرُونَ بöالْمَعْرُوفö وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرö وَتُؤْمöنُونَ بöاللَّهö} (آل عمران: من الآية 110).
فالربانية هي الانتساب للرب، وهذا الانتساب لا يتحقق إلا بأن نكون لله رب العالمين في كل أحوالناº فالربانية لا تتأتَّى مكتملةً إلا بهذاº بعبادة الله عز وجل بالمفهوم الشامل للعبادة، وهو جعل الحياة والممات والحركات والسكنات له سبحانهº فلا ننطق إلا بما يُرضي الله، ولا نعمل إلا ما يرضاه الله، ولا تتوجه نياتنا في تلك الأقوال والأفعال إلا لله.
الربانية أولاً
أيها الإخوان المسلمون
ينبغي أن تكون الربانية في قمة أولوياتكم، وأن تعملوا جاهدين على تحقيقها بكل ما أوتيتم من قوة وجهد، فحقّöقوا صفات أولياء الله يكلأْكم بكنفه ويشملْكم بحفظه {فَاللَّهُ خَيْرñ حَافöظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحöمöينَ} (يوسف: من الآية 64) ولا يجعل للشيطان عليكم سبيلاً {إöنَّ عöبَادöي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهöمْ سُلْطَانñ} (الإسراء: من الآية 65) هذا ما نريده وما نسعى إليه، وهو واجب كل فرد على حدته في إطار مسئوليته الفردية ليبذل أقصى جهده في تحقيق موجبات الربانية والعبودية.
واجبات
أيها الإخوان المسلمون
عليكم بإحياء الإيمان داخل نفوسكم.. فالإيمان هو المؤدي لكل ما ينشده الفرد في الدنيا والآخرة، ووسائل تجديد الإيمان وتمكينه في النفس كثيرةñ ومتعدّöدة، وأهمها إحسان الصلة باللهº بإقامة الفرائض، والإكثار من الطاعات والأعمال الصالحةº فأقبلوا على الله إقبالاً صادقًا كما جاء في الأثر: "إذا أقبل عليَّ عبدي بقلبه وقالبه أقبلت عليه بقلوب عبادي مودَّةً ورحمة".
واجعلوا اللهَ عزَّ وجلَّ الغاية الأسمى والهدفَ الأعلى لكم، واجعلوه حاضرًا في قلوبكم وأمامكم في كل أعمالكم، وأخلöصوا التوجه له، وأدرöكوا حقيقة ما خلقكم الله من أجله..{وَمَا خَلَقْتُ الْجöنَّ وَالإöنسَ إöلاَّ لöيَعْبُدُونö (56){ (الذاريات)، وحقّöقوا في أنفسكم معنى شعارنا الدائم "الله غايتنا"، وحوّöلوه إلى واقع ملموس.
وعليكم التطلَّع الدائم إلى الدرجات العلا، وأن تجعلوا هدفكم في الحياة هو إرضاء الله عزَّ وجل، والعمل من أجل الفوز بالفردوس الأعلى، وأن تعملوا جاهدين على تحقيق هذه الأهداف السامية لتنالوا رضا الله، واغتنموا كلَّ دقيقةٍ وكلَّ لحظةٍ وكلَّ خلجة قلبٍ، واجعلوها زيادةً في رصيدكم الإيماني {لöلْفُقَرَاءö الْمُهَاجöرöينَ الَّذöينَ أُخْرöجُوا مöنْ دöيارöهöمْ وَأَمْوَالöهöمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مöنْ اللَّهö وَرöضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئöكَ هُمْ الصَّادöقُونَ (8){ (الحشر).
وحقّöقوا الأخوَّة بينكم وطبّöقوها عمليًّا، بدءًا من سلامة الصدر وحتى الإيثار {وَالَّذöينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإöيمَانَ مöنْ قَبْلöهöمْ يُحöبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إöلَيْهöمْ وَلا يَجöدُونَ فöي صُدُورöهöمْ حَاجَةً مöمَّا أُوتُوا وَيُؤْثöرُونَ عَلَى أَنْفُسöهöمْ وَلَوْ كَانَ بöهöمْ خَصَاصَةñ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسöهö فَأُوْلَئöكَ هُمْ الْمُفْلöحُونَ (9){ (الحشر)، فنحن نريد الأخوَّة الحقيقية التي تعين على الطاعة والقرب من الله، وتثري العمل وتدفعه للأمام.
إن الربانية هي مُدَد الحياة الإيمانية، فحافظوا على صلاة الجماعة والصف الأول، وخاصةً الفجر، واقرءوا القرآن، واستمعوا إليه، وتدبَّروه، وقوموا بمعانيه، واعلموا أنه لا سير إلى الله بدون قيام الليل فإنه شرف المؤمن وزاده الحقيقي على تحمُّل تبعات الدعوة ومشقاتها فهو وقود الدعوة، واجتهدوا في الدعاء وقت السحَر واغتنام هذه الأوقات الفاضلة، واعلموا أن قيام الليل هو أفضل معين على تحمُّل أعباء النهار {إöنَّ نَاشöئَةَ اللَّيْلö هöيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قöيلاً (6){ (المزمل)، واشغلوا أوقاتكم بالذكر والتفكر والصيام ونوافل الخير والطاعات، واعملوا جاهدين على التخلص من كل جواذب الأرض التي تعطّöلكم عن أداء رسالتكم، وصلوا أرحامكم، وكونوا بارّöين بأهليكم وذويكم، وأطيعوا الله فيهم، وأعطوا من أنفسكم القدوة الصالحة لدعوتكم ولدينكم، وكونوا لهم بمثابة الواحة التي بها يأنسون.
أيها الإخوان المسلمون.. أيها الناس أجمعون
إن الربانية هي إصلاحñ للنفس والمجتمع، فالربانيون استحفظوا كتاب الله، فهم المسئولون أمام الله عن حفظ الشريعة وعن نقلها وتعليمها لعباد الله {بöمَا اسْتُحْفöظُوا مöنْ كöتَابö اللَّهö وَكَانُوا عَلَيْهö شُهَدَاءَ} (المائدة: من الآية 44)، فالرباني يشعر أن الله سيسأله عن الشريعة كلها، وعن هذه البشرية جمعاءº لأنه طلب منه أن يحفظ وَحْيَهُ، وحöفْظُ الوحي لا يكون بمجرد حفظه في الأذهان والقلوب، لكنَّ الحفظَ الحقيقي يكون بحملöه رسالةً وحفظöه أمانةً والعملö بما فيه، ومن هنا كان علينا جميعًا التحلي بالربانية للنجاة بأنفسنا ونصرة ديننا وعودة مجد أمتنا التليد.
وعلينا الحذر من التصورات الخاطئة والهدَّامة، التي تتسلَّل إلى نفوس البعضº بأن كثرة المشاغل والأعباء الدعوية والدنيوية تتعارض مع الربانية والروحية وتؤثر فيهما سلبًا، والعكس هو الصحيح تمامًاº فهذه الأعمال تزكي الروح وترفع الجانب الإيماني وتُعين على حسن العبادة لله وإنجاز ما يوكل إلينا من أعمال ونحقق ما نستهدف من خطط وبرامج.
وعلينا أن ندرك أنه لن يتحقق أو ينجز أي هدف أو خطة أو عمل بدون إخلاص التوجه لله وجعل العمل كله له سبحانه.
إن أولى خطوات نجاة العالم كله مما يداهمهº تكمن في عودتنا للربانية الجادة والحقيقية، والعمل الجاد لنصرة الإسلام ورفعة شأنه، ومن هنا وجب على كل الغيورين والمخلصين للإسلام العجلة والفرار إلى الله }فَفöرُّوا إöلَى اللَّهö إöنّöي لَكُمْ مöنْهُ نَذöيرñ مُبöينñ (50){ (الذاريات)، وليكن شعارنا }وَعَجöلْتُ إöلَيْكَ رَبّö لöتَرْضَى{ (طه: من الآية 84) و"لن يسبقني إلى الله أحد"، والله أكبر ولله الحمد.
وصلّö اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّöم، والحمد لله رب العالمين.