بعثالله رسوله- صلى الله عليه وسلم- فجمع القبائل المتفرقة، وأصلح بينالمتخاصمين، وأذاب العداوة بين قبائلها، ووضع حدًّا للحروب التي كانت تقومعلى أتفه الأسباب، وأرسى دعائم الأخلاق، وأتمَّ مكارمها، وكوَّن منها أمةًأرست دعائم الحرية، وأقامت صرح الحقّö والعدل والمساواة بين الناس دونتفرقةٍ بينهم بلونٍ أو جنسٍ أو طبقة.. ولن يُصلح آخر الأمة إلا بما صلحبها أولها، ولن تقوم للأمة الإسلامية قائمة إلا بالتأسي برسول الله صلىالله عليه وسلم.
وإنَّعلى المسلمين أن يتعشَّقوا دراسة سيرة الرسول- صلى الله عليه وسلم-،فيحملوا من معانيها ودروسها في نفوسهم ما يجعلهم قدوةً للناس في استقامتهموصلاح سيرتهم، وحسن هديهم في الدعوة إلى الإصلاح حتى يعود الرسول- صلىالله عليه وسلم- للمسلمين شمسًا منيرةً تُبدد ظلمات حياتهم، وتمدهمبالحرارة والدفء في قلوبهم وعقولهم وسلوكهم، فيعود إلى المجتمع الإسلاميصفاؤه واستقامته ومثاليته التي تجعله من جديدٍ في مكانö الصدارة والقيادةلشعوب العالم، ويتحقق بذلك قول الله فينا نحن- المسلمين- مرةً أخرى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرöجَتْ لöلنَّاسö تَأْمُرُونَ بöالْمَعْرُوفö وَتَنْهَوْنَ عَنö الْمُنكَرö وَتُؤْمöنُونَ بöاللّهö}(آل عمران: من الآية 111).
وإنَّمن أخطر الأزمات القائمة أزمة وجود القدوة الحسنة، القدوة الصالحة علىمستوى الشعوب والأمم، لا على مستوى الأفراد، فالحمد لله عندنا أفراد، ولكنمصير الأمم لا يتغير بالأفراد، مصير الأمم يحتاج في تحويله إلى مجهودٍجماعي، وإذا بقي هذا الفراغ طويلاً فإنه ليس خطرًا على الأمم التي امتحنتبه، بل هي كارثة العالم كله، فتنهار هذه المدنية، وتنهار هذه النظمالقائمة، ويطوي الله هذا البساط.
أيها الإخوان المسلمون... أيها المسلمون:-
اتخذوا من الرسول صلى الله عليه وسلم قدوة:
إنالمسلمين اليوم في حاجةٍ شديدةٍ إلى أن يذكروا محمدًا رسول الله، الذياحتملَ الآلام، وصابر المشَّقات في سبيلö بناء الإسلام، وإقامة صرحهالشامخ حتى يكون لهم أن يقتدوا به اقتداءً عمليًّا، يزلزل الأوهام فينفوسهم، والاستبداد والظلم في أوطانهم.
وإنالواجبَ على كل مسلمٍ ومسلمة، أن يتأسَّى برسول الله- صلى الله عليه وسلم- في كل جوانبö حياتهم، فإن ذلك هو الطريق الوحيدة لنيل الأمن والسعادة فيالدنيا، والفوز والنعيم في الآخرة.
والتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم يكون في:
- عبادته: فلقد كان أعلم الناس بالله، وأتقاهم له وأخشاهم، ومع ذلك كان يصوم ويفطر،ويقوم ويرقد، ويأتي النساء، ولم يُؤثّöر ذلك في كونه أعبد الناس.
- معاملة الجيران: وكان يقول صلى الله عليه وسلم: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّöثه" (متفق عليه).
- معاملة الناس:فلقد باع واشترى، وكان سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، وسمحًا إذا قضى وسمحًا إذا اقتضى.
- الأخلاق والسلوك عامةً: وكان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خُلقًا وأدبًا وأكرمهم وأتقاهم معاملةً، قال عنه ربه عز وجل مادحًا خلقَه الكريم: {وَإöنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظöيمٍ (4)}(القلم)، وعن عائشة- رضي اللَّه عنها- لما سُئلت عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم قالت: "كان خُلقه القرآن". (صحيح مسلم).
- السلم والحرب واحترام العهود والوفاء بها: لقد دخل- صلى الله عليه وسلم- المدينةَ رافعًا راية السلام، ودخل يقول: "أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام".(رواه الترمذي عن عبد الله بن سلام)، وعندما دخل مكة المكرمة فاتحًا منتصرًا كان قوله لمن حاربوه وعادوه"اذهبوا فأنتم الطلقاء".
بأبيوأمي أنت يا رسول الله، ما أروع سيرتك، وما أعظم بركتك، إنها المدرسةالإلهية لكل قائد وكل زعيم، وكل رئيس، وكل حاكم، وكل سياسي، وكل معلم، وكلزوج، وكل أب، أنت المثل الإنساني الكامل لكل مَن أراد أن يقترب من الكمالفي أروع صوره واتجاهاته ومظاهره، فالحمد لله الذي أنعم بك علينا أولاً،وعلى الإنسانية ثانيًّا.
المسلم يحتفي برسول الله كل يوم
إنَّاحتفاءنا برسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليس يومًا من شهر، وإنمااحتفاؤنا به في كلّö بوم، وليس مرةً واحدةً في اليوم، وإنما عشرات المرات،مع كل نداء وإقامة للصلاة الدنيا كلها تتجاوب وتردد مع المؤذن أشهد أنمحمدًا رسول الله، ومع كل تشهُّد في الصلاة يكون للمسلم لقاءñ مع رسولالله- صلى الله عليه وسلم- يتوجه فيه بالسلام عليه: "السلام عليك أيهاالنبي"، معبرًا به عن زيارة معنوية له- صلى الله عليه وسلم- ولقاء معه،ومرحبًا ومهنئًا إياه.
البشرية تنحدر إلى الهلاك
وإن المتأمل في الواقع العالمي يرى البشرية تنحدر إلى هوةٍ سحيقةٍ تكاد تأتي على الأخضر واليابس، وانقسم العالم الآن إلى فريقين:
- قوي يريد بأنيابه أن يهيمن على الآخرين، ويفرض عليهم ما يريد من قيودتكبلهم، ومعاهدات تستنزف خيراتهم، وتجعل من نفسها وصيًّا عليهم، وبالتاليفهي تحول بينهم وبين الحرية والسيادة على أرضهم، وحرية التصرف فيمقدراتهم.. وتوقد نيران الحروب بما اصطلحوا عليه من ضرباتٍ استباقية،لتأمين مصالحها، وكبح جماح المواطنين الأحرار الذين تسوّöل لهم أنفسهممقاومة الظلم، واسترداد الحقوق والحريات، ومقاومة المحتل، ثم هي لا تكتفيبذلك بل تُشعل الحروب بين أبناء الأمة الواحدة والوطن الواحد حتى يستنصروابهم ويتعلقوا بحبالهم.
- وأما الفريق الآخر فضعيفñ أذلَّه الفقر، وأعجزه الجهل، وأعياه المرض، وزادمن ضعفه الفرقة، وفوق ذلك ابتلي بحكوماتٍ مستبدة تُقيّöد حرياته، وتُنزلبه ألوانًا من الظلم، وتُغلق وجوه الكسبö أمامه، وتأبى إلا أن تظلَّقابعةً على ظهره، مسلطةً على مقدراته، تمتص ما بقي من دمائه، ويصل بهمالطغيان إلى أقصى مدًى حين يحولون بين هذا الشعب المظلوم المكبوت المقهور،وصرخةö ألم أو صيحة إنقاذ.
لقدأصبح السواد الأعظم من أبناء الأمة الإسلامية في كل أنحاءö العالم يحيونفي مستوياتٍ دون الحد الأدنى من الفقر، وضربت البطالة بأطنابها في كلفئاتö المجتمع، وتفشَّت الأمراض، وعزَّ الدواء، وإذا وُجد فلا يقدر علىشرائه، وحلَّ الفساد بالتعليم، وانتشرت الرشوة والمحسوبية، والأثرةوالأنانية، وسرت الجريمة في كثيرٍ من طبقاتö المجتمع، وبدل أن تنشغل النظمالحاكمة بعلاج هذه المشكلات انصرف بعضها إلى التضييق على أبناء الصحوةالإسلامية الذين يسعون إلى الأخذ بيد الأمة وتحقيق نهضتها والتصديلأعدائها من الصهاينة وأعوانهم.
العدو يخشى جذوة الإيمان
ومنالمؤسف أن عدونا يعلم أن سرَّ قوة الأمة يكمن في إيمانها وحبها للجهادوالشهادة في سبيل اللهº ولذا كان أول ما حاولوا هو القضاء على هذه الجذوةالإيمانية فسخَّر كل إمكانياته وأعوانه لتحقيق ذلك، ولكن الله أحبط كيدهوبقيت الأمة على فطرتها تستجيب لمن يدعوها إلى الجهاد وحب الشهادة.. {يُرöيدُونَ لöيُطْفöئُوا نُورَ اللهö بöأَفْوَاهöهöمْ وَاللهُ مُتöمُّ نُورöهö وَلَوْ كَرöهَ الْكَافöرُونَ (8)}(الصف).
الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين
لقد بعث الله عز وجل رسوله رحمةً للعالمين، فمن تبعه كان له الفلاح في الدنيا والآخرة.. {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إöلاَّ رَحْمَةً لöلْعَالَمöينَ (107)} (الأنبياء)، وقال صلى الله عليه وسلم"إنما بُعثْتُ رحمة"، ففيظل شريعة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ينعم البشر جميعًا بالحريةöوالعدل والمساواة وتُرحم البشرية من الجور والشقاء والخوف والرعب الذيجرَّه عليهم عنادهم ليس برفض الرحمة المهداة، ولكن بأبعد من ذلك بإعلانالحرب على شريعة السماء والتطاول والنيل من الرحمة المهداة والنعمةالمسداة والسراج المنير.. ألا ما أتعس البشرية!.. وما أشد ما ينتظرها منشقاءٍ ونكد وضنك لو بقيت على ما هي عليه ولم تستجب لله ورسوله!!.. {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذöكْرöي فَإöنَّ لَهُ مَعöيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقöيَامَةö أَعْمَى}(طه: 124).
دماء الشهداء تمنح الأمة العافية
أيهاالمسلمون.. لا تستعظموا الدماءَ التي تُراق في سبيل نصرة الحق ومقاومةالمحتل، ولا التضحيات التي تُبذل لوقف الفساد الأخلاقي والاجتماعيوالاقتصادي.. فإن ذلك قليل أمام نبل الغاية وعظم الأجر.
إنمن واجبنا- نحن المسلمين- وفي أيدينا شعلة النور وقارورة الدواء أننتقدَّم لنصلح أنفسنا وندعو غيرنا، وإن الإخوان المسلمين يقصدون أول مايقصدون إلى تربية النفوس وتجديد الأرواح وتقوية الأخلاق وتنمية الرجولةالصحيحة في نفوس الأمة، ويعتقدون أن ذلك هو الأساس الأول الذي تُبنى عليهنهضات الأمم والشعوب.. فإن نجحنا فذاك، وإلا فحسبنا أن نكون قد بلَّغناالرسالة، وأدينا الأمانة، وأردنا الخيرَ للناس، ولا يصح أبدًا أن نقطعَالأملَ في الإصلاح، أو يوقفنا عن نشر رسالة الرسول- صلى الله عليه وسلم- ضعف الأثر الملموس، مع كثرة التضحيات والدماء، فحسب الذين يحملون الرسالاتويقومون بالدعوات من عوامل النجاح أن يكونوا بها مؤمنين ولها مخلصين وفيسبيلها مجاهدين، وأن يكون الزمن ينتظرها والعالم يترقبها.. {وَسَيَرَىاللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إöلَى عَالöمö الْغَيْبöوَالشَّهَادَةö فَيُنَبّöئُكُمْ بöمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}(التوبة: من الآية 94)، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.