[22/04/2010][12:35 مكة المكرمة]
رسالة من: د. محمد بديع- المرشد العام للإخوان المسلمين
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، ومَن تبعه بإحسان إلى يوم الدين..
الاستبداد إلى زوال
يحاول الباطل دائمًا أن يقلب الحقائق، فيحوّöل الظالم إلى مظلوم، والجلاَّد إلى ضحية، والضحية إلى مجرم، فالداعي إلى الخير خارج عن القانون، والقائم بالإصلاح مآله الاعتقال، بل ويطالب البعض بضربه بالنار!!، فهل بات الإصلاح والمطالبة بالحريات جريمةً في عالمنا الإسلامي؟ وهل أصبحت خطابات الاستجداء ولافتات التأييد نضالاً وبطولةً؟!.
هذه إشاراتñ لسوءة عصرنا الذي انتشر فيه الاستبداد، خاصةً أمام الشعار الرباني الذي يرفعه الشرفاء: ﴿إöنْ أُرöيدُ إöلَّا الْأöصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفöيقöي إöلَّا بöاللَّهö عَلَيْهö تَوَكَّلْتُ وَإöلَيْهö أُنöيبُ﴾ (هود: من الآية 88).
فهذه السجون التي تلفُّ عالمنا بخيرةö أبناء الأمة، وهؤلاء الأسرى من مجاهدي ومجاهدات فلسطين في سجون الاستبداد الصهيونيº ما هي إلا المخاض للأمل القادم بإذن اللهº ليبدّد ظلام الاستبداد: ﴿كَذَلöكَ يَضْرöبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطöلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فöي الْأَرْضö كَذَلöكَ يَضْرöبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ (الرعد: من الآية 17).
فهذا الاستبداد وإن طال ليله فهو إلى زوال، وسيقف المفسدون بين يدي ربهم: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضö وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لöلَّهö الْوَاحöدö الْقَهَّارö* وَتَرَى الْمُجْرöمöينَ يَوْمَئöذٍ مُقَرَّنöينَ فöي الْأَصْفَادö* سَرَابöيلُهُمْ مöنْ قَطöرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ* لöيَجْزöيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إöنَّ اللَّهَ سَرöيعُ الْحöسَابö﴾ (إبراهيم: 48-51).
فماذا جنى قائد المستبدّöين: يوم أن قال: ﴿مَا أُرöيكُمْ إöلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدöيكُمْ إöلَّا سَبöيلَ الرَّشَادö﴾ (غافر: من الآية 29)، ويوم أن ردَّ على المؤمنين: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إöنَّهُ لَكَبöيرُكُمُ الَّذöي عَلَّمَكُمُ السّöحْرَ فَلَأُقَطّöعَنَّ أَيْدöيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مöنْ خöلافٍ وَلَأُصَلّöبَنَّكُمْ فöي جُذُوعö النَّخْلö وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ (طِه: من الآية 71)، ألم تكن نهايته: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمöيعًا﴾ (الإسراء: من الآية 103).
سنة الله في الخلق
وهذه سنة الله التي لا تتبدَّل ولا تتحوَّل.. إنها السنة الماضية إلى يوم الدين، في الوعد الحق من الله تعالى، لكل الدعاة والأحرار والشرفاء، وهم يواجهون العوائق، ويتجاوزون الصعابº بإيمان عميق، وفهم واضح، وعقيدة راسخة، تسيطر على قلوبهم وعقولهم وتصرفاتهم، يقول تعالى: ﴿ولقَدْ سَبَقَتْ كَلöمَتُنَا لöعöبَادöنَا الْمُرْسَلöينَ* إöنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ* وَإöنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالöبُونَ* فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حöينٍ* وَأَبْصöرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصöرُونَ* أَفَبöعَذَابöنَا يَسْتَعْجöلُونَ* فَإöذَا نَزَلَ بöسَاحَتöهöمْ فَسَاء صَبَاحُ الْمُنذَرöينَ﴾ (الصافات: 171- 177)، هذه سنة عامة، وهي مستمرة في جميع بقاع الأرض وفي جميع العصور، إن أخلص الجند، وتجرَّد المصلحون، فهي غالبةñ منصورةñ، مهما كانت الصعاب والعراقيل، وهل يقف أمام وعد الله شيء؟! وهل يوقف سنة الله شيء؟! قد يؤجّöلها الله إلى حين ولكنها لا تتخلَّف، وقد يُمهل الله الظالم ولكنه لن يفلته أبدًا من الحساب والعقاب، وكل ذلك بتقدير الله، لا بما يريده البشر أو بما يتصوره الناس، فالأمر من الله أكمل وأبقى وأشمل وأحكم، وما يريده الله هو الغالبº لأنه سبحانه الفعال لما يريد: ﴿وَاللَّهُ غَالöبñ عَلَى أَمْرöهö وَلَكöنَّ أَكْثَرَ النَّاسö لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21)، ونداؤنا إلى كل الساعين للإصلاح أن يخلصوا لله ويجعلوا الوجهةَ له سبحانه، ويستمروا في العمل الجادّö لإنقاذ الأمة من المصير المجهول الذي يدفعه إليها الاستبداد والفساد.
﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّöكَ إöلَّا هُوَ﴾
فما يكون في الكون إلا ما أراده الله، وقد يُهيئ الله للبشرية آياتٍ لا يعلمها إلا اللهº من أجل أن نعرف قدرته وسلطانه ﴿ذَلöكَ يُخَوّöفُ اللَّهُ بöهö عöبَادَهُ﴾ (الزمر: من الآية 16) لعل البشرية تفيء إليه، في مجال أوسع، وفي أثر أدوم، فما زال بركان أيسلندا يعوّöق حركة الطيران في معظم أنحاء دول أوروبا، رغم مرور أكثر من أسبوع على ذلكº بسبب الرماد أو الغبار البركاني المتصاعد، الذي يحجب الرؤية ويهدّöد الملاحة الجوية، فدخانه يحتوي على جسيمات ضئيلة من السيليكون، وكل المصهور في جوف البركان يتحوَّل إلى دخان يمكن أن يتلف محركات الطائرات وهياكلها وجميع الأجهزة الإلكترونية الدقيقة، فضلاً عن إصابات رئوية خطيرة لجميع الكائنات الحية.
أليست هذه الآية لأهل الأرض جميعًا للعود الحثيث إلى رب العزة؟ يقول تعالى: ﴿وَمَا نُرöيهöمْ مöنْ آيَةٍ إöلَّا هöيَ أَكْبَرُ مöنْ أُخْتöهَا﴾ (الزخرف: من الآية 48)، وهل هي دعوة إلى التصدّöي للفساد والمفسدين والطغيان والطاغين؟! يقول تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فöي الْبَرöّ وَالْبَحْرö بöمَا كَسَبَتْ أَيْدöي النَّاسö لöيُذöيقَهُمْ بَعْضَ الَّذöي عَمöلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجöعُون﴾ (الروم: 41)، وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم عندما نرى آياتö الله في كسوف أو خسوف الشمسº أن نلجأ إلى الله بالصلاة والدعاء، ونتحصَّن بالاستعداد لليوم الآخرº لنكون قدوةً للناس جميعًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إöنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةö شَيْءñ عَظöيمñ* يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضöعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتö حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بöسُكَارَى وَلَكöنَّ عَذَابَ اللَّهö شَدöيدñ﴾ (الحج: 1-2)، وهذه العودة إلى الله تعني العودة إلى الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، ومعرفة قدرته القاهرة سبحانه فوق عباده، بالامتثال لأمره ونهيه، وليس مجرد الخوف من بطشه وعقابه.
الطوارئ لن تدوم
رضي الله عن حاكم الأمة العادل عمر بن الخطاب وهو يقول: "نحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله"، فالإسلام يطالبنا بالعزة لا بالاستضعاف.. والقوة لا بالهوان.. والحرية لا بالاستبدادº الذي هو يهوى ويتساقط بكل أنواعه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يوم أن نمارس حياتنا بالإسلام، ويوم أن يكون الولاء لله وحده لا للمستبدّöين، ويوم أن نكون عبيدًا لله وحده لا لأصحاب السلطة.
فأمجاد أمتنا لم تصنعها في يوم ما قوانين طوارئ، ولا محاكم استثنائية ولا أحكام عرفية، ولا شرطة ترهب الأحرار، ولا سجون تقمع الشرفاء، وإنما صنعها العدل، وصاغتها الحريات، وأنتجتها المساواة، فكانت بحقٍّ أمة الحق والعدل والمساواة والحرية قبل أن تعرف الحضارات الحديثة هذه المصطلحات.
فيا قومنا..
أقيموا دولة الإسلام في نفوسكم تقُم على أرضكم، إن بداية الإصلاح هو إصلاح هذه النفس البشرية بتمام العبودية لله، ومراقبته في كل شأن وكل حال، واستشعار المسئولية "كلكم راع ومسئول عن رعيته، المرأة راعية ومسئولة عن رعيتها وكذلك الحاكم راع ومسئول عن رعيته"، ففي البيت لا يُبرَم أمرñ من فطام الوليد فما فوقه إلا عن تراضٍ وتشاور ﴿فَإöنْ أَرَادَا فöصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مöنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهöمَا﴾ (البقرة: من الآية 233)، وعلى مستوى الدولة أمر المسلمين شورى بينهم ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: من الآية 38) والأمر الإلهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكل مسئول بعده ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفöرْ لَهُمْ وَشَاوöرْهُمْ فöي الْأَمْرö﴾ (آل عمران: من الآية 159).
نطالب بإطلاق الحرياتº حتى تتمكن أمتنا من نهضة حقيقية لاستعادة مجدها العظيم، وأن تمتلك الإفصاح الحر، عن رأيها في اختيار ممثليها وحكامها، كما تريد، ونحب أن يعلم الجميع أنهم سواءñ في تحمُّل هذا العبء من الاضطلاع بمسئولية الإصلاحº فلا تستصغروا شأنكم أو جهدكم أو رأيكمº لأن مالك القوى والقدر هو الذي يؤتي الملك مَن يشاء وينزع الملك ممن يشاء، وما نحن إلا أسباب نستر القدرة ونأخذ الأجرة من الله: ﴿وَنُرöيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذöينَ اسْتُضْعöفُوا فöي الْأَرْضö وَنَجْعَلَهُمْ أَئöمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارöثöينَ* وَنُمَكّöنَ لَهُمْ فöي الْأَرْضö وَنُرöيَ فöرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مöنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (القصص: 5-6).
نطالب بإنهاء استئثار الحاكم بالسلطة دونما محاسبة من الأمة تحت مسمَّى الطوارئ أو درء الفتن أو الحفاظ على الأمن القومى، فكل ذلك مفسدة مطلقة هي عين الفتنة، حيث تربَّى في أغلب دولنا الإسلامية جيلñ كاملñ لا يعرف إلا قيود الطوارئ على الحريات العامة أو التقاضي والحبس والاعتقال، بدلاً من مواجهة الفساد والمخدرات والانحلال والإرهاب والاحتلال!.. فهل ألفت الشعوب وتعايشت مع قوانين الطوارئ بحكم الزمن؟ وإذا كانت حالة الطوارئ الاستثنائية هي القاعدة، فما القانون الطارئ أيام الحرب أو الوباء أو الكوارث، جنبنا الله ويلاتها؟ وأين هي القوى الشعبية التي تواجه التمديد المستمر لمواده، التي باتت سيفًا مصلتًا على الرقاب، خاصةً أمام الوعود المؤخَّرة بإلغائه، والتي تبخرت ولم يكن لها أي وجود؟!
وفي مصرنا خصوصًا نطالب مع كافة القوى الوطنية التي أجمعت على إلغاء العمل بها، برفع حالة الطوارئ قبل نهاية شهر أبريل الحالي، والاستجابة في ذلك لتوصيات كافة المجالس الدولية والمحلية لحقوق الإنسان، التي أعلنت سقوط مبرّöرات العمل بهاº نظرًا لانتفاء وانقضاء الشروط التي حدَّدها الدستور لاستمرار حالة الطوارئ، وتعارضها مع المواثيق الدولية المعنية، بحقوق الإنسان، وفي قوانيننا المدنية الكفاية لكل ما نحتاجه، فلا قانون طوارئ ولا قانون إرهاب.. فهل تتحقق هذه المطالب؟!
يا قومنا..
قانون التطهير العرقي في فلسطين زيادة في فُجر الصهاينة، لا يردعه إلا وحدة الصف الإسلامي، سنةً وشيعةً، عربًا وعجمًا، على اختلاف ألواننا وألسنتنا وفصائلنا، فالحقُّ الفلسطيني في كل أرضهم حقّñ مقدسñ في كل الرسالات والأعراف والقوانين، وحقوق الإنسان في الشرق أو الغرب، فإما أن ننال حقوقنا وإلا فليس للفلسطينيين أو العرب أو للأمة الإسلامية إلا المقاومة بكل الوسائل المشروعة، بما فيها المقاومة المسلَّحة، فذلك العلاج الناجع لهذا الاستبداد الصهيوني المدعوم أو المسكوت عنه غربيًّا وعالميًّا ﴿بَلْ نَقْذöفُ بöالْحَقّö عَلَى الْبَاطöلö فَيَدْمَغُهُ فَإöذَا هُوَ زَاهöقñ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مöمَّا تَصöفُونَ﴾ (الأنبياء: 18).