|
رسالة المرشد
- عرض
حسب التصنيف -
-
عرض حسب
الكاتب -
-
عرض
أبجدي
-
مقالات مختارة
| عنوان المقال: | من وحى مولد النور | | الكاتب: | المرشد العام محمد مهدي عاكف | | التصنيف: | مفاهيم | | المصدر: | إخوان أون لاين |
من وحى مولد النور

رسالة من: محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومَن والاه... وبعدº
ففي عام الفيل، وفي شهر ربيع الأول، وُلد سيد- صلى الله عليه وسلم-، في أسرةٍ معدنها أصيل، لها مكانتها وشأنها في جزيرةö العرب، وحين سُئل- صلى الله عليه وسلم- "أي الناس أكرم؟ قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا نعم، قال: خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" (أخرجه البخاري ومسلم).
إن من سنن الله عزَّ وجل أن المعاني المجردة لا تستقر في الأذهان، إذا لم تقترن بواقعٍ محسوسٍ، يوضح معالمها ويطبق مبادئها، ويدل على إمكانö تطبيقها في دنيا الواقع، وشاء الله عزَّ وجل أن يجسد في رسوله الكريم مبادئ الإسلام، ونظام شريعته الخالدة، فأقامه نموذجًا عمليًّا واقعيًّا، هو قمة عالية في الفضائل، بل وجميع الكمالات التي تحتاج إليها البشرية، لتتحقق خلافة الله على هذه الأرض لعمارةö الكون.
المطلوب من كلّö مسلمٍ ومسلمةٍ، ومن أصحاب الدعوة على الخصوص- إن أرادوا صلاحًا وفلاحًا وسعادةً وفوزًا فى الدنيا والآخرة- أن يتخذوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قدوةً لهم ومثلاً أعلى أمامهم: فى عبادته وطاعته وجهاده وشجاعته، ورحمته ورأفته، وبذله وعطائه، وعدله وقضائه، وحلمه وأناته، وعلمه وحكمته، وكرمه وسخائه، وصبره وسماحته، ولينه وعطفه، وهذا هو معنى الآية {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فöي رَسُولö اللَّهö أُسْوَةñ حَسَنَةñ لöمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخöرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثöيرًا (21){ (الأحزاب).
نعم.. تهل علينا تلك الذكرى العطرة، ومعظم أقطار العالم الإسلامي في حالٍ يُرثى لها، من ضعف وتفكك وتشرذم، وتدهورٍ اقتصادي واجتماعي وأخلاقي، وغياب للرؤية الواضحة، وفقدان للهدف والإستراتيجية الواحدة، فضلاً عن التبعية، ومن جانب آخر نرى شعوبًا إسلاميةً مقهورةً، مسلوبةَ الحرية والحقوق والإرادة، لا تشارك فى صنع قرارها أو تحديد مصيرها، وقد وقعت ضحية الأسلوب الاستبدادي والنهج القمعي.. وفى المقابل نرى قوى الباطل تسوي ما بينها من خلافات، وتحرص على التنسيقö والتشاور وتعمل على توحيدö المواقف، خاصةً ضد الإسلام والمسلمين، سعيًا إلى تركيعهم وتوهين عقيدتهم وإفساد أخلاقهم والقضاء على خصوصيتهم الثقافية وطمس معالم تراثهم الحضاري واستلاب خيراتهم ونهب ثرواتهم.
إن عالمنا اليوم في أشد الحاجة إلى الإسلام أكثر من أي وقتٍ مضى، الحكومات والشعوب والمجتمعات على السواء، مشكلات السياسة والحكم وكيف تحل؟ مشكلات الحرب والسلام وكيف تعالج؟ مشكلات الاقتصاد والغذاء وكيف يجد طريقه إلى الشعوب المعدمة؟ مشكلات الطاقة وكيف تنهض بالأمم المتخلفة؟ وهكذا بالنسبة إلى مشكلات الشباب، والمرأة والأسرة والطفل، فضلاً عن المشكلات والصراعات الدولية التي أصبحت من معالم عالمنا المعاصر.
أيها الإخوان في كل مكان:
إن دعوة الإخوان المسلمين التي نتشرف بحملها والانتساب إليها لن يقدر الطغاةُ على النيل منها أو الحدّö من انتشارها، لأنها دعوة الحق سبحانه فهو صاحبها وحافظها وراعيها، وهي ليست دعوةً محليةً، تنحصر في حدود وطن صغير، وإنما هي دعوة عالمية للناس جميعًا تستهدف إرساء قواعد الحق والعدل والحرية والمساواة بين بني البشر في كل أرجاء الدنيا، كما أنها تستهدف إيقاظ الهمم والعزائم فى نفوس المسلمين، فهي عنوان صحوة وانبعاث لا نوم بعده، وتجرد لا عبوديةَ معه، وعلم لا جهلَ وراءه، ولم يعد من السهل أو الممكن أن يحال دون انتشار هذه الروح أو امتدادها، وما ذاك إلا لأنها تعبيرñ صادقñ عن شعورٍ عميقٍ، ملأ نفوس المسلمين جميعًا واستولى على مشاعرهم، وإنَّ الإخوانَ بفضلö الله وحده ليضعون كل إمكاناتهم رهن وصول المسلمين إلى حقهم الكامل في الحياة الحرة الكريمة، لا يضنون في سبيلö ذلك بدمائهم ولا بأموالهم، ولا بجهودهم، وإنَّ لهم من إيمانهم وصدق وطنيتهم، ما يجعلهم قادرين على تحمُّل الأعباءö الجسيمة في معارك الحياة المقبلة.
أيها الإخوان:
إن في سيرةö رسول الله، وفي حياته وفي صبره وتحمُّله الأذى من قريش ومن العرب، ثم شجاعته وثباته في مواجهةö الباطل والمبطلين لدروس وعبر، تحفظنا في مواجهة التحديات، ومن تنكرّ البعض لدعوتنا، تحفظ من الحيرة والإحباط الذي قد يشعر به البعض من غريبö ما ينزل بالدعاةö من المبطلين والمفسدين والمستكبرين، إنَّ ما يُحاك للإخوان من فتنٍ، وما ينزل بهم من نكباتٍ ليس بغريبٍ فهذه طبيعة الدعوات والمحن، والاختيار، ليظهر الصادق من الكاذب قال تعالى {أَحَسöبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذöينَ مöنْ قَبْلöهöمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذöينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذöبöينَ (3){(العنكبوت).
إنَّ من شأن الالتزام بالسنة والاقتراب من حياة النبي- صلى الله عليه وسلم- أن يشعل جذوة الإيمان ويلهب روح التحدى والمقاومة فى عزائم الشعوب المغلوبة على أمرها، فلا تستكين لظلمٍ، أو تلين فى مواجهة باطل أو تستسلم أمام واقع مرير.
إنَّ وقفته- صلى الله عليه وسلم- أمام جبابرة قريش وأمام عمه، حين ظنَّ أنه سيخذله وقوله له "يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه" إنها وقفة يجب أن نتأملها وأن نتأسى بها.
أيها الإخوان:
إن الطريق واضح، والنهج مستقيم لكل ذي عينين، وفي رقابكم أمانة التربية والإعداد، ويبدأ على أيديكم الإنقاذ، حين تعود الأمة بحقٍّ إلى ربها، وتسير على هدى نبيها، وتنسى الأحقاد والشحناء والخلافات وتُجيب أولاً عن سؤالٍ: ما هي هويتها؟ {صöبْغَةَ اللَّهö وَمَنْ أَحْسَنُ مöنْ اللَّهö صöبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابöدُونَ} (البقرة : 138).
وحين تحدد موقفها، وتجيب إجابةً واضحةً صريحةً، بحكم ما تملك من ميراثٍ وتجاربٍ ومعطياتٍ، ثم تتجه بعدئذٍ إلى وضع الأسس التي تساعد على تحقيق هذه الهوية، وهي الحرية والكرامة الإنسانية، لكل فردٍ يعيش على أرضها سواء كان مسلمًا أو غير مسلمٍ، أقول تكون قد بدأت طريق النهضة.
يجب أن نعلم أنه بدون الحرية والكرامة الإنسانية لا يمكن لأمةٍ أن تقف على قدميها، أو تُسهم في صُنع الحضارة الإنسانية أو تحقيق الهوية، وبدون الكرامة لا يتحقق لأمة استقلالها وكيانها، فلا إنتاجَ ولا ابتكارَ ولا تقدمَ ولا استقلال، فالعبيدُ يظلون دائمًا في دنيا الذل والعبودية للمستبدين، واليد المرتعشة لا يمكن أن تبني أو تشيد، وصدق الله العظيم إذ يقول {إöنَّ اللَّهَ لا يُغَيّöرُ مَا بöقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّöرُوا مَا بöأَنفُسöهöمْ وَإöذَا أَرَادَ اللَّهُ بöقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مöنْ دُونöهö مöنْ وَالٍ.{ (الرعد: من الآية 11).
أيها الإخوان:
ما قيمة العرب بغير الإسلام، وما قيمة المسلمين بغير الإسلام؟ وما قيمتهم بغيرö هذه الرسالة؟ وما الفكرة التي يملكون تقديمها للبشرية إذا تخلوا عن هذه الدعوة؟
إنَّ العقيدةَ الإسلاميةَ هي التي رفعت هذه الأمة إلى مكان القيادة والصدارة حين التزمت بها، ومن يوم أن تخلى المسلمون عنها لم تعد لهم وظيفة في الأرض، ولا كيان بين الدول، ولم يعد لهم في التاريخ دور وصدق الله العظيم {لَقَدْ أَنزَلْنَا إöلَيْكُمْ كöتَابًا فöيهö ذöكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقöلُونَ} (الأنبياء 10) وبالمنهج المعتدل السمح الذي يملكونه صاروا شهداء على الناس قال تعالى {وَكَذَلöكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لöتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسö وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهöيدًا} (البقرة: من الآية 143)، وبأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، اكتسبوا تلك الخيرية التى تحدث عنها القرآن {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرöجَتْ لöلنَّاسö تَأْمُرُونَ بöالْمَعْرُوفö وتَنْهَوْنَ عَنö المُنكَرö وتُؤْمöنُونَ بöاللَّهö} (آل عمران 110) فإن تنكَّروا لهذا المنهج صاروا ذيولاً في القافلةö البشريةö وتحوَّلوا إلى التبعيةö الذليلةö يجرون وراء كل ناعق.
لقد كان العربُ في أحطّö دركاتö الجهلö والعماية، ورغم هذا فالإسلام هو الذي خلَّد ذكرهم، وأعلى شأنهم، وأوجد لهم أعظم حضارةٍ عرفها التاريخ, وإن شئت فاقرأ {هُوَ الَّذöي بَعَثَ فöي الأُمّöيّöينَ رَسُولاً مöنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهöمْ آيَاتöهö وَيُزَكّöيهöمْ وَيُعَلّöمُهُمْ الْكöتَابَ وَالْحöكْمَةَ وَإöنْ كَانُوا مöنْ قَبْلُ لَفöي ضَلالٍ مُبöينٍ(2){ (الجمعة)، ومن أجل هذا لن يعودَ المسلمون إلى سالفö أمجادهم إلا بالعودةö إلى محكمö دينهم. |