يوسف العمايرة – فلسطين 15/12/2005م
في 23 ربيع الثاني 1408هِ الموافق 14 كانون الأول / ديسمبر 1987م، وبعد أسبوع من اندلاع الانتفاضة الفلسطينية ضد الاحتلال فيما عرف بِ"ثورة الحجارة"، كان الإعلان عن ظهور حركة المقاومة الإسلامية "حماس" عبر أول بيان رسمي، دلل على مدى جاهزية الحركة واستعداد قادتها وكوادرها لخوض مرحلة جديدة من العمل الوطني، إثر فترة طويلة من الإعداد والتعبئة. دخلت "حماس" ساحة المواجهة مع الكيان المحتل بكل ثقلها، مؤسöسَة لفعل مقاوم، مغاير لما كان سائدا قبل ذلك -حين أرهنت نظريات المقاومة والتحرر العلمانية والقومية ذاتها للمعسكرات والقوى الدولية المختلفة- لتعيد "حماس" دفة المواجهة إلى مسارها الطبيعي، بقيادة الشعب الفلسطيني، بصموده وصبره وعظمة إصراره لاسترجاع حقوقه، مُسندا بالذخر الاستراتيجي المتمثل بأمته العربية والإسلامية، شعوبها وحكوماتها، على اعتبار أن هذين البعدين يشكلان –عقائديا وحضاريا ومصيريا- المحضن الطبيعي الذي يجب أن تصاغ فيه القضية الفلسطينية وتفاعلاتها حاضرا ومستقبلا. لا يزال قادة "حماس" وكوادرها، يتذكرون مرحلة النشأة الأولى، وحجم المصاعب والمخاطر التي رافقتها، وكيف استصاغوا المواجهة -أو اضطروا لذلك- على أكثر من صعيد. فالاحتلال وقف مشرعا بنادقه وبوابات سجونه لهم، فيما بدأت أقاويل شركاء المصير تثير أباطيلها بنعوت العمالة للعدو الصهيوني والتخلف الديني والرجعية العربية. ولعل النهج "الحمساوي" المبني على العقيدة والقيم والمثل والأخلاقيات في التصورات والتعامل مع مختلف القضايا المطروحة في كل الظروف، هو الذي أغدق على قادتها وكوادرها ومناصريها جميل الصبر، وأفرغ عليهم قوة الثبات على المواقف، والصلابة في المواجهة، والحكمة في اتخاذ القرارات. فالأهداف المرسومة للحركة لم تكن منافسة أي فصيل أو تيار فلسطيني، بل رفد القضية بما يديم بقاءها حية ومتوقدة في عمق الذاكرة الجماعية للأجيال التي ورثت النكبات والنكسات. اليوم، وقد اشتد العود ليستعصي على الكسر، وقوي العضد لدرجة الحسم، تقف "حماس" محمّلة بإرث وطني مثقل بالقضايا الشائكة والمستعصية، لكنها ماضية في تثبيت أركان نهجها على أساس منطلقاتها الفكرية والأيدلوجية، وبناء على أولوياتها، خطوة إثر أخرى، لا تضيرها أراجيف الأقوال ومثبطات العزائم. وللحقيقة، لم تكن "حماس" وحدها قادرة على مواصلة مسيرتها التي شهدت انعطافات حادة وخطيرة هددت وجودها ومصيرها، خصوصا مع تعرضها لضربات مثخنة جدا أصابت كبدها، لولا الالتفاف الكبير من قطاعات فلسطينية واسعة، أسندت الحركة في كل مرة كانت تتعرض لها، ورفدتها بالدعم المادي والمعنوي والكوادر والمناصرين، أربكت استقراءات الكثيرين لهذه الحالة، واستشرافهم لمدى استمراريتها، وهذا هو التجذر الذي أعيى فكر الاقتلاع حتى يومنا هذا. وإذا ما تلمسنا المكامن الرئيسة لمسيرة "حماس" الماضية، فإننا نسجل لها ما يلي:
أولا: أكدت الحركة على قدرتها في التعامل مع مختلفة الظروف المرحلية والمعطيات الطارئة بنجاح، وأبدت تفوقا في المرونة إزاء المواقف التي لا تنال من الثوابت الوطنية، ولم ترهن ذاتها لما يمكن أن تنسلخ عنه لاحقا. كما نجحت في ترسيخ هيكلية تنظيمية ممأسسة ومنفصلة عن بعضها، بما يحفظ لأجهزتها المختلفة ديمومة العمل في حال التعرض لأي منها (الجهاز السياسي، الإعلامي، العسكري، الأمني، الدعوي ...الخ) بكل تفريعاتها. ثانيا: أبدت حماس قدرة فائقة في توظيف البعدين العربي والإسلامي للقضية الفلسطينية من خلال شبكة واسعة من العلاقات مع دول عربية وإسلامية، أخذت الطابع الدبلوماسي في معظم الأحيان (ممثلين)، ولم تدخل قنوات وزارات الداخلية، لتحسم ومنذ البداية الجدل حول الارتهان لسياسات خارجية، أو التبعية لهذه الدولة أو تلك. الأمر الذي أضفى قدرا كبيرا من الثقة والاحترام لنهج تلك العلاقات، لتصل حد اللقاء والتنسيق مع المستويات الرسمية والأطر والأحزاب السياسية والفعاليات الشعبية، خصوصا التي استثنيت من واجب الدفاع عن قضية الأمة العربية والإسلامية بفعل سياسة الاحتكار النضالي التي حاولت سلخ القضية عن جسمها. وقد أثبتت الانتفاضات المتتالية، كم كان المواطن العربي والمسلم مستعدا، بل تواقا لإسناد مقاومة الشعب الفلسطيني بكل ما أوتي من أسباب القوة. ولأن إعادة "حماس" القضية لمحضنها بدى ناجحا أكثر مما كان متوقعا، فإن جلَّ اهتمام الحملة الدولية المسعورة على المقاومة الآن، ينصب على بتر هذه العلاقات، التي أصبحت شرايين التلاحم والأمل بين المواطن الفلسطيني في الداخل والمنافي، ومحيطه العربي والإسلامي. ثالثا: دور الإعلام والرأي العام الدولي: أتقنت "حماس" فنون التعامل مع وسائل الإعلام، ومخاطبة الرأي العام العالمي عموما، بألسنة واعية لآليات السمع، ومدركة التفاعلات الحاصلة إقليميا ودوليا. ونجحت عبر وسائل إعلامها ورموزها -بلغات مختلفة- في استقطاب اهتمامات الرأي العام وتسخيره، كما في عملية الإبعاد القسري الجماعي لأكثر من أربعائة قيادي وكادر في العام 1991م إلى جنوب لبنان، حيث مسخت الماكنة الإعلامية لمبعدي مرج الزهور آنذاك، الخطط الصهيونية لسحق الحركة. كما لم تنأى حماس بنفسها عن معادلة موازين القوى العالمية، بل ذللتها وبسطت اليد لكل من يريد الإسهام بجهد فيه خدمة للمصلحة الفلسطينية، ويتوافق مع التوجهات الثابتة المناهضة لابتزاز العولمة والتطبيع مع المحتل. رابعا: المشاركة السياسية والمجتمعية والعلاقات التنظيمية: انصب اهتمام الحركة منذ البداية على العمل السياسي والاجتماعي، وتفعيل قطاعات المجتمع برجاله ونسائه، مسلميه ومسيحييه، مؤسساته وفصائله، استنهاضا لمقومات الثبات والرباط على أرض فلسطين، في مواجهة كل مظاهر الاقتلاع الاحتلالي.
وإذا كان الأداء الاجتماعي لِ"حماس" عبر السنوات الماضية ناجحا بكل المقاييس، عبر شبكة المؤسسات الخيرية والاجتماعية، التي أقامتها وأدارتها بتخطيط وجرأة واقتدار وأيدي بيضاء، وانتفعت منها قطاعات واسعة من أبناء الشعب الفلسطيني، فإن مشاركتها السياسية في إدارة العمل السياسي الفلسطيني، وخصوصا في المرحلة المقبلة (الانتخابات التشريعية)، لن تكون أقل نجاحا، خصوصا وأن التجربة الفصائلية تحسب لِ"حماس" مرونتها وحرصها الدؤوب على الشراكة السياسية، ورغبتها في ترسيخ مبدأ قيادة العمل الجماعي. ورغم ما تعرضت له الحركة من ممارسات الاحتلال التي تخللت عملية المشاركة السياسية الحديثة (بين كل مرحلة انتخابية وأخرى) لثنيها عن المشاركة والحيلولة دون وصولها مستوى صنع القرار الفلسطيني، حيث اعتقل من بين صفوفها في الشهرين الأخيرين أكثر من (1000) كادر وعضو، إلا أنها استطاعت الإفاقة باسقة، لتمتشق ثلّة من الكوادر والمهنيين والطلائعيين في مراكزهم ومؤسساتهم، وتخوض بهم غمار العمل السياسي. وقد نجحت في فرز مرشحيها حسب الأسس الشورية المعمول بها في لوائحها الداخلية، دون أن يُسمع لها صوت، أو يُنشر لها غسيل. وأخيرا،، وهو الاستفهام الذي يتعمد كثيرون ترديده بين الفينة والأخرى، أن لا برنامج عملي لِ"حماس"!! وإن كان فإنه لا يوافق طبيعة المرحلة الراهنة (داخليا، إقليميا ودوليا)!!! وفي هذا حكم المجافي للصواب، فحقائق السياق أعلاه، مع تميز وتفوق الحركة في تعاملها مع الاحتلال الصهيوني خلال كافة مراحل المواجهة، وصمودها أمام تصريحات الإدانة والتنديد ضد قادتها وفعلها المقاوم، وثباتها على المواقف المبدئية للقضايا الوطنية الهامة [القدس، اللاجئين، الأسرى... وغيرها]، وإنصهارها في كافة شرائح المجتمع، يثبت أن تلك الشكوك كانت مريبة وللريبة فقط، كما ويدلل على أن للحركة برامجها القابلة للتفاعل مع آمال وطموحات الشعب الفلسطيني، وإن كان ذلك لا يرضي المحتل ولا يتماشى مع قواعد النظام العالمي المهيمن. وما يميز أجندة هذه البرامج، صدق التوجهات وسلامة التخطيط ومرونة التعامل وحيوية الأداء، بدى ذلك ماضيا، ومن المأمول أن يتقدم بنجاح مستقبلا.
yamayreh@yahoo.com