
إن ما يحدث الأن من تعنت واضطهاد للقضاة وتحويلهم للتحقيق وإقافهم عن العمل يعد انتهاكة صارخة للهولاءالشرفاء الذين تصدوا للظلم والطغيان غير مبالين بما يحدث لهم،إن ما حدث منذ أكثر من نصف قرن عندما ماتت انتهك القضاء وأعتدى عليهم انتقلت الحريات إلى رحمة الله وضاعت مصر بضياعها ووقعت فريسة للصهاينة.
إن ما حدث من انتهاكات للحريات فى 28 مارس 1954 يعد وصمة عار فى جبين مصر والأمة جمعاء. لقد اعتدى على القضاء وخرج الدهماء يطالبون بسقوط الحرية والديمقراطية وعودة الاستبداد والديكتاتورية، لقد شهد العالم فجيعة هذا الحدث فسقطت مصر من أنظار دول العالم كله.
لقد قامت ثورة 23 يوليو 1952 فقهرت الاستبداد وطردت الملك رمز الفساد وطالبت بإصلاح البلاد فخولها الشعب كل الآمال، وبنى عليها كل الأمنيات، وظهر رجالها البواسل فى ثوب الفاتحين محررين البلاد من أيدى المخربين. وظهر محمد نجيب كأول رئيس للجمهورية وعمل على عودة الحياة النيابية وعودة الجيش إلى مكانه الطبيعى فى حماية البلاد ،وأن يكون الشعب مصدر السلطات.
فتنسم الشعب نسيم الحرية المفقودة وعبير الحياة السعيدة لكن سرعان ما غيمت السماء واستيقظ الناس على رعد وبرق و مظاهرات يقودها صاوى أحمد وإبراهيم الطحاوى ويشترك فيها رجال هيئة التحرير ينادون بسقوط الحريات وسقوط الديمقراطية، وحدثت التفجيرات فى الجامعة وجروبى والسكة الحديد، وتوجه الغوغاء إلى مجلس الدولة واقتحموا حصانة القضاء وأنهالوا ضربا على الدكتور عبد الرازق السنهورى رئيس مجلس الدولة بتهمة منادتة بالحريات، كل ذلك بتحريض من عبد الناصر،لا لشئ إلا لتكميم الأفواة وإشاعة الحكم المستبد الذى ما زلنا نعانى منه حتى يومنا هذا فى ظل الحكم العسكرى والإستبداد الفردىللحاكم.
لم يحدث فى مصر منذ الفراعنة أن تعرض قاض لمثل هذه الإهانات التى تعرض لها القضاء فى عهد عبد الناصر وتطور الحال حتى تمت مذبحة القضاء وأحيل جميع القضاة الشرفاء إلى التقاعد، إنها انتهاكات عادت بمصر إلى عهود الرجعية قرونا عديدة ولقد أصبح أمثال جمال سالم والدجوى هم القضاة الذين يحاكمون الناس، فقد وقف جمال سالم يطلب من يوسف طلعت أن يقرأ الفاتحة بالمقلوب، والدجوى الذى كان حاكما عاما لغزة والتى سلمها لليهود بذلة واستصغار عاد إلى مصر ليتقلد أعظم النياشين ويكون قاضيا على أمثال الشهيد سيد قطب ومحمد يوسف هواش وعبد الفتاح إسماعيل. لقد ضاعت مصر منذ بداية هذا العصر التى ضاعت فيه الحريات وانتهكت فيه الكرامات وذبح فيه القضاء.
لقد ضاعت مصر منذ أن خرجت مظاهرات، 9، 10 يونيو 1967 تطالب عبد الناصر بعدم الاستقالة، وما كانت هذه المظاهرات إلا رجال الاتحاد الاشتراكى والتنظيم الطليعى والمباحث العسكرية فى ثوب مدنيه وظنوا أنهم يضحكون على الشعب غير أنهم كانوا يضحكون على أنفسهم.
لقد خربت البلاد واستعمارها اليهود الأوغاد واستعبدتها مراكز القوى أمثال صلاح نصر وشمس بدران وغيرهم ممن لا يزالون يرتعون فى خير البلاد دون حساب أو عقاب،وكانوا يرددون نعم لقد انهزمت البلاد لكن لم ينل اليهود الأوغاد مرادهم من إسقاط عبد الناصر الهمام هكذا كانوا يردد وكأن النصر تحقق على اليهود ما داموا لم ينالوا من شخص عبد الناصر.
لقد كانت أحداث مارس 1954 أنتكاسه للحريات فبعد أكثر من خمسين عاما ما زال تقييد الحريات مفروض، ولم تختلف انتكاسة مارس 2006م عن انتكاسةمارس1954م، لقد قيدت الحريات وشلت الصحافة واعتقل الصحفيين، وخرجت المظاهرات تنادى بالروح بالدم نفديك يا ريس، وفى نهاية المظاهرة لم ينس كل متظاهر أن يحصل على المعلوم ووجبة الطعام. وما اختلف وضع اليوم على الأمس ففى الجامعات كممت الأفواه واعتقل الطلاب واضطهد الأساتذة الشرفاء وحرموا من ترقياتهم، وهيمن الأمن على الجامعات ومقررات الكليات.وأصبح الأمر الناهى فيها
نعم لقد أصبح الحاكم وبوليس الحاكم يعاقب كل من ينادى بالحريات، استبعد الطلاب من السكن فى المدن الجامعية لأنهم نادوا بالحريات، وشطب الطلاب من قوائم الاتحادات لأنهم نادوا بالحريات، زج بهم فى غياهب السجون لأنهم أرادوا أن يتنسموا عبير الحريات. لقد تكررت انتكاسة مارس 1954 من ضرب القضاة ففى الانتخابات التشريعية فى مصر هجم البواسل الأبطال رجال الشرطة على رجال القضاء فكسروا وضربوا وأهانوا ولم يحترموا وصفهم كقضاه ،لقد قام الضابط بكسر ذراع القاضى وآخر أهان وسب وشتم القضاة وها هى الدولة تحيل القضاة الى التحقيق بدعوى انهم كشفوا عورات النظام وشهدوا بتزوير الإنتخابات، إذن أين الحريات .
إن ما حدث لأحمد أبو الفتح ومصطفى أمين وعلى أمين من سجن واعتقال فى زمن ضاعت فيه الحريات حدث أيضا فى هذا الزمن الذى ماتت فيه الحريات فقد أغلقت الصحف لأنها نادت بالحريات فأغلقت جريدة الشعب وسجن الصحفيين وضربوا وأهينوا ولم يتوقف الأمر عند ذلك وفقط بل انتهكت أعراض الصحفيات على أيدى أبطال الأمن الأفذاذ فى زمن تشدقوا فيه بالديموقراطية. إن السجون ضاقت بروادها وضجت بمن فيها منذ اعتقلوا من عشرات السنين فلم يخرجوا حتى الآن كل ذلك دون قانون.
لقد ضاعت مصر حقا تحت حكم العسكر والشاويشية فمنذ أكثر من نصف قرن ويحكم بلادنا ثلاث رؤساء وهذه هى الديمقراطية والحرية لا يوجد عندنا رئيس سابق فى حين فى البلاد الرجعية أمثال أمريكا وإسرائيل حكم أكثر من أربعين رئيس وهذه هى الرجعية بعينها التى يؤمن بها نظامنا الحاكم.
لم تختلف أوضاع مصر فى ظل حكم عبد الناصر عن أوضاعها فى ظل من جاءوا بعده فالصحافة والقضاء والجامعات والنقابات والسرقات والأموال المنهوبة للخارج هىهى لا تتغير وبالقانون" كما يقولون".
لا نملك إلا أن نوجة نداء إلى رجال القانون الشرفاء والدستوريين الحكماء أن تعملوا على إلغاء كل قانون سن وصدر فى زمن الرجعية لأنها قوانين غير شرعية صدرت فى زمن الاستبداد، فى زمن قيدت الحريات وانتهكت الحرمات واعتقل الشرفاء وأهين القضاء وانهزمت البلاد أمام اليهود الأوغاد. قوانين كممت الأفواه وآلهت الحكام وخربت البلاد فتاهت وسط الزحام ووقفت على كل باب تطلب الإحسان وتنتظر إحسان اليهود والأمريكان... حتى متى سنظل أذلاء.
نعم إننا ننشد الحرية فى زمن ضاعت فيه الحريات
------------
عبده مصطفى دسوقى
دراسات عليا فى التاريخ-جامعة القاهرة
abdodsoky1975@hotmail.com