إن المراقب للطيور المحبوسة في أقفاصها المتفكر في خلق الله لها ليستمتع ببديع صنعتها، وجمال ألوانها، ونغمات غنائها، ومرح ألعابها أيّما استمتاع، فإذا ما قدّر الله لها عتقا من قيدها وفكاكا من أسرها، لاحظَ ضعفا عاما يعتريها، ذلك أن قدرتها على الطيران كانت محصورة في مساحة أقفاصها فما عادت أجنحتها تطيق طيرانا أبعد، وأن أقصى مدًى لنظرتها كانت هي المسافة الفاصلة بين طرفي سجنها، حتى إن تأثيرها في نفوس الناظرين والسامعين انحصر في أهل المكان الذي زيّنته وإن تعدى ذلك فقد يسع إلى جانبهم بعض الزائرين والضيوف، ومن رحمة الله بها أن كانت بينها قيادات تنتظر يوم الخلاص وتعد له فكرها وجسدها إيمانا منها بأنه لا بد للقيد أن ينكسر ولليل أن ينجلي.
إن الطيور يوم كانت في أقفاصها، كانت منغلقة على نفسها إلا من تواصل يسير مع طيور تمر مرورا عابرا أوتقف لتستريح على شرفة المنزل أوواجهة المحل الذي تزينه الطيور الأسيرة، كانت تعيش في مجتمعها حالة من التفاهم واللغة المشتركة، كانت تتباهى بجمال ريشها وروعة ألوانها - كيف لا وهي تتشبه بقدوتها، وتستنُّ بها ؟!- فلا ينكر أحد عليها إذ إن المفاهيم موحدة والأفكار متشابهة !! .
فلما قدّر الله في يوم الفتح المبين للأبواب أن تفتح، وللقيود أن تكسر، اختلفت الأمور والمفاهيم .. فقد كان من متطلبات الحرية الجديدة أن تخالط الطيورُ المحررةُ الطيورَ الحرّةَ، وكان من البديهي أن يتصدر للأمر قادة السرب بعد أن شاوروا إخوانهم في خوض التجربة الأولى أمام القضبان بعد أن كانوا خلفها \" وشاورهم في الأمر..\"، فتقدموا الصفوف، وواجهوا الملمّات، وتخطّوا العقبات الكأداء والمصاعب الجسام، واقتحموا عالما واسعا جميلا لم يكونوا قد عرفوه من قبل، وأبصروا أفقا بعيدا مديدا لم يكن لعيونهم أن تراه من مواقعها الأولى، ومنَّ الله عليهم بحöكمة \"ومن يؤتَ الحكمةَ فقد أوتيَ خيرا كثيرا\" .. فمن الحكمة التي آتاهم الله: انفتاحا على العالم من حولهم، وإدراكا لحاجات العامة وقضاياهم، كما تبيّنوا مواضع الضعف الذي اعترى بناء أجيالٍ من الطيور المحرّرة في مجالات عدة نتيجة عدم تدريبهم في الأقفاص على حياة الحرية، وبفضل الله ومنته استطاعت الطيور الرواحل أن تصنع من الليمون الحامض عصيرا حلوالمذاق، أحالوا تلك الخطوب فقها جديدا للواقع، وطريقة إبداعية لصناعة الحياة، فحدّثوا فكرهم، ووسّعوا مداركهم، وتقرّبوا إلى مَن حولهم، وعملوا وفق قاعدة من ليس ضدي فهومعي .. فعادت صفوة الصفوة إلى الصفوة على الثوابت التي انطلقوا بها أول مرة مع فرق بسيط : أنهم أصبحوا أوعى وأقوى .
إن الذي نفقهه من الطيور المحرّرة والذي استدعى كتابة هذا المقال هو أنه وبعد هذه التجربة الرائدة، والجهاد الجهيد، ترتب على جميع المحرّرين أعمالا شاقة وبناءً متواصلا .. أهمها تربية مستدركة لما تأخر، فقد كان من المفترض أن يُربى الأسرى من أول يوم في الأسر لمواجهة أول يوم من الحرية .
إن من أهم واجبات القيادة العائدة من تجربتها - في هذه المرحلة المهمة - أن ينقلوا خبراتهم وحöكمتهم المتراكمة إلى الجيل الصاعد \"قيادات المستقبل\" . علينا كمسلمين أن نتعلم من الغرب ما تعلموا من تراثنا وطبّقوا فِ\"الحكمة ضالة المؤمن أنّا وجدها فهوأحق الناس بها\"، إنهم يقومون ومنذ نعومة أظفار أبنائهم باصطفاء أصحاب الذكاء والفطنة منهم ويضعون لهم البرامج التدريبية والتعليمية الموجهة ويحرصون على بناءهم البناء نفسي والعقلي الخاص في مدارس ومراكز تدريب خاصة بقيادات المستقبل، كما فعل الرسول (صلى الله عليه وسلم) مع عبد الله ابن عباس لمّا أردفه خلفه .
إن نقل هذه الخبرات والمفاهيم الفقهية الجديدة للواقع هي بمثابة إعداد لجهاد من نوع جديد غير الذي كان من قبل، جهاد البناء والتعمير، فالجهاد من فترة إلى أخرى ينتقل إلى مرحلة نوعية جديدة صوب الهدف المنشود، وقد وجب الإعداد لكل مرحلة منها حسب متطلباتها \"وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ..\"، وقد يظن بعض ضيقي الأفق قصيري النظر- نتيجة طول مكثهم في القفص وثقوب التربية المذكورة - أن معنى الإعداد والقوة مقتصر على المادية دون الفكرية والعلمية والمعاملية والكلامية منها، وما علموا أنه لا معنى لقوة مادية لا تُعرَف طريقة صناعتها أوحتى صيانتها، ولا طريقة تسويق امتلاكها واستخدامها !!.
إن فقدان الإعداد في مثل هذه الجوانب، يجعل الصفوة المحرّرة في مواقعها الجديدة \"مواقع التأثير وصنع القرار\" كتلك الفراشة المسكينة التي حرمها عطف مراقب متفكر من اكتساب الخبرة والقوة اللازمة لها لتجابه العالم الجديد خارج الشرنقة، حيث يروى أنه في يوم من الأيام وقف رجل يراقب – ولعدة ساعات- فراشة صغيرة داخل شرنقتها والتي بدأت بالانفراج رويدا رويدا، وهي تحاول جاهدة الخروج من ذلك الثقب الصغير في شرنقتها .. وفجأة سكنت!!، وبدَت وكأنها غير قادرة على الاستمرار !!، فظن الرجل بأن قواها قد استنفذت للخروج من ذلك الثقب الصغير أوحتى توسعته قليلا .. ثم توقفت تماما !!، شعر الرجل بالعطف عليها وقرر مساعدتها فأحضر مقصا صغيرا وقص بقية الشرنقة، عندها سقطت الفراشة بسهولة من شرنقتها، ولكن بجسم نحيل ضعيف وأجنحة ذابلة !!، ظل الرجل يراقبها معتقدا بأن أجنحتها لن تلبث أن تقوى وتكبر وبأن جسمها النحيل سيقوى وستصبح قادرة على الطيران، لكن شيئا من ذلك لم يحدث !!، وقضت الفراشة بقية حياتها بجسم ضعيف وأجنحة ذابلة لم تستطع الطيران بها أبدا.. فهل ترضى القيادة لخلفائها بمثل هذا المصير ؟ .
وفي المقابل فإنه يتوجب على الأجيال الصاعدة من المحرّرين أن تعي أهمية هذه العلوم وهذا الفقه، وأن تسعى جاهدة لتعلمها والتفقه بها، عليهم أن يحسنوا صناعة الحياة وفقهها كما أحسنوا صناعة الموت من قبلها، فإنه من يحسن صناعة الموت يستحق الحياة، ومن يحسن صناعة الحياة يمتلك زمام قيادتها، فإنهم ما تعلموا صناعة الموت إلا من أجل أن يصنعوا الحياة كما فعل الإسلام العظيم؟، فما كانت حروبه إلا لتحرير العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلامي، فما صَنَع الموت إلا لأجل إتقان الحياة .
والحمد لله رب العالمين
---------------------
بقلم / * عمروهشام السقا
غزة – فلسطين
*
مشروع مفكر إسلامي