بكم سنغير الدنيا
تمر الأيام على الأمة الإسلامية وهي مكانها، أو تعود أحيانا إلى الوراء... القليل من العمق في النظرة أو التحليل لواقعها يجد أن المشكلة تكمن في الصراع الفكري الصامت أحيانا، الدموي أحيانا أخرى.
لا يمكن في لحظة من اللحظات أن تجمع الأمة كلها على فكرة، فهكذا خلق الله البشر، لكل تكوينه العقلي وقدرته وشخصيته، ولعل المشكلة الحقيقية تكمن في غياب الوعي المجتمعي تجاه ما يحدق به من مخاطر وأحقاد، وواضح ذلك من الاختلاف حتى على "نظرية المؤامرة" –النظرية التي تقول إن ما يحدث للأمة من تفلتات وانقسامات وانحلال يعود إلى خطط يعدها أعداء الإسلام لأهله-.
الكل معذور في أسلوبه في التفكير ولكن ليس معذورا فيما يختار من مناهج فكرية أو أساليب حياة، سيسألني القارئ: وكيف تقول ذلك وقد جعل الله للإنسان الحرية في الاختيار؟ الحقيقة في الحرية هنا أنها حرية بين أمرين إما أن تختار الصواب أو تختار الخطأأأأأأا يمتبرلانيلاراهيت، ومعروفة نهاية الاثنين –إما جنة أو نار- قال تعالى: " لاَ إöكْرَاهَ فöي الدّöينö قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مöنَ الْغَيّö فَمَنْ يَكْفُرْ بöالطَّاغُوتö وَيُؤْمöن بöاللّهö فَقَدö اسْتَمْسَكَ بöالْعُرْوَةö الْوُثْقَىَ لاَ انفöصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمöيعñ عَلöيمñ << 256>>" –سورة البقرة-.
الحقيقة أن الكل مقصر في عرض منهجهº لأسباب، الأول: أن بعض أصحاب المناهج نسي في غمرة الأحداث السريعة أن يعرف بنفسه، الثاني: أن البعض يعرف خطأه فتقوقع على نفسه خوفا من حيث منهجه الفكري فقط و انطلق إلى الناس بخطاب يجمع كل شيء –ما يحبه المشاهدون- وهؤلاء معروفون، الثالث: أن البعض يرى أن على العامي أن يبحث –وهو مصيب جزئيا- فأراح نفسه من هذه المهمة، وآخر ما قادني إليه تفكيري وسؤالي رابعا: أن البعض يئس من خطاب مجتمع يراه معبئا أصلا ولا يقبل النقاش أو التجديد.
تابعت الكثير من الكتابات في سياق الحديث عن التغيير وفقه الاختلاف، ونشرت كتب وبرامج إذاعية تتحدث عن هذا الجانب، وإني وإن استهوتني الكتابة في هذا الموضوع فلن أضيف الكثير إلى مقال "الِ لا عنف ...الثقافة الغائبة (1)" -للأخت نهال الجعيدي أستاذة التاريخ والكاتبة الفلسطينية-.
لكن أحب أن أسرد لكم قصة إبراهيم عليه السلام في الحوار، "أَلَمْ تَرَ إöلَى الَّذöي حَآجَّ إöبْرَاهöيمَ فöي رöبّöهö أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إöذْ قَالَ إöبْرَاهöيمُ رَبّöيَ الَّذöي يُحْيöِي وَيُمöيتُ قَالَ أَنَا أُحْيöِي وَأُمöيتُ قَالَ إöبْرَاهöيمُ فَإöنَّ اللّهَ يَأْتöي بöالشَّمْسö مöنَ الْمَشْرöقö فَأْتö بöهَا مöنَ الْمَغْرöبö فَبُهöتَ الَّذöي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدöي الْقَوْمَ الظَّالöمöينَ <<258>> - سورة البقرة-.
لم يناقش إبراهيم عليه السلام –المؤيد إلهيا- رجلا كافرا ويدعوه ويسوق له بدل الحجة اثنتين؟ ولم لم يتوجه إليه محذرا منذ البداية أسلم وإلا كذا وكذا على الرغم من وقاحة ذلك الكافر واستعلائه حين قال "أَنَا أُحْيöِي وَأُمöيتُ "؟
ليس هدفي من هذه السلسلة أن أتعمق في هذا الجانب –ثقافة الاختلاف- ولكن أردت أن أبد بها وعنونت أول مقال "بكم سنغير الدنيا" ليعلم كل إنسان أن عليه حملا ثقيلا وأنه ليس معذورا في دعم المخطئ وعدم إيقافه عند حده، ولا معذورا في عدم معرفة الصواب، فالجهل في عصر العلم ليس عذرا بل جريمة.
التغيير يبدأ من الفرد وينتهي بالعالم، وهو مسئولية فردية ومجتمعية، قال تعالى في سورة الرعد: "إöنَّ اللّهَ لاَ يُغَيّöرُ مَا بöقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّöرُواْ مَا بöأَنْفُسöهöمْ" –آية11-.
-------
بهاء الدين الغول*
30-5-2007